370 €Collectés
30000 €Objectif
2 / 33Jours

الحيِّزُ الطائفيُّ في المدِّ الإيراني في سوريا

تحوَّل الحلفُ بين إيران وسوريا منذُ 2011 إلى تبَعيّة سورية تجاهَ إيران. ورغم أنَّ الحيِّزَ الطائفيَّ ليس الأوْحد َولا الأهم في العلاقة بين النظامين، إلّا أنَّهُ يدخل كأداةٍ في تلك العلاقة، وذلك في مرحلةٍ تثبِّت فيه إيرانُ ركائزَها كقوّةٍ إقليميّة.

حصلَ حافظ الأسد عام 1973 من الإمام الشيعيِّ موسى الصدر في لبنان على فتوى تؤكِّد “أن العلويّين هم جماعة من الإسلام الشيعة”. وكان شيخ الأزهر الأكبر قد خصَّصَ عامَ 1950 فتوى اعترفَ فيها بالمذهبِ العلويِّ كمذهبٍ إسلامي، هذا علماً أنَّ العلويّين قد قبِلوا في حقبةِ ما بعد الاستقلال أن يسلُكوا سلوكَ أهل السنَّة فيما يتعلٌّق بالأحوال الشخصيّة، ورفضوا قيامَ مؤسّسةٍ خاصّة بهم. يبدو وكأنَّ حافظ الأسد – الذي يرفضُ في خطابِه الرسمي كلَّ اعتبار طائفي - يعتمدُ نهجاً يفتحُ فيها أفقاً لطائفتِه و ويسندُها إلى انتماءٍ طائفيٍّ إقليميٍّ أوسع.

زادَت الثورةُ الإسلاميّة عام 1979 في إيران1 ثقةَ حافظ الأسد بصحَّةِ خطوتِه التي قام بها مع المرجِعيَّةِ الشيعيَّة، إذْ إنَّ التقارُبَ العقائديَّ بين النظامين قد يسهِّل تحالفاتٍ سياسيّة. فالدستور الإيراني ينصُّ أنّ إيران دولةٌ عقائديَّةٌ شيعيَّة المذهب، كما أنَّ إيران لا تُخفي حِرصَها على دعمِ الشيعةِ حيث يتواجَدون، ودعمِ التشيعِ كما يَراه الإمام روح الله الخميني. ثمَّ إنَّ حافظ الأسد كانَ أوَّل رئيسٍ لبَّى دعوةَ إيران لزيارتِها، فزارَ عدداً من المقامات الشيعيَّة، ومن جملتِها مشهد.

إلا أنَّه يجبُ وضعَ هذا التقاربِ في إطارِه الإقليمي، ألا وهو توقيعُ اتفاقيَّة كامب ديفيد بين مصر واسرائيل ( 17 أيلول/ سبتمبر 1978)، والذي تظهرُ فيه “إيرانُ الجديدة” على أنَّها دولةٌ مناصِرةٌ لفلسطين وجزءٌ من “جبهةِ الممانعة” التي تهدف إلى عزلِ نظامِ أنور السادات الموقِّعِ لتلكَ المعاهَدة.

هدفٌ استراتيجيٌّ مُزدوِج

ويُلبّي هذا التقارب أهدافا سياسيَّة ليست العقائديَّةُ الطائفيَّة أوَّلَها. فهدفُ الأسد هو إضفاءُ شرعيَّة أقوى على نظامِه، وهدفُ إيران طرحُ نفسِها كقوّةٍ إقليميَّة تحظى بدعمِ حليفٍ عربي، لا سيما في حربِها ضدَّ العراق (1980-1988). يجدرُ بالذكر أن المؤسّسات الإيرانية في سوريا في زمنِ حافظ الأسد كانت خفيفةَ التأثير لا بل معدومةً، ودرجة َالسماحِ تجاهَ التشيّعِ شكليّةٌ ليس إلّا. فالأسد الأب كانَ حريصاً على الحفاظ على الوئام مع الجمهور السُني الأغلبي. ويعتبرُ العلاقة مع إيران كنوعٍ من الاحتياط. أما من الجانبِ الإيراني، كان هامشُ الحركةِ والتأثيرِ على الصعيدِ الإقليميِّ ضيِّقاً بحكمِ الحربِ الدائرة مع العراق. فعلى الرُّغم من تواجُدِ الشيرازيين في مقامِ الستِّ زينب في ضواحي دمشق2 ، وعلى الرُّغم من قوافلِ الحجِّ المُتاحةِ إلى المزارات الشيعيّة في سوريا، بقيَ التشيُّعُ ضعيفاً. وكانَ معظمُ الدعم الإيراني موجَّهاً إلى حزبِ الله في لبنان.

فتحَ وصولُ الأسد الابن إلى الحكم عام 2000 مرحلةً جديدةً في العلاقات السوريَّةِ الإيرانيَّة وسمحَ سقوطُ صدام حسين عام 2003 للجمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ بتوسيعِ نفوذِها في العراق وفرضِ نفسِها على أنها قوَّةٌ إقليميَّة مِحوَريَّة. مع اندلاعِ الثورة عام 2011، طلبَ النظامُ السوريُّ دعمَ إيران للقضاءِ على التظاهُرات في الداخل، علماً أنَّهُ كان قد حافظَ حتى ذلك الحين على هامشٍ من الحركةِ تجاهَ حليفِه. وصارَ مع الأشهر رهينةَ الدعمِ الاقتصاديِّ والعسكريِّ الآتي من طهران. في معادلة إقليميَّةٍ وقفَت فيها دولُ الخليج وتركيا ضدَّ بقاءِ النظام السوري، دخلَ العاملُ الطائفيُّ محرِّكاَ فاعِلاً لحلفٍ سيكرِّس تبعيَّةَ النظام السوري لإيران.

دخلَت إيران لتمديدِ عمر النظام السوري. فسارعَ النظام بتسليحِ مُواليه، العلويّين في الساحل السوري ودمشق، والشيعةَ في المناطِقِ السوريَّةِ التي يتواجدون كفرية والفوعة. وبالإضافةِ إلى الدعم العسكري، قدَّمَت إيرانُ دعماً لوجستيّاً: فأتَت ميليشياتٌ مدعومة ًأو مكوَّنةً من قِبَلِ إيران (أفغانيّون، عراقيّون، أو بعضَ الإيرانيّين من الباسيج3 )، إلّا أ تسليحَها يتمُّ تحتَ إشرافِ الضبّاطِ الإيرانيّين المباشر. إذ إنَّ هؤلاء يأخُذون حذرَهم من الفئاتِ الخارجةِ عن السيطرة ، ويعتمِدون على حزبِ الله لتفادي انتشارِ الميليشيات المحلِّيَّة. يبقى أنَّ المساعدةَ العسكرية الإيرانيَّة الأهمَّ، والأكثرَ فاعلِيَّةً على الأرض تأتي من كوادرِ فيْلقِ القدس، كما يشيرُ إلى ذلك عددُ الضبّاطِ الإيرانيّين الذين يسقُطون على الجبهةِ السوريَّةِ (كانَ اللواءُ حسين همداني آخر ضابطٍ رفيعِ المستوى سقطَ في إحدى المعارك).

مَعاقلُ سيادةٍ إيرانيَّة على الأرضِ السوريّة

واقعُ الأمرِ أنَّ الجانبَ العسكريَّ السوري يفقدُ السيطرةَ على عديدٍ من الملَفّات. مثلا، في ملفِّ الرهائن والسجناء، كانت المفاوَضات تتمُّ بين قُوّاتِ المُعارَضة المُقاتِلةِ وقيادات النظامِ الإيرانيِّ التي تتكلَّمُ باسمِ النظامِ السوري، كما تشهدُ على ذلك مُقابلاتٌ عديدةٌ على اليوتيوب. وسرعانً ما تنبَّهت المعارضةُ إلى مصلَحتِها بالمفاوَضةِ على مصيرِ معتقلين أو سجناء إيرانيين دون العلويّين الذين لا يأبهُ النظامُ مصيرهم.

وحتّى النزولِ الروسي في مطارِ اللاذقية، كان للإيرانيّين هامشُ حركةٍ واسعٍ في سوريا، من خلال السيطرة غير المباشرة على القرى المحاذِيَةِ للحدودِ الإيرانيَّة - والذين قامَت بتسليحُ أهلِها. هذا بالإضافةِ إلى الإمدادات البشريَّة بالمسلَّحين من العراق ولبنان والتي بدأت عام 2012 بحُجَة حمايةِ الأماكنِ المقدسة الشيعيَّة. تقوم السلطات الإيرانيَّة بتأمينِ الغذاء والسلاح لهؤلاءِ المسلحين لا بل إنَّ المناطقَ التي يتواجدون فيها خاضِعةٌ لإدارةٍ لا كلمةَ للنظامِ السوري في شؤونِها. هذا هو حالُ معسكَرات التدريب على أطرافِ دمشق وفي مناطقَ عدّةٍ من الساحلِ السوري. تعتمد فيها إيران على حزبِ الله اللبناني لتدريبِ المتطوِّعين السوريّين وغالبِهم من العلويّين، والشيعة من مناطقِ حلب وإدلب الذين نزحوا نحوَ محافظة اللاذقية, يتمُّ بعد ذلك ضمُّهم إلى ميليشيات تتَّبِع قيادةً إيرانية لبنانية.

وبات النفوذُ الإيرانيُّ في سوريا وتهميشُ العنصرِ العسكري السوري أكثرَ صراحةً وعلنيّةً مع تطوُّر الأمور. فالإدارة الإيرانية ترفضُ التعاملَ المباشرَ مع السوريين، وحتى مع العلويّين منهم، وتحتفِظ بقنواتٍ خاصة لها في القتال، وبإدارةٍ ذاتيَّةٍ مستقلَّة. على سبيل المثال، في المستشفى الجامعي في اللاذقية (وكذلك الحال في مستشفيات أخرى)، هناك طوابقُ مُخصَّصة بالإيرانيين، يتلقّى فيها المصابون منهم العلاجَ من قبلِ طواقمَ طبِّيَّة إيرانيَّة.

دعواتٌ حثيثةٌ للتشيُّع

ابتداءً من 2012، تكثَّفت الحركةُ الاقتصاديَّة في مناطقِ المراقدِ الشيعية وتحوَّلت إلى مراكزَ حيويَّةٍ بفضلِ شبكاتٍ إيرانية، وشبكاتٍ أخرى لتجّارٍ شيعة مستقرّين في دمشق منذُ زمن. ازدادَت العمليّاتُ العقاريَّة على أراضٍ هي أساساً أملاكُ الدولة أو استولى عليها النظامُ خلالَ الحرب. إلّا أنَّ الساحلَ يبقى الهدف الاستراتيجي لإيران، يساهمُ في تمكينِه النظام والشبكات العَلَوية، وذلك عن طريقِ استغلالٍ مُفرطٍ لخطابِ “حمايةِ الأقليّات في زمنِ الحرب”.

أزالَت الفروعُ الأمنيّة العقباتَ في وجهِ الدعوةِ للتشيّع في المجتمعِ العلويَّ. إذ تقومُ فيه المؤسَّسات الإيرانيَّة ببرامجَ تربَوِيّة واجتماعيّة مُتكامِلة، تحملُ كلُّها اسمَ مؤسَّسات الرسول الأعظم: جوامع، فِرق كشّافة (أوَّل كشّافة في سوريا مرخَّصة للعمل تحتَ تسميةٍ دينية)، مدارسُ للنساء العلَوِيّات في اللاذقيّة ومناطقَ علويّة أخرى. في جامعة الرسول الأعظم المتعدِّدة الاختصاصات، يتكوّن فريقُ المدرِّسين من الملتزِمين دينيّاً من الشيعية أو العلويّين. وحدَّثنا أحدُ كوادرها أنَّ للجامعة “مستقبلٌ زاهر، غايتُها جذبُ الطلّاب من كلِّ سوريا.. إلا أنَّ الكثيرَ من المدرِّسين الجامعيّين يرفُضون الالتِحاق بها لشدَّة الرقابةِ عليها، والشروط المفروضة: كالتزامِ المُدرِّس بالصلاة، وعدم شربِه للخمر، وفرضِ اللباسِ الإسلاميِّ على الإناث من عائلتِه.”

استطاعَت إيران كسرَ تفرُّد النظامِ بالسيطرةِ على المجتَمعِ العلويِّ في قوامِه الأهليِّ وتراتُبِه الديني. فمؤسّسات جامع الرسول الأعظم في مدينة اللاذقية وطرطوس تنظِّمُ رحلاتٍ للمشايخِ العلويّين والمتشيِّعين من العلويّين ، لزيارةِ المراقدِ الدينية في إيران. بعضُ هذه الرحلات تقترِحُ على الشبّان إقاماتٍ للتدرُّبِ على السلاح، بالإضافةِ إلى دوراتٍ لتعلُّم الفِقه، ويتمُّ إيواؤهم وعائلاتِهم في فنادقَ فخمة. تؤدّي الجهودُ التي تبذلُها إيران لتسويقِ نمطِ حياتِها لدى العلويّين من الطبقات البسيطة، إلى تفكُّكِ المرجِعيَّة العقائديّة العلوية، وبروزِ خلافات وحساسيّاتٍ في شرائحَ من المجتمعِ العلوي. إلا أنَّ آثار التشيُّع ملموسة. فرغمَ قِلّةِ المظاهرِ على صعيدِ سوريا، وصعوبةِ تقييمها، ولكنَّها من الأهميَّة بمكانٍ يجعلُها علامةً فارقةً في المجتَمعِ العمرانيِّ الريفيِّ والمديني. نكتفي في هذا الصددِ بذكرِ حي دعتور في اللاذقية، وهو حيقّ ممْتدٌّ جداً يتواصل عمرانُه مع أريافَ علويَّةٍ، يتزايدُ فيه عددُ النساءِ اللواتي ترتدين الحجاب ،حتى الصبايا منهن.

يتَّسِم ردُّ الجهاتِ الأمنيَّة على انتشارِ الأفكارِ الشيعيَّة بالتردُّدِ والحيرة. وقال لنا صاحبُ مكتبةٍ في اللاذقية إن “بيعَ الكتب الدينيَّة باتَ يشكِّل خطراً، فالفروع الأمنية لا تتّفِقُ على ما هو مسموحٌ وما هو ممنوعٌ منها. كان ذلك حالُ الكُتب السلفيَّة والآنَ أتى دورُ كتبِ التشيَّع.... فأمنُ الدولةِ يمنعُ بعضَ الكتبِ التي يسمحُ لنا الأمنُ العسكريُّ ببيعِها، والعكس...” وحينَ ندركُ الحدَّةَ التي تهاجِمُ فيها الكتبُ الشيعيَّة العقيدةَ العلويَّة على أنَّها شكلٌ من الهرطَقة، نفهمُ إرباكَ الفروعِ الأمنيَّة التي تحتارُ في ضبطِ مرجعيَّات الصراعِ الطائفي ووجهاتِه. فالمجتَمعُ السوري الذي حافظَ على توازنِه الطائفيِّ على مدى العقودِ الفائتةِ من تاريخِه الحديث، يأتي عليه التشيُّعُ كطارئٍ اجتماعيٍّ قويٍّ وثقيل.

لا تحظى فكرةُ التواؤمِ والوحدةِ بين الشيعة والعلويّين على الإجماعِ في المجتمع العلوي. تقومُ الجمهوريّة الإسلاميّة، عن طريقِ المؤسَّسات الدينيّة والاجتماعية التي تبنيها، بسحبِ مقوِّمات استقلالِ المجتمع السوري. وإيران التي كانَت حتى وقتٍ قريب على لائحةِ الدول المارِقة، تستخدِم الصراعَ الدائرَ في سوريا كمنصَّةٍ لطرحِ نفسِها كقوَّةٍ لم يعدْ بالإمكانِ تجاهلُها، وتمسكُ بذلك ورقةً جوهريَّة على صعيدِ المنطقة.

1ازدادَت المظاهراتُ عام 1978 وامتدّت على مدى شهور. في شهر كانون الأوّل احتشدَ ما يقاربُ مليوني شخصٍ في تظاهرةٍ أدَّت في كانون الثاني 1979 إلى سقوطِ الشاهَ الذي اقترحَ عليهِ الرئيسُ المصري آنذاك، أنور السادات، اللجوءَ إلى مصر. في شهر أيار/ مايو 1979، أخذَ الحرسُ الثوري زمامَ السلطةِ في إيران بعد مرحلةٍ من التوتُّر السياسي.

2في حلّتها الحديثة، تقترِح الحركةُ الشيرازيَّة قراءةً مُتشدِّدة ذاتَ توجُّه ثوريٍّ للمذهبِ الشيعي. يتبعُ مريدو هذه الحركةِ سلطةَ العلّامة العراقي محمد الشيرازي. امتدَّ ظلُّهُ الذي يعتمِدُ على الدعوةِ إلى التشيُّع في السبعينات واستمرَّ في الثمانينات، تحتِ تأثير آية الله الخميني والذي ستنشأ معَهُ خلافاتٌ فقهيَّة على مدى السنوات. في سوريا، يتواجدُ الشيرازيون على مقربة من المراقد الشيعية.

3الباسيج ( أو قوات التعبئة الشعبية ) هم أعضاءٌ في الحرس الثوري معنيّين بشؤونِ الأمنِ الإيراني الداخليِّ والخارجي.