الرَّجلُ الذي أرادَ التحدّثَ مع ملكِ المغرِب:

تّعذيبٌَ وفسادٌ في الممْلَكة الشّريفيَّة

سرعان ما تلاشت الآمال التي عُلّقت على اعتِلاء محمّد السادس العرش، إذ تعجّ إفادات شهود العيان بالحديث عن الإجراءات الاعتباطية التي تسود المغرب. ولكي يقتنعَ المرء، ما عليه إلاّ أن يقرأ تقارير جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان. وكتابُ زكريا مومني، الذي صدر مؤخّراً تحت عنوانِ “الرجل الذي أرادَ التحدّث مع ملك المغرب”، يحتوي على مقاطع من تلك التقارير، ويوثِّقُ هذه الحالة التي تتناساها الجهات الرسميّة الفرنسيّة بسهولة بالِغة.

كان يمكنُ لهذه القصّةُ أن تروى كخرافة: شابٌّ مغربيّ نشأ في الأحياء الشعبيّة وتُوِّج بطلاً للعالم في رياضة ملاكمة الرَّكْل عام 1999 ، أي في السنة ذاتِها التي اعتَلى فيها محمّد السادس العرش – مثيراً بذلك آمالاً هائلةً بالانفتاح. بَيْد أن زكريّا مومني سرعانَ ما خاب ظنُّه، فقد حاول عبثاً أن يحصلَ على ما يستحقُّه من تدريبٍ في رياضَته، فما كان له إلّا أن صرّح للصحافة مُنتقداً الفسادَ المُستشري في الاتِّحاد الملَكي للملاكمة، لكن ذلك لم يأتِه بأدنى نتيجة. فقام مراراً بتوجيهِ تصريحاتِه إلى الملك مباشرة، من خلالِ الصّحافة، محاولاً أن يحظى بمقابلَتِه، أو أن يحصلَ على موعدٍ للتكلّم معه. ولكنَّه سرعانَ ما أدركَ أن الخطوات هذه مزعجةٌ للعاهلِ الجديد، الذي لا تتطابق أفعاله البتّة مع الصورة التي أرادَ أن يرسمَها لنفسِه في الخارج.

فانتقلَ زكريّا مومني إلى فرنسا واستقرَّ فيها، حيث تزوّج من تالين التي قامَت بتحريرِ هذا الكتابِ بالتعاوُنِ معهُ، والتي كانت أصلبَ عمدٍ له في المحنةِ التي مرَّ بها. ففي السّابع والعشرين من أيلول\سـﭘتمبر 2010، وما أن وصلَ زكريّا إلى الرّباط لزيارةِ والديه، قامَت قوى الأمنِ المغرِبيّ باعتقاله - أو بالأحرى، باختطافِه -، وتعرَّضَ للتعذيبِ لمدة أربعة أيّامٍ، قبل أن يُحكَم عليه بالسجن لمدَّة سبعة عشر شهراً. ويروي زكريّا فيما يلي بعضَ المشاهد من تجربتِه في سجن تمارة السّرّيّ، المعروفِ لدى البعض باسم “مسالخ جلالتِه”:

المقتطف الأوّل

كانت الزنزانةُ صغيرةً، لا تتجاوزُ أبعادُها ثلاثةَ أمتارٍ في أربعة، وكانت فيها مغسلةٌ، وفراشٌ على الأرض، ومرحاضٌ تُركي، وكاميرا مثبّتة في السقف. كما كانَ هناك نافذةٌ ذاتَ قضبانٍ من الخارج، ولمحتُ من خلالِها في البعد أشجاراً. وكان أن ظَهر أربعةُ رجالٍ مَقنَّعون فجأة وأخذوني إلى غرفة أُخرى، وكان ينادي كلٌّ منهم الآخرَ بلقبِ “الحاج”، وهي تسميةٌ دينيّةٌ تدلُّ على أن الشخص قد أدّى فريضةَ الحجّ إلى مكّة. وبعبارة أُخرى، فهي تعني أنَّ المُشارَ إليه مُسلمٌ صالح... و كانَ مقزّزاً لي أنّهم يربطون الدِّينَ بالتعذيب.

وفي تلك الغرفة الثانية قاموا بتصويري، دونَ أن يعصِبوا عينيّ، عارٍياً كلّيّاً، مراراً وتكراراً، دون أن يَستثنوا رقعةً واحدة من جسمي. ثمّ عَصبوا عينيّ ثانية وعاوَدوا التعذيب. وفي تلك اللحظة بالذات، سمعت عبارة: “إنتباه، المدير هنا! إنتباه، وصلَ المدير!” وتذكّرت أن الأصفادَ كانت إلى الأمامِ منّي، فبعدَ جلسةِ التصوير كان السجّانون قد نسوا أن يصفدوا يديَّ من الوراء. ولا أدري كيف تسنّى لي، في نوبةِِ غضبٍ عارم، أن أرفعَ ذراعيّ المتألِّمَتَين وأزيلَ العصبة عن عينيّ، فرأيت قبالتي رجلاً في أربعينات العمر، يرتدي بزّةً رسميّة، ولم أكن قد رأيتُ وجهَه من قبْل. لكنّي تعرّفت على اسمِه بعد عدّة أشهر، في تمّوز\يوليو 2011، عندما كنت أتفرّجُ على إعادةِ البث التلـﭭزيوني لمراسيم عيد العرش، وهو المهرجان السنوي لإبداءِ الولاء للملك، والذي تبثُّه كلُّ مَحطّات التلفزة الوطنيّة. وفي ذلك اليوم بالذات، كان الملك محمّد السادس يقلِّدُه وساماً. فأمسكتُ عن الشهيق عندما سمعتُ اسمَه: عبد اللطيف حمّوشي. ذاك هو “المدير”، إذاً. حمّوشي، مديرُ الإدارةِ العامّة لمراقبةِ التّرابِ الوطنيِّ في المغرب، الزعيمُ الأكبرُ للاستخبارات، وواحدٌ من الأشخاص العشرة الأكثر نفوذاً في المملكة.

ولم يدُم المشهدُ سوى لحظاتٍ وجيزة، لكنّه ظلَّ محفوراً في وجداني، لا يمَّحي. أتذكّر الزنزانة بأدقّ تفاصيلِها، وإيقاعَ أنفاسي، ونبضَ قلبي. وأتذكّرُ أنني رأيتُ نفسي على الأرضِ وأنا أحدّقُ في وجهِه، وقد اتّسعَت عيناي من شدّةِ التركيز كي لا تنسَيا شيئاً. كما رأيتُه هو، وقد ظلّ متسمّراً لوهَلةٍ، قبل أن يتركَ الغرفةَ على حين غرّة، يتبعُه ثلاثة أشخاص. ثم أُتيحَت لي لحظات في الزنزانةِ رأيْتُ فيها أن ثمّة مَن يشطفُ الأرضَ بالماء، وأن ثمّة سلاسلَ معلّقةً من السقف، و طاولةً عليها كلُّ أصنافِ الأحزمة، والأسلاكِ، والأصفادِ. ثم انقضَّ عليّ عشرةُ أشخاص تقريباً، وقاموا بعَصبِ عينيّ، ثم بتَمْتين الأصفادِ على معصميّ وراء ظهري. وحلَّ عليّ الظلامُ الدّامس من جديد.

في نهاية المطاف، على إثرِ حملةٍ عالميّة وبفضلِ إصرارِ تالين منقطع النظير، تمَّ استصدارُ عفوٍ ملكيٍّ لزكريّا. لكنَّه ظلّ يشكِّلُ خَطراً في نظرِ الملكيّة، وكان من الضرورةِ أن يُشترى صمتُه. ويَعرفُ “المخزنُ” حقَّ المعرفةِ كيْفيّةَ التصرُّف في حالة كهذه، فقد قام بتقديمِ سلسلةٍ من الامتيازاتِ له لقاءَ سكوتِه، مقرونةً بتهديداتٍ متصاعدةٍ إذا رفض َأن يَخضع.

المُقتَطَف الثاني

كنت أعرفُ عن عادل بلقايد أنَّه كانَ يوماً ما بطلاً مغربيّاً في رياضة الجودو، ولكن لم يسبق أن تكَلّمنا في الفنون القتاليّة. وكان يقدِّم نفسه دوماً على أنّه صديقٌ مقرَّب للملك، يقولُ إنّه “مُعجَب” بمسيرتي الرّياضيّة. كان محمّد السادس عرّاباً لأطفالِه، بل وقامَ بنفسِه باختيارِ أسمائِهم، كما روى لي. وكان الملكُ قد “أعطاه صَكّاً” لتمويلِ قاعتِه الرياضية. بعد ذلك بفترة، وبفضلِ القرصان الألكتروني “كْرِس كولمَن” — الذي يَستقطِر شيئاً فشيئاً كلَّ أسرارِ دبلوماسيَّةِ الدولة المغربيّة في السنوات الأخيرة على الإنترنت — اكتشفتُ أن بلقايد كانَ مقرّباً للمديريّة العامّة للدّراسات والتوثيق، وهي دائرةُ الاستخباراتِ الخارجيّةِ المغربيّة. الجدير بالذّكر أنَّ كولمَن كان قد نشرَ الرسائل الألكترونيّة التي بعثَها بلقايد إلى مُراد الغول، رئيس ديوان ياسين منصوري، مديرُ الاستخبارات الخارجيّة، يطالبُه فيها بتمويلِ نوادٍ رياضيَّةٍ في باريس، وفي مدينةِ مونرُوج، وفي المغرب.

لديّ بين وثائقي رسالةٌ بخطِّ بلقايد. حين جاءَ لزيارتي في السجن، تركَ لي نموذجَ رسالةٍ لطلبِ الرحمة، تشرحُ صعوبةَ حالتي المادِّيّة والنفسية، وأنَّ العفوَ والرحمةَ وحدَهما قادران على تخليصي من هذه الحالة. كما أعطاني كتابين كذكرى لحجّه إلى مكّة، وقال لي إنّه تذكَّرَني أثناءَ الحجّ. كتابان يقولان إنَّ حياتَنا مسألةُ قدَر، وإنَّ كلَّ ما يحدثُ لنا مكتوب، وإن علينا أن نقبلَ به... فأعدتُ له الكتابين قائلاً إنّني لا أقرأ العربيّة، لكنّني نجحتُ بالاحتِفاظ برسالتِه. قلتُ له يومَها إنّ حالَتي المادِّيّة ليست صعبة، وإنّه أحوَجُ إليَّ مِنّي إليه، كي أقنعَ تالين بتخفيّف حملتِها من أجل إطلاقِ سراحي. أمّا بخصوصِ طلبِ الرحمةِ (والعفو!) فلا داعي البتّة للحديثِ بها: فمنذُ اليوم الأوّل لاحتجازي لم يخطرْ لي على بال أن ألتمِسَها، فلِمَ ألتمسُها الآن، ولا تفصُلُني عن حرِّيَّتي أكثرُ من ثلاثة شهور؟ فشرحَ لي أن العُرْفَ يجري على هذا النحو. لذا قمتُ بنسخِ الرسالةِ لكنّني لم ألتمسْ العفوَ، ففي نظري لم أاقترفْ خطأً كي أطلبَ العفو، بل إنّهم هم الذين يدينون لي بالاعتذار. كما لم أُشِر إلى حالتي المادِّيَّة، كما أشارَ عليّ بلقايد. ولم أشأ أن استلِمَ منهم شيئاً. فبالنّسبة لنا كان طلبُ الرحمةِ مجرَّد إجراءٍ قضائي، لا طلباً لأداء المعروف.

كما قمتُ بتسجيلِ كلام بلقايد معي حين اقترحَ عليّ أن نحتَسي القهوة سويّة، بعد بضعِ ساعاتٍ من زيارتِه لناديه الرّياضيِّ في المركزِ التّجاري المدعو “ميـغـا مول” في الرّباط. قال لي بلقايد حينها: “أتعرفُ أنّه بوسعِك أن تطلبَ من الملكِ ما لا يزيد عن مليوني يورو لتمويل ناديك الرّياضيّ؟ يهمُّني أن تحصلَ على مرادِك هذا، فهو يهمُّك ويهمُّنا. ولكنْ عليكَ الأخذَ والعطاءَ مع هؤلاء الناس (وهو يقصدُ مجيدي وحمّوشي)، فلا خَيارَ آخرَ لديك. فهؤلاء لا يمسُّهم أحد، وحتّى الملكُ نفسه لا يقوى على اتِّخاذِ إجراءٍ ضدَّهم، فهو الآخر مجبَر على التعامل معهم.”

هل يعودُ توتُّري إلى حضورِ بلقايد الدائمِ ومناشداتِه المتكرِّرة، أو إلى وجودِ رجالِ الاستخباراتِ قبالةَ منزلِنا؟ لم يبقَ لي، من تلكَ الأيّامِ القليلةِ في الرّباط، سوى ذكريات الضغطِ والظُلم. لقد كنت محاطاً بأعزّ النّاس إليّ في المغرب: عائلَتي، وأصدقاءِ الطفولة، ومنهم كمال الذي جاءَه مولودٌ ذكَرٌ أثناءَ احتجازي، فأسماهُ زكريّا. لكنّني لم أعدْ أشعرُ بأنّني في داري، كما لم أُحسّ بالسّكينةِ وبالحرّيّةِ التي لطالما انتظرتُها، وأدركتُ أنّني لن أُحسَّ بها ما لم تَطأ قدماي الترابَ الفرنسيّ. وتملّكَتْني فكرةٌ واحدة وحسْب: أن ألتحقَ بتالين في شقّتِنا، وأن نعاوِد عيش حياتِنا كما كنّا من قبْل.

تمكّن زكريّا مومني في نهايةِ المطافِ من السفر إلى فرنسا، وها هو يواصلُ وتالين نضالَه، في سبيلِ العدالة والحقيقة.

ترجمه عن الفرنسيّة بشّار عبد الواحد لؤلؤة