استِقلالُ كردِستان: سرابٌ لا يتبدَّد

بعد فترةِ انحسارٍ طويلة، ها هم الكردُ يعودون مُجدَّداُ إلى قلبِ التطوُّرات في الشرق الأوسط. لقد ساهمَ تفكُّكُ العراق والصراعُ في سوريا بتغذيةِ تطلُّعاتِهم الوطنية. إلّا أنَّ حلمَ الاستِقلال القديمِ يبقى مُرتبِطاً بموقفِ القوى الإقليميّة والدولية، كما تقفُ الانقِساماتُ العميقةُ بين التنظيماتِ الكرديَّةِ عقبةً تحولُ دون تحقيقِه.

في نهايةِ كانون الثاني 2016 ، عجَّت مدينةُ أربيل في كردستان العراق بِشائعاتٍ حولَ الاستِقلال والانفِصالِ عن الدولةِ العراقيَّة، والاستِفتاء بخصوصِ حقِّ تقريرِ المصير. فقد أعلنَ رئيسُ حكومةِ إقليمِ كردستان في مقابلةٍ له مع صحيفةِ الغارديان أنَّ الاستِقلالَ لم يكنَ وَشيكاً كما هو اليوم، وأنَّ قادةَ العالمِ فهِموا أخيراً أنَّ الحدودَ التي رُسِمت عام 1916على إثر اتفاقِيَّة سايكس بيكو في طريقَها إلى الزوال. ووِفقاً للإعلامِ المحلي، كرَّرَ رئيسُ الوزَراءِ فَحوى تصريحَه هذا أمامَ الجنرال لّويْد أوستن Lloyd Austin الذي يترأَّسُ القيادةَ المركزيَّة الأميركيَّة (سنتكوم Centcom) في أربيل. وما لبثَ أن أعلنَ بعدَ ذلكَ بأيَّام، في بدايةِ شهرِ شباط/ فبراير الجاري، عن استِفتاءٍ حولَ الاستقلال.

يفسِّرُ تطوُّرُ الأحداثِ المُذهِل في المنطقةِ عودةَ المسألةِ الكرديَّة في الشرقِ الأوسط. فقد أدّى هجومُ تنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّةِ في تموز 2014 إلى السيطرةِ على الموصلِ من قبلِ الجهاديّين، ولكنَّه أدَّى أيضاً إلى انهِيارِ الجيش العراقي. فاغتَنم البشمركة الفرصةَ للسيطرةِ على كركوك، وهي مدينةٌ غنيَّةٌ جدّاً بالبترولِ وموضعُ مُطالبة قديمةٍ لدى الكُرد (علماً أن سكّانَ المدينةِ ليسوا كلُّهم بكرد وأنَّ السلطات الكرديَّة تطالبُ بإحصاءٍ بهدفِ تحديدِ نسبةِ الكردِ فيها). أصبحَت معظمُ الأراضي التي يطالبُ بها الكُردُ تحتَ سيطرتِهم، وكذلك ثرواتُ الطاقةِ المرتبطةِ بتلك الأراضي. فهل هذا يعني أنَّ استقلالَهم باتَ اليومَ على منالٍ منهم ؟

تمتدُّ الطريقُ بين أربيل والسليمانيَّة على أكثرِ من 200 كيلومترٍ. هي الطريقُ المعبَّدةُ عينُها التي تربطُ منذُ عقودٍ شرقَ البلاد بغربِها. تحملُ تلك الطريقُ اسمَ هارشي هاميلتون، وهو اسمُ المهندسِ النيوزلندي الذي شقَّها بين 1928 و1932، إبّان الاستِعمارِ البريطاني. ساهمَت تلكُ الطريق بانفتاحِ تلكَ المِنطقة الجبليَّةِ الواقِعةِ على مَقربةٍ من تركيا وإيران. منذُ ذلكَ الزمنِ الغابر، لم يتمَّ فتحُ أيّةِ طريقٍ تصلُ الشرقَ بالغرب، إذْ إنَّ الحكومةَ المركزيَّةَ العراقيَّةَ آثرَت فتحَ طرقاتٍ من الشمالِ إلى الجنوب ـ باتِّجاهِ بغداد. وكانت حريصةً على تَفادي تشجيعِ الوِحدةِ الكُرديَّةِ واستقلاليَّتَها. إلّا أنَّه، بعد سقوطِ صدّام حسين عام 2003، وتأسيسِ حكومةِ إقليم كردستان، تمَّ تأسيسُ شبكةِ مواصلاتٍ أكثرَ كثافةٍ، ناهيكَ عن مطاراتٍ دوليَّةٍ في أربيل (2003) والسليمانِيَّة (2005)، بالإضافةِ إلى مطارِ دهوك المتوقَّعُ الانتهاءُ منه في غضونِ أشهر، إن سمحَت الازمةُ الاقتصاديَّةُ بذلك.

على مسافةٍ من المدينتين، نجدُ مدينةَ كو يه، وهي مدينةٌ متوسِّطةٌ يبلغُ عددُ سكَّانِها ما يقاربُ الـ 100000 نسمة، وفيها اليومَ جامِعة. ونحنُ نَتوغّلُ في قلبِ الإقليم، وإذ بنا نَتعرَّضُ لتفتيشٍ دقيق، ليسَ الهدفُ منه أمنِيّاً بقدرِ ما هو الإشارةُ إلى أنَّنا ندخلُ تحتَ سيطرةِ سلطة أخرى. فتحلُّ الراياتُ الخضراءُ للاتِّحادُ الوطنيُّ الكُردِستانيُّ الذي يرأسُه جلال طالباني مَحلَّ عَلمِ حكومةِ إقليمِ كردستان (الـمَطبوعٌ بشمسٍ مُشعَّة، والشمسُ رمزٌ زرادِشتيٌّ قديم). على جانِبَي الطريق، تَكثُرُ صورُ الّذين قَضَوْا في المعاركِ خلالَ مجابهاتِهم مع تنظيمِ الدولة. تنقسِمُ حكومةُ إقليمِ كردستان إدارياًّ إلى أربعِ مُحافظات (أربيل، دهوك، السليمانيَّة، ومحافظةُ حلبجة الجديدةُ نسبةً إلى المدينة ِالتي قامَت قوّاتُ صدّام حسين بإبادةِ سكّانِها الكُردِ بالأسلِحةِ الكيميائيَّة عام 1988). إلّا أنّها سياسيّاً، تنقسمُ إلى قسمين: فالحزبُ الديمقراطيُّ الكردستاني الذي يرأسُه مسعود البارزاني (ابن مُصطفى بارزاني، رمزُ من رموزِ النضالِ الكردي) يسيطرُ على مُحافظتَي أربيل ودهوك ، بينما يسيطرُ الاتحادُ الوطنيُّ الكردستانيُّ على مُحافظتَيْ السليمانيّة وحلبجة. يقومُ كلٌّ من الحزبَين بتدريبِ مقاتِليه في أكاديميَّةٍ عسكريَّةٍ مُنفصِلة، ويبتُّ وحدَه في أمرِ إرسالِهم أو عدمِ إرسالِهم إلى الجَبهة. وحتى فترةٍ ليسَت ببعيدةٍ، لطالَما حاولَ الحزبُ الديمقراطيُّ الكردستانيُّ والاتِّحادُ الوطنيُّ الكردستانيُّ أن يهيمِنَ واحدُهما على الآخر بقوَّة السلاح؛ ووصلَ الأمرُ بالحزبِ الديمقراطيِّ الكردستانيِّ إلى طلبِ مساعدةِ صدّام الذي أرسَلَ بدبّاباتٍ لدحرِ منافسِه.

في نهايةِ عام 2009، ظهرَ حزبُ كوران (التغيير) ليناهِضَ الحزبين التارخِيَّين، و بسرعةٍ أصبحَ ثاني أكبرَ قوّةٍ انتِخابيّةٍ في البلادِ بعد الحزبِ الديمقراطيِّ الكردِستاني. ها هي السليمانيةُ تلوحُ أخيراً، مُتَّكِئةً إلى سفوحِ جبال زاغروس التي تُغطّيها الثلوج، وهي أكبرُ سلسلةٍ جبليّةٍ في العراق وتمتدُّ داخلَ إيران. وتَعتدُّ السليمانيَّة التي يبلغُ عددُ سكّانِها ما يقاربُ المليونَ نسمة، بكونِها العاصمةَ الثقافيَّة للإقليمِ، إذ تتواجدُ فيها الجامِعات، والمقاهي حيث يَلتقي جيلٌ من شبّانٍ وشابّاتٍ مُتعطِّشين للنِقاشات، وحيث نرى صورَ تشي غيفارا ومارلين مونرو وجان بول سارتر. وما يلبثُ أن يتَماكَر راوٍ من أهلِها ويَروي أنَّ أربيلَ لم تكن لتصبحَ “عاصمة” لولا إرادةَ صدَام حسين الذي وقَّع اتفاقيَّة الحكمِ الذاتيِّ عام 1974.

“سجن السليمانيّة الأحمر”

“السجن الأحمر”. ما مِن مكانَ غيرَه ليفهمَ المرءُ عذاباتِ الكُرد، وصبرَهم على المآسي وديمومةَ حلمِهم بالاستِقلال. فيهِ سُجِنَ آلافُ المناضِلين. تمَّ تأسَّيسُ هذا المتحَفِ من قِبلِ هيروخان زوجةِ جِلال الطالباني و يديرُه آكو غريب، وهو بشمركة وسجينٌ سابق، فنانٌ عمرُه 55 سنة، ورئيسُ جمعيَّةِ صداقةٍ فرنسيَّة – كرديَّة أسمُها ديالوغ. يرافِقُ بنفسِه زوار المتحف، لاسيَّما الأجانبَ طلّابُ المدارس،كي لا ينسوا أبداً تاريخَهم.

ينتصِبُ في الباحةِ تمثالٌ في آخرِ مراحِل نحتِه، يبلغُ علوُّه خمسةَ أمتار، يجسِّدُ ملاكاً فاتحاً بلباسٍ تقليديٍّ كرديٍّ، ويرفعُ ذراعَه للسماء : سيتمُّ إهداءُ هذا التمثالُ إلى مدينةِ كوباني، رمزِ المقاومةِ ضدَّ تنظيمِ الدولة الإسلاميَّة. داخلَ قاعاتِ هذا المبنى الذي كانَ سجناً، ثمَّةَ لوحاتٌ وتماثيلُ شمعيَّةٌ تحكي ملحمةَ المقاومةِ الكرديَّةِ ضدَّ نظامِ البعث العراقي. نقرأُ على أحدى البِطاقات التوضيحيَّةِ بمُحاذاة إحداها “لا أصدقاء سوى الجبال”. في قاعات عِدّة، نجدُ تَذكيراً لأشكالِ التعذيب الذي كانَ يتعرَّضُ له كلُّ مشبوه. كُرِّسَت مساحةٌ واسعةٌ لعملِيّات مُرٌقَّمةٍ من 1 إلى 8، وهي عمليّات الأنفال التي نفّذَها صدّام بين1988 و1989: أدَّت في حينَها إلى إبادةِ عشراتِ الآلاف من الكُرد، بالغازِ أو رَمياً بالرصاصِ واحداً تلوَ الآخر. صورٌ شمسيَّةٌ لِآلافِ “المفقودين” تَكسو الحيطانَ بتَحفُّظ. وقد اعترفَت دولٌ أوروبيَّةٌ عدّيدةٌ بأنَّ ما حَدثَ في الأنفال “إبادة جماعِيّة”.

حدودٌ بطولِ 1000 كيلومتر

في المقهى الذي تمَّ ترتيبُه على نسقِ قاعةِ استقبالٍ كرديةٍ بصناديقِه وقطعِهش التقليديَّة، عشرةٌ من البشمركة عائدون من الجبهة، وبينهم ثلاثُ نساء، يجتمِعون حولَ طاولةٍ مُمتدَّة. يشرَح لنا آخرون، أكبرُ سنّاً وأعضاءٌ في الاتِّحاد الوطنيِّ الديمقراطي، أنَّهم يذهَبون باستمرارٍ إلى خُطوطِ الجبهة الأماميَّة، بمُهِمَّةِ إيصالِ تجربتِهم للأصغَرِ عمراً. ولكنَّ الشخصَ الذي يقودُ النقاشَ مسؤولٌ في حزبِ العُمّال الكردستاني PKK التركي، فيقولُ وكأنَّه بذلك يبرِّرُ حضوره في هذا الجمعِ : “نحنُ نحاربُ في كلِّ مكانٍ تُطرحُ فيه المسألةُ الكرديَّة”. لعبَ حزبُه دوراً مُهمّاً في مواجِهةِ تنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّةِ في صيفِ 2014: أيَّامٌ قليلةٌ واختفى الجنودُ العراقيّون الـ100000، فتوسّعت الخلافةُ على مساحةِ 1000 كم إضافيَّة، ثم احتلَّ تنظيمُ الدولةِ الموصل وتقدَّمَ داخلَ الأراضي الكرديّة حتى مشارفِ أربيل. ويؤكِّدُ أحدِ كوادرِ الاتِّحاد الوطنيِّ الكردستاني: “لم نَكنْ جاهزين آنذاك. فقد مرَّت علينا فترةٌ طويلةٌ من السلمِ جرّدتنا من الأسلحة. إلا أنَّ كلَّ الأحزابِ الكرديَّةِ ساهمَت بالمقاومةِ وباستِعادة الأرض”. يستذكِرون أساليبَ مُحاربةِ تنظيمِ الدولة الإسلاميَّة، سياسةَ نشرِ الذعر، استخدامَه لكوماندوس من الانتحاريين، الدورَ المركزيَّ الذي يلعبُه المتطوِّعون الأجانب في صفوفِه: فمعظمُ الجوازات التي تمَّ أخذُها عن الجُثثِ خلالَ عمليَّة الهجومِ المضادِّ لم تكن لعراقيّين. ويتذمَّرون كذلكَ من قِدمِ أسلحتِهم وقلَّةِ العَتادِ العسكري الذي يَصلُهم من الغرب.

تمتدُّ الجبهةُ مُذّاك على أكثرَ من 1000 كيلومتر. منها 600 كيلومتر لا يواجِهُ فيها البشمركة التنظيمَ، بل الميليشيات العربيةَ الشيعيَّة العراقيَّةَ التي يعتبِرونها عدُوَّهما القادم. لازِلنا بعيدين عن هذا الوضع، والعدوُّ الآنَ هو التنظيم، وكذلك تركيا. ويعتبرُ أحدُ كوادرِ حزبِ العمّالِ الكردستاني أنَّ “تنظيمَ داعش هو مشروعٌ تركيٌّ موجَّهٌ ضدَّ أنقرة، وغداً ضِدَّ أوروبا”. وكلَّما امتدَّ الحديث، كلَّما ازدادت التلميحاتُ السلبِيَّةُ الموجَّهةُ ضدَّ الحزبِ الديمقراطيِّ الكردستاني، ويذهبُ بعضُ أعضاءِ الاتِّحادِ إلى اتِّهامِ عناصرِه بالخِيانة، والتحالفِ السرّيِّ مع أنقرة.

تركيا، حليف “طبيعي”؟

“تركيا هي منفذُنا نحوَ أوروبا وما بعدَ أوروبا، لا سيّما وأنَّ إيران بقيَت تحتَ العقوباتِ فترةً طويلة، وأنَّ سوريا في حالةِ حرب. في البداية، كانت علاقتُنا مع أنقرة صعبة. وكانَ الأتراكُ مُعارضين لأيَّةِ استقلالِيَّةٍ كُرديَّة. حشدَ الأتراكُ 100000 جنديَّ على حدودِنا عام 2008. إلّا أن موقفَ أنقرة أصبحَ أكثرَ ليونةً منذ ذلك الوقت، والعلاقاتُ مع أربيل توطَّدَت”. اسم المتحدث فلاح مصطفى، خمسينيٌّ يتكلَّم العربية والانكليزية بطلاقة، وهو كادرٌ ذو نفوذٍ في الحزب الديمقراطي الكردستاني، مقرّبٌ من رئيسِ الحكومة، وبمثابة وزيرٍ فيها إذ يشغل منصبَ “رئيس دائرة العلاقات الخارجية” في حكومة إقليم كردستان. يجدرُ بالذكرِ أنّه في كردستان لا يوجدُ رسميّاً وزارةَ خارجيّة ، فتلك وزارةٌ “سياديّةٌ” من صلاحيَّةِ حكومةِ بغدادَ حصراً، وذلك وفقاً لدستور 2004. إلا أنَّ حكومةَ إقليمِ كردستان تستضيفُ ما يقاربُ ثلاثين بعثةً تمثيليَّة، غالباً ما تكونُ قنصليّات ٌتابعةٌ لبلدانٍ عديدة، وتنتظرُ السلطات الكرديةُ بفارغِ الصبرِ افتِتاح القنصليَّة العامَّة للمملكةِ العربيَّة السعودية. كما أنَّ لإقليم كردستان ما يقاربُ 15 تمثيلاً رسمياًّ في الخارج.

لا يَفوت الوزيرَ أنَ المحيط َالإقليميَّ مُعادٍ، وأنَّ الإقليمَ محاصَرٌ دونَ مَنفَذٍ على البحر. لذلك تبدو له تركيا حَليفاً “طبيعياً”: فهي على عكسِ الجيران الآخرين تستوردُ الطاقةَ التي تتواجدُ بوفرةٍ في كردستان، لا سيَّما بعدَ السيطرةِ على كركوك من قبلِ البشمركة، وهي تستطيعُ بالمقابلِ أن تقدِّمَ لكردستان الموادَّ التي يحتاجُها، كما أنَّ شركاتِ المقاولاتِ تلعبُ دوراً هامّاً في العمران. ومنذُ صيفِ 2014، تغيَّر ضخُّ البترول باتِّجاه الشمال، بدلاً من المرورِ في بغداد. وباتَت تركيا اليومَ أوَّلَ بلدٍ مستثمِر في إقليمِ كردستان العراق.

هل تعقَّدت العلاقاتُ مع أنقرة بحكمِ عودةِ القتال ضدَّ الكردِ في تركيا، كما تدلُّ أزمةُ إقفالِ الحدودِ في منتصفِ كانون الأول/ ديسمبر والذي دامَ 22 يوماً؟ يعطي الوزيرُ جواباً حذراً: “نحن لا نعتبِرُ أنَّ حزبَ العمّالَ الكردستاني تنظيمٌ إرهابي. نصحناهم أن يقبلوا وقفَ إطلاق النار، ولكنَّهم لا يريدون أن يلعبوا اللعبةَ السياسيَّة”. وإن اعتبرنا “ردودَ الفعل التركية غيرَ ملائمة”، فمِن المُستبعَدِ أن تكونَ ردودَ فعلِه “المُعتدِلة” موضعَ إجماعٍ لدى الرأي العامِّ الكردي الذي يرى الدبّاباتِ التركيّةَ تقصفُ المدنَ في الجنوبِ الشرقي، والذي يعتبرُ أنَّ النصرَ في كوباني أُحرِزَ بفضلِ حزبِ العُمّال الكردِستاني.

القطيعةُ مع بغداد

يضعُ فلاح مصطفى العلاقاتِ مع بغداد في صميمِ همومِه. “فنحنُ لسنا مُندَمِجين في العراق، ولا مستقلّين عنه. ولفترةٍ طويلة، ناضَلنا تحتَ شعارِ”الحرّيّةُ للعراق والحكمُ الذاتيُّ للكرد“. ولكنَّ سلطةَ بغداد لا تقبلُ التفاوضَ معنا إلّا في حالاتِ ضعفِها. ثمَّ لا تلبثُ أن تتراجعَ عن التزاماتِها ما أن تَقوى”.

يبقى الوزيرُ متفائلاً فيما يتعلَّق بالاستقلال. إلّا أنَّ الحلفاءَ الغربيّين شديدو الحذر ما أنْ يتطرَّق النقاشُ لتقسيمِ العراق، وذلك رغمَ الدعمِ الذي يقدِّمونَه لحكومةِ إقليمِ كردستان، لاسيَّما على الصعيدِ العسكريِّ من قبلِ الوِلاياتِ المتَّحِدةِ (وفرنسا التي لها قاعدة هناك). لكنَّ الوزيرَ على يقينٍ من رأيِه: “لن يكونَ الأتراكُ مسرورين إن أعلَنَّا استقلالَنا، إنما سيتقبَّلون الوضع. لذلك نحتاجُ لدعمِ أوروبا”. على أنّ تشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وحدَهما دعمتا فكرة الاستقلال - وسبق أن دعمت هتان الدولَتان بقوَّةٍ الاجتِياحَ الأميركيَّ للعِراق عام 2003-، من أصلِ 28 دولةٍ في الاتِّحادِ الأوروبي. أما روسيا، فقد عملَت على توطيدِ علاقاتِها مؤخَّراً مع العراقِ وطهران، لا بل وسمحَت لحزب ِالاتِّحاد الديمقراطي، وهو الامتدادُ السوري لحزب العمّال الكردستاني PKK، بفتحِ فرعٍ له في موسكو. وأخيراً، هناك بغدادُ التي تعارِضُ أيَّ إعلانٍ أحاديَّ الجانبِ للاستِقلال، رغمَ أنَّ العلاقاتِ مجمَّدةٌ منذُ تعليقِ الاتفاقيَّةِ على توزيعِ الموارِد – 17 % من الميزانيَّةِ مخصَّصةٌ لحكومةِ إقليمِ كردستان-، ولا تملكُ بغدادُ أيَّة وسيلةٍ للضغط.

في أربيل كما في السليمانية، ما يدهشُ للوهلةِ الأولى، هو عظمةُ الأحلامِ وانكسارُها. إذ نرى إنشاءاتٍ فرعونيَّةً تُجاورُ وَرشاتٍ مَهجورة، وكأنَّنا في ديكور من الخيالِ العلمي. عديدةٌ هي الفنادقُ الفخمةُ الحديثة، ولكنَّ الغرفَ فارغة. في وسطِ السليمانية، كان من المفروضِ أن يكونَ باك سيتي Pak City حيَّ ذوي النعمةِ الحديثة، ببناياتٍه المؤلَّفة من خمسةِ عشرة طابقٍ، النَظوفةِ المحميَّةٍ بسياجٍ يَحوطُها. إلّا أنَّ أربعَ إنشاءاتٍ كلٌّ منها مكوَّنةٌ من ثلاثين طابقٍ تشهدُ على نهايةِ الحلم. في كثيرٍ من إسكاناتِ الميسورين هذه، نِصف البيوت فارغة.

انهيارٌ اقتِصادي

نرى بوضوحٍ أثرَ هبوطِ سعرِ البترول. منذُ بضعةِ أشهرِ فقط، كانت كردستان تتمارى على أنَّها “دبي الجديدة”، وكان الحديثُ فيها عن “فرصٍ لا نظيرَ لها” للمُستثمرين الأجانب. ولَكَمْ غُضَّ النظرُ عن الفسادِ الذي سمحَ بتكوينٍ سريعٍ لثرواتٍ طائلةٍ مُرتبِطةٍ في مُعظمِ الأحيانِ بالحزبِ الديمقراطيِّ الكردستاني أو بالاتِّحاد الوَطنيِّ الكردستاني. وتهدِّدُ الأزمةُ أساساتِ حكومةِ الإقليم نفسِها. فالموظَّفون في القطاعِ العام – وعددُهم 1.5 مليون من أصلِ 7 ملايين نسمةٍ وهو إجماليُّ عددِ سكان الإقليم، علماً أنَّ الرقمَ تغيَّرَ بنسبةٍ ملحوظةٍ منذُ السيطرةِ على كركوك-، وهم الكتلةُ الأكبرُ من الموظَّفين، لم يَحصلوا على أجورِهم منذُ أشهر. البشمركة أنفسُهم لا يقبَضون أجورَهم إلاّ بينَ الحينِ والحين – وعددُهم يقارِبُ 200000 ألف، يقضون أوقاتَهم بينَ الجبهةِ وعملِهم الاعتِيادي-. لا بل أنَّ معلوماتٍ صحفيَّةً ألمانيَّةً تفيدُ أنَّ بنادقَ وأسلحةً متطوِّرةً كانَت برلين قد قدَّمتها يتمُّ بيعُها في الأسواقِ العامّة.

“نستطيعُ بمواردِنا أن نطعمَ 50 مليون شخصاً. لقد بذَّرنا مواردَنا من البترول، عِوضاً من أن نؤسِّس لاقتِصادٍ مستقل. أًيادٍ وَسخة عَنِيَت بتحويلِ الأموال”. هذا ما يقولُه جلال جوهر، وهو مسؤولٌ في حزبِ التغيير (كوران) وقد كانَ لفترةٍ طويلةٍ عضواً في المكتبِ السياسيِّ في الاتِّحادِ الوطنيِّ الكردستاني. لم يُبذلْ أيُّ جهدٍ جدِّيٍّ في الزراعة، فنجدُ عندَ الباعةِ البرتقالَ المستورد، ولا نجدُ منتوجاتٍ محلِّيَّة. ويتابعُ أنَّ كثيراً من الكردِ يسعَوْن للهجرة. وفي شهر كانون الأوّل 2015، أثارَ غرقُ 24 كرديٍّ في بحرِ إيجيه وهم يحاوِلون الوصولَ إلى اليونان، مشاعرَ قوِيَّة. ويبدو حزبُ كوران مُستعداً لاستخدامِ الاستياءِ العام، فينظِّم احتِجاجات وإضرابات تأخذُ أحياناً مَنحىً عنيفاً. الديونُ تراكمَت. الدفعُ للشرِكاتِ توقَّفت، والعديدُ منها قد تركَ البلاد. فلئن تمكَّنت شركاتٌ مثل كارفور Carrefour ولافارجLafarge - أوَّلُ شركةٍ مُستثمرةٍ غيرُ نفطيَّة - ، بالإضافةِ إلى ثلاثةِ مصانعَ اسمنتيَّةٍ من الاستمرار، ثمّةَ شائعاتٌ كثيرةٌ تَشي بقربِ رحيلِ شركةِ توتال Total. وبما أنَّ حكومةَ إقليمِ كردستان لا تحظى بالاعتِراف كدولةٍ، لا يمكنُها الحصولُ على قروضٍ سياديَّةٍ من مؤسَّساتٍ دوليَّةٍ أو من دولٍ أخرى – وحدها تركيا قبلت بذلك-.

رهانُ الوحدة

فالأزمةُ هذه تهدِّدُ إذاً مَكاسبَ حكومةِ إقليمِ كردستان الهشَّة: من تعدُّدِ الجامِعات، والتعايش مع الأقليات – وهو أكثرُ هشاشةً ممّا تدَّعيه السلطات، ففي الإقليمِ يفضَّلُ الحديثُ عن الأقليَّات كشركاء-، التوسُّعُ العمرانيُّ والمَديني، وخدماتُ البُنى التحتيَّةِ والنظافةُ في المدن، وإعادةُ ترميمِ المباني والبيوت القديمة، وبعضُ المكاسِبِ القانونيَّةِ المتعلِّقة بحقوقِ المرأة، وأهمُّها محاربةُ خِتان الإناث - وهي مُمارسة أكثر انتشاراً هنا منها في العراق-.

يُزيدُ عددُ اللاجئين (1.5 من النازحين العراقيين، و300000 ألف من السوريين) من ضخامةِ التحدِّيات. فهل سيستطيعُ الإقليمُ، المُنغلِق جُغرافياً والمُضعف اقتِصاديّاً أن يتَحدّى القدرَ ويَحصلَ على الاستقلال، كما يظنُّ الرئيسُ البارزاني؟ يَبقى الجوابُ في يدِ السياسيّين، إلّا أنَّ انقساماتِهم تشكِّلُ عائقاً صعبَ التجاوز. ورغمَ أنَّ كلَّ الأحزابِ تدعمُ فكرةَ الاستشقلال، إلّا أنها تتمزَّق فيما بينِها. ثم إنَّ المرضَ ينأى بجلال طالباني عن الحياةِ السياسية، مما يُزيدُ من الانقِساماتِ في وسطِ الاتِّحادِ الوطَنيِّ الكردستاني. وصلَت فترةُ الرئيس بارزاني إلى نهايتِها في 2015 دونَ إجماعٍ على تمديدِه. وتمَّ طردُ كوران من حكومةِ الوحدةِ الوطنية، فضاعفَ الحزبُ نداءاتِه للتظاهر.فما هوَ السبيلُ نحوَ هَبّة اتِّحاديَّة لا بدَّ منها للوصولِ إلى الاستِقلال؟

عن الفرنسية، ترجمة هناء جابر