“نصٌّ مُبهَم عن”الفَوضى المصريّة

كلاش“، فيلمٌ لمُحمَّد ذياب”

القاهرة، صيفَ 2013. غداةَ تنحيَة محمد مرسي. يومٌ حافِلٌ بأعمال شغَب عنيفة، في باصِ شرطة زُجَّ فيها عَشَرات المتَظاهرين من انتِماءات مختلفة. يَعكِس إخراجُ فيلم “كلاش” للسينمائيِّ المصريِّ محمد ذياب، والذي تَدور أحداثُه في مكانٍ مُغلَق وعُرِض في مهرجان كانّ الأخير، النظرةَ الغربيَّةَ السائدةَ عن “الفَوْضى المصريّة”. فيُساهم بذلك بتَفادي أيِّ تداوُل نقديِّ للسياساتِ الغربيَّةِ الداعِمة للنِّظام.

“كلاش”، الفيلمُ الذي تمَّ انتاجُه في 2016، عبارةٌ عن جلسةٍ مُغلَقة رمزِيَّة تحترِمُ أحداثُها وبامتِياز الوِحدةَ التقليديّة للزمَن والمكان والحدَث، ويَبدو للوَهلةِ الأولى تمريناً بارِعاً ذرَّ الرمادَ في عيونِ هُواةِ السينما في مَهرجان كانّ (حصل على تمييز “نظرة ما”).

يدورُ الحدث في القاهرة، في تموز 2013، في خِضمِّ تظاهرات الاحتِجاج التي تلَت تنحيَةُ الجيشِ المصريِّ للرئيس المنتَخب محمَّد مُرسي والعضْوِ في حركةِ الإخوان المسلمين. الديكور فريد: “قفصُ” الباص يُحيطُ به جمهورٌ من المتَظاهرين، في حين تتحوَّلُ المظاهرةُ إلى قتالِ شوارعٍ بين مناصري الرئيسِ المخلوع والإخوان من جهة، والحشدِ المساندِ للانقِلاب بالإضافةِ إلى الشرطةِ التي تَبرزُ وكأنَّها تُريدُ إعادةَ استِبابَ النظام من جهةِ أخرى. لا يُرى الحدثُ إلّا من خلالِ النوافذِ الصغيرة المُشبَّكةِ لباصِ الشرطة.

في بدايةِ الفيلم، تَظهر الشاحنة خالِيَة. رجالُ شرطة مُتوَتِّرون جدّاً يتصرَّفون بهوَج حتى أنَّ الأمور تتجاوَزُهم، يبدؤون بزَجِّ صحافيٍّ مصريٍّ يَحمل الجنسيَّة الأميركيَّة ومصوِّرِه، وذلك رُغم الضغوطِ وتصريحِ الأسوسياتد برسّ الذي يَحملُه المراسل، والذي سيصير منظوره من “سَمْتِ الرأس” وُجهةَ نظر الفيلم. تنضمُّ إليهِما مَجموعةٌ من المتظاهرين المناصِرين للانقلاب، والذين تمَّ القبضُ عليهم “بالخطأ” بين الحشدِ المُتَراصِّ المحيطِ بالشاحنة، وذلك رغمَ استنكارِهم ونداءاتهم الموالِيَة للنظام الجديد. وتكميلاً لهذا المُجتمَع الصغير الهائج، تنضمُّ إليهم مجموعةٌ من أنصارِ الإخوان المُسلِمين الذين نزلوا إلى الشارعِ احتِجاجاً على الانقلاب. بينهم امرأتان، إحداهما تقليديَّةٌ بثوبٍ طويلٍ وحِجابٍ على رأسِها، يرافقُها جدُّها الهزيل. ستعترِف أنَّها من أصرَّ على التظاهر. تجسِّدُ تلك المرأةُ الوَديعة الصامِتة بحدِّ ذاتها “الاستِلاب التقليديَّ”، على عَكسِ الممرِّضة السافِرة الشاطِرة التي تُداوي جريحاً من المعسكَر الآخر. وأخيراً، في هذا الهرَج والمرج، يتمُّ أيضاً زَجُّ شرطيٍّ بمحضِ الخطأ.

Clash Official Trailer 2016 - الإعلان الرسمي لفيلم اشتباك - YouTube

الشرطة، حكم محايد؟

يتناصَب المتظاهرون من الفريقين العداءَ الشديد. ما أن يصلَ “الإسلاميّون”، حتى يبدأُ تبادلُ اللّكَمات في عراكٍ عبثيٍّ وفي مَشاهدَ مقرَّبة تعكِسُ الفوْضى والكراهِيَة في رأسِ كلِّ هؤلاء “المتعصِّبين”. تضعُ الشرطة، التي يُبرِزها الفيلم على أنَّها “مُحايِدة”، حَدّاً للعِراكِ بِواسِطة خَرطوم مياه. يحاوِلُ الناشِطُ الإخوانيُّ الذي فَرضَ نفسَه قائداً أنْ يُنظِّمَ الأمور، فيُلَملِم رفقاءَه الإخوانيّين المُنتسبين للحركة فقط (دونَ المناصرين، بحكمِ التعصُّب)، في جانبٍ من الشاحنة: ترتيبُ الكراهية كسِلْمٍ مسلَّح.

أرتيه، رؤيةٌ مُعيَّنة للشرق

بطبيعةِ الحال، سيَكونُ لحالةٍ تَرمُز إلى “شعبٍ يَطيحُ به التاريخُ يَميناً وشمالاً” دورٌ في تقريبِ الأفراد من بِعضهم البعض، بيْنَما يَتصاعَد العنفُ في الخارج. وبَيْنَما يتجمَّد الباص وَسَط عراكٍ خارجيٍّ شديدِ العنف (أحدُ القنّاصة على شرفةٍ يَقتُلُ شرطيّاً، فيتمُّ القبضُ عليه ويُضرَب حتّى الموْت)، أو تَنطلِق في الطريقِ بين الحَشد دونَ اتِّجاهٍ محدَّد، بما فيه حين يَهربُ سائق الشاحِنة في نهايَةِ الفيلم ويَستقلُّ مكانَه أحدُ أصدِقاء الحَبيسين. ابتكَر كتابُ السيناريو مَجموعةً من الأحداث، بعضُها مأساوِيٌّ كمَوْتِ والِد أحدِ المعتَقلين في شاحِنة أخرى، وبعضُها مُضحِك كتعلُّمِ البَوْل في قنّينة بلاستيك. يَنتَهي الفيلمُ بعنفٍ بعد أن تَنقلَبَ الشاحِنة تحتَ ضغطِ المُتظاهِرين، وتَبقى أبوابُها مُقفَلة دونَ أن نَعرِف مصيرَهم... الذي نحسَبُه مأساوِيّاً.

لعبَت شركة أرتي الفرنسية Arte France دَوْراً مركزيّاً في إنتاج الفيلم ( تمَّ العملُ على الصوْتِ في أَحَدِ استديوهات باريس). من المعروف أنَّ هذه القناةَ التلفزيونيَّة ذاتُ جمهورٍ معظمُه “مُثقَّف”، جعلت من اختِصاصِها انتاجَ أفلامٍ ذاتِ عُمقٍ اجتِماعي سياسيٍّ، غالباً ما تكونُ شديدة الالتِباس إن لم تَكن، وبِصراحة، خبيثةً، لا سيَّما فيما يَمَسُّ بعلاقاتِنا المباشَرة أو غيرِ المباشَرة مع “الشرق” بالمَعنى العامّ (على سبيلِ المثال أفلام Lady Bar 1&2, Une femme à abattre, Ravages, La journée de la jupe) (1). يَنساق فيلمُ “كلاش” في هذا التقليد، لأنَّه يَعكسُ وبإصرارٍ رؤيَةَ الإعلامِ السائد في الغربِ حَوْلَ حالةِ “فَوضى مصريّة” يُستحسَن أن يُبدي المَرءُ احتِرازاً حين يَتطرَّق إليها.

سبقَ وأخرجَ محمد ذياب فيلماً بمنتَهى الظرافة “نساء الباص رقم 678”، حَولَ التحرُّش الجنسيّ في وسائلِ النقلِ العامِّ في القاهرة، ولئن كانَ مُواكِباً تماماً لمَوضوعٍ في غايَةِ الأهمِيَّة وهي مُعاداة الإسلام في الغرب. أمّا في فيلم كلاش، فالرسالة واضِحَة: رَفضٌ مُتساوٍ للفريقين. في لحظةِ هدوء، يتطرَّقُ الصحافيُّ إلى مُجتمَع مُبهَم على أنَّه “جهنَّم على الأرض”، ونشعرُ أنَّه لسانُ حالِ الكاتب.

يأخذُ الفيلمُ بمُجملِه صبغةَ ألبير كامو العبثيّة. تَصلُ الأمور إلى أَوْجِها حين تُرجَم الشاحِنةُ من قِبَل حَشدٍ لا نَعرِف مُيولَه –مُشهد يحاوِلُ أن يُنسينا القمعَ الشديدَ الذي تَعرَّض له الإخوان المُسلِمون منذُ أن استلَم العَسكر الحُكم. عَبَثٌ يُشيرُ إلَيْه أيضاً التجانُس الاجتِماعيُّ الظاهرُ لهؤلاء “الأعداء بحُكمِ رُدودِ فعلٍ عمياء”. عِلماً أن سيرةَ الأحداثِ تُبيِّنُ أنَّ المُتَظاهرين أسقطوا حكومةَ مُرسي (والتي كانَت إدارتُها مُزرِيَة، اقتَضى التنويه) هم من الطبقاتِ الوسطى المُتغربِنة التي سَعَت وسائلُ الإعلام إلى إثارةِ الرعبِ فيها. في حينِ أنَّ المُدافعين عن الإخوان المسلِمين بمعظمِهم مِن الطبقات الشعبيّة. قد تَتَمايز هذه الفئاتُ الاجتماعيَّة في الشاحنةِ بلهجتِها في الكلام. إلّا أنَّ ذلكَ لا تميِّزه آذانُ الغربيّين الذين يُكوِّنون الفيلمَ في نهايةِ المطاف، إن من ناحيةِ المضمون أو الأسلوب. أما الشرطة التي تعتَقل دونَ تمييز وتَبدو وكأنَّ الأمورَ تجاوَزتها، فالفيلمُ يُبرِزها بدورِ الحَكَم وَسط جُنونِ الحُشود. مع أنَّ واقعِ الأمر يُبيِّن أنَّ الشرطةِ هي من مارَسَ العنفَ الشديدَ والمُمنهَج ضدَّ المُتظاهِرين وليسَت الحشودُ المسانِدة للانقِلاب.

رغمَ براعتِه التقنيَّة، يساهِم الفيلمُ في حملةٍ إعلاميَّةٍ واسِعة لتجعلَ الشرقَ والمِحَن التي يمرُّ بها على دَرجةٍ من التعقيد بحيثُ يَستحيلُ فَهمُه، ويَحول بِنا دونَ أن نُبدي رَأياً نَقدياً من شأنِه أن يُغيِّرَ من سِياسات خارجِيَّة قاتِلة. كأن نَشجُبَ دَعمَ واشنطن المُضمَرِ للانقِلاب العَسكريِّ أو أن نُندِّد بصفَقاتِ الأسلِحة التي تَبيعُها فرنسا لمصر.