الطريق إلى الجلجثة

قِراءةٌ في الطقوس القبطيّة لأسبوع الآلام

تأتي أعيادُ الفصح عند مسيحيّي الكنيسةِ الشرقيةِ بعد أعيادِ كنيسة اللاتين بأسبوع. ينتمي أقباطُ مصر إلى الكنيسة الشرقية، كمعظم المجتمعات المسيحيّة الراسِخة في المنطقةِ (السريان، والكلدانيين، والآشوريين، إلخ) عبر القرون الطويلة. وطقوسُ الأقباط في عيد الفصح خليطٌ من طقوسٍ مسيحية وأخرى تعودُ إلى الفراعنة، تحكي تواريخَ المجتمعات التي توالَت على المنطقة. في فترةٍ يسودُ فيها الحديث عن تهجيرِ مسيحيّي الشرق والممارسات ضدَّهم لا بدَّ من التذكير أن تاريخَهم الاجتماعي يضربُ جذورَه أبعد ما يكونُ في تاريخ المنطقة.

الجُلجُثة هو المكانُ الذى صُلب عليه المسيح، وهو موقعٌ مُرتفعٌ خارجَ مدينةِ القدس ويشرف عليها، ويسمّى بالآرامية - وهى اللغة التي كان يتكلّم بها المسيح - جاجولثا وتعني موقعَ الجُمجُمة. ووفقاً للمُعتقَد المسيحي، لا يُمكن الخلاص بدون السيرِ في طريق الجُلجثة مثلما سارَ المسيح حاملاً صليبَه عوضاً عن البشر. طريقُ الجُلجُثة هو طريقُ الآلام وهو أيضاً طريقُ الخلاص. هو طريقُ الموتِ وطريقُ الحياة معاً. هذا الطريقُ الذى يبدأُ لحظةَ دخولِ المسيحِ إلى مدينةِ أورشليم مثل ملكٍ متوَّج وحولَه الناسُ يهتفون: “هوشعنا” أي خلِّصنا، ومن هنا تأتي تسميةُ هذا الأحدِ بأحدِ الشعانين وهى تعني “شيعة نان” ، أي يا ربّ خلِّص.

الطقوس والعالِم والحاكِم

وتحتَفل الكنيسةُ المصريّة بهذا اليوم الذى يُعرف شعبيّا باسم “حدّ السعف” وبالعاميّة “الزعف” وهو أغصانُ النخيل، وفى دلتا مصر يُسمّى “بأحدِ الخوص”. في عشيّة هذا اليوم يقوم المسيحيون بتَضفير أغصانِ النخيل في هيئةِ أشكالٍ متعددة، أبرزُها الصليب، الذى صارَ علامةَ حياةٍ وخلاصٍ بعدما كان لعنةً وموتاً، وشكَلُ القربان المقدس، وشكْل الحمار، وهو الذى دخلَ بالمسيحِ إلى أورشليم، وأيضاً الشمس، والسمكة، وكلُّها أشكالٌ رمزيّة تحملُ معانٍ دينيّة محدّدة.

في أولى ساعاتِ الصباح يذهبُ الناس إلى الكنائس وهم يَحملون السعف، وفى القرى ذاتِ الأغلبية المسيحية، يقومُ الناسُ هناك بمسيرةٍ بالسعف وهم يصيحون: “أوصنا. أوصنا” أي خلِّصنا خلِّصنا، وهذه تسمّى “دورة الخوص”، وهى نفسُ الدورة التي يقومُ بها الكاهنُ أثناءَ الصلاة. وقديماً كان يحدثُ في بعضِ القرى عندما يزورُها أسقفٌ ما في هذا العيدِان يقومَ بامتطاءِ حمارٍ ويتحلَّقُ الناسُ حولّه حاملين صلبانَ السعف حتى دخولِه الكنيسة وهم يردِّدون: مباركٌ الآتي باسم الرب".

وقد ذكرَ المقريزى (1365- 1442) في كتابِه “المواعظ والاعتبار في ذكرِ الخُططِ والآثار” عن هذا العيد “عيدُ الزيتونة” ويعرفُ عندهُم بعيد الشعانين، ومعناهُ التسبيح. ويكون في سابع أحدٍ من صومِهم. وسُنّتُهم في عيدِ الشعانين أن يُخرجوا سعف النخل من الكنيسة. ويرون أنّه يومُ ركوبِ المسيحُ العنوّ (وهو الحمار) في القدس، ودخولِه إلى صهيون وهو راكبٌ، والناس بين يديه يسبِّحون، وهو يأمرُ بالمعروف، ويحثُّ على عملِ الخير، ويَنهي عن المنكر، ويباعِد عنه. وكان عيدُ الشعانين من مواسمِ النصارى بمصر، في كنائسِهم.

“فلما كانَ لعشرِ خلوان من شهر رجب، سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، كانَ عيد الشعانين، فمَنعَ الحاكمُ بأمر الله أبو عليّ منصور بن العزيز بالله النصارى من تزيين كنائسِهم، وحَملِهم ِ الخوصَ على ما كانت عادتُهم، وقبَضَ على عدة ممَّن وُجد معه شيءٌ من ذلك، وأمرَ ما هو محبَّسٌ على الكنائس من الأملاك، وأدخلَها في الديوان، وكتبَ لسائرِ الأعمال بذلك، وأُحرِقت عدّةٌ من صلبانِهم على بابِ الجامِع العتيق”.

أسبوعُ الآلام وطقوسُ التقشُّف

في نهاية هذا اليوم تنتَقلُ الصلاةُ داخلَ الكنيسة من أمام المذبحِ إلى الثُلث الأخير من الكنيسة، وتَتوشَّح كلُّ الأعمدةِ والحوائط بالقماش الأسود، وهنا يبدأُ الإعلان رسميّاً عن دخولِنا إلى آلام المسيح. يعدُّ أسبوعُ الآلام من أقدسِ وأعظمِ الأيام عند المسيحيين لأنَّه بدونِ هذا الصلبِ لم يكن ليحدُثَ خلاصٌ، وبدونِ القيامة التي تأتي يومَ الأحدِ في نهايةِ الأسبوعِ سيكونُ الإيمانُ المسيحيُّ كلُّه باطِلاً. يعودُ المُصلّون ومعهم الأشكالُ التي تمَّ تضفيرُها ورشُّها بالماء المقدَّس في الكنيسة، ويعلِّقونها على الأبوابِ والحوائط حتى أحدِ الشعانين القادم. ترتدي النساءُ سواءَ في القرى أو في المدنِ الملابسَ السوداء. ويدخلُ الجميعُ في حالةٍ من الصلاة والتقشُّف والصومِ الانقِطاعي. ساعاتٌ طويلةٌ تنتَهى مع المغيبِ بدونِ أي طعامٍ أو شراب، ومن غيرِ المسموحِ بأكلِ الحلويات أو ما هو مُسكر حتى سبتِ النور الذى يسبقُ أحدَ القيامة.

يومُ الإثنين يعرفُ شعبياً بيومِ الإشارة، إثنين الإشارة. وفى هذا اليومِ أشارَ اليهود نحوَ المسيح كي يُصلب. الثلاثاء يُعرفُ باسمِ “التلات بل النبات”، حيث يتمُّ غمرُ الفولِ والتُّرمسِ في الماءِ حتى ينبتُ لكى يؤكلَ الفولُ بدءاً من الخميس حتى نهارِ السبت، وهو ما يُعرفُ “بالنابت” والترمسُ يؤكلُ يومَ شمِّ النسيم. وعادة استنباتِ البذورِ هي عادةٌ مصريٌّة قديمة. ويقالُ أنَّ أوزير قد نَما بهذه الطريقة، وهو يُبعثُ من الموت. والمسيحُ هو أوزير آخر.

الأربعاء هو “أربعاء أيّوب”، ووفقاً للمُعتقد الشعبي أن النبي أيّوب قد شُفيَ من أمراضِه بعدَ غسلِ جسدِه وتَدليكِه بنبات “الرَّعرَع”. وهنا تَذكرُ الكنيسةُ أوجاعَ وآلامَ النبي أيّوب وشفاءَه في رمزيَّة إلى المسيح. يقومُ المسيحيّون بالاستِحمام بنباتِ الرَّعرَع أو النعناع كبديل. هناكَ من يستحِمُّ في النيل لكي ينالَ الشفاء. في يومِ أربعاء أيّوب أيضا يؤكلُ الفريك، وهو القمحُ الأخضرُ بعد إنضاجِه بالنار ويُصنعُ من السنابل عروسةَ القمحِ تعلَّق على واجهاتِ البيوتِ حتى أربِعاءَ أيّوب القادم. وهى أيضاً عادةٌ مصريَّة قديمةٌ، حيث كانَ المصريُّون القدماء يقدِّمون باكورةَ محاصيلِهم إلى المعبود “مين” إلهِ الخصوبةِ وذلك فى أيّامِ “شمّو”، أي شمِّ النسيم.

بعدَ عصرِ الأربعاء يُمنعُ التصافحُ باليد أو التقبيل حتى نهايةِ يومِ الجمعةِ، وذلك في تذكُّر خيانةِ يَهوذا ومصافحتِه وتقبيلِه المسيح، وهو يبيعُه لليهود. الخميسُ هو “خميس العهد”، وهو يومُ العشاءِ الأخير للمسيح مع الحواريّين وأيضا تدشينِه لأعظمِ سرٍّ من أسرارِ الكنيسة، ألا وهوَ التناولُ المقدَّس. في هذا اليومِ يقومُ كاهنُ الكنيسةِ بغسلِ أرجلِ المصلّينَ من النساء والرجال والأطفالِ كما فعلَ المسيحُ مع تلاميذِه. أمّا يومُ الجمعة، فهو جمعةُ الصلب أو الجمعة العظيمة.

صلبٌ وقِيامةٌ وشمُّ النسيم

تبدأُ الصلاةُ من أوّل ساعاتِ النهار حتّى مغيبِ الشمس. وهذا اليوم هو يومٌ جنائزيٌّ جدّاً. وكان قديماً يُرتَّل في الكنائس مديحٌ أو ترتيلٌ شعبيٌّ، خاصَّةً في الريف. وكان يُمثَّلُ دراما مُفجِعة لِما حصلَ اليومَ للمسيحِ وذلك على لسانِ أمِّه مريم التي تَبكيه بمرارةٍ في هذا اليوم، وإلّا أنه تمَّ منعُ هذه الطقوس لأنها تُمثِّل الدين الشعبي أكثر منها الدين الرسمي. ويقومُ كاهنُ الكنيسة في نهايةِ اليوم بدفنِ أيقونةِ الصلب في محاكاةٍ لما حدث بعد إنزالِ المسيحِ من على الصليبِ وتحنيطِهِ ودفنِه، كما يضعُ الكاهنُ الزهورَ حولَ القبرِ الرمزي الذى يجهَّزُ فوقَ المذبحِ ويرتِّلُ لحنَ الدفنِ أو ما يُسمَّى بصلاةِ الجنَّاز ويُسمىَّ “غولغوثا” وهوَ من أكثرِ الألحانِ حزناً في الكنيسة. وقد يرجعُ هذا اللحنُ إلى لحنٍ مصريٍّ قديمٍ كان يظهرُ في النواحِ مع وضعِ كلماتٍ مسيحيّةٍ ملائمةٍ لهذا المشهد 1.

وبعد انتهاء يوم الجمعة، تُرفعُ الستائرُ السوداء وكلُّ الشارات التي تتوشَّحُ بها الأعمدةُ والأبواب والهياكل. يومُ السبتِ هو سبتُ النور أو ليلةُ أبو غالمسيس. وفي هذا اليوم يُقرأُ سفرُ الرؤيا كلُّه في الكنيسةِ وتنتَهي الصلاةُ في أوَّل النهار. ويُعتقَد شعبيّاً أنَّ من يستحمُّ فَجرَ هذا اليوم بماءِ النيل لا يمرضُ أبداً. ويُسمّى بسبتِ النور لأن الناس قالوا أنّ نوراً عميقاً وقوياً يخرجُ من قبرِ المسيح في هذا اليوم. وِفْقاً للمُعتقَد المسيحي يُذكَر أن المسيحَ في هذا اليوم، أي أثناء موتِه، فتح أبوابَ الجحيمِ وأخرجَ كلَّ الأنبياءِ السابقين والذين كانوا ينتظِرونه في الجحيم ووضعَهم في الفردوس. فسَمِعوا لحظةَ دخولِه الأبوابَ تتكسَّرُ والنورُ القوى يعشى عيونَهم فسُمّي بسبت النور لأنَّ نورَ المسيحِ أضاءَ ظُلمةَ الجحيم.

في نهايةِ هذا الممرِّ الضيِّق، في نهايةِ طريقِ الجُلجُثة يأتي يومُ الخلاص الأكيدِ، أحد القيامة. وهو اليومُ الذى ينتظرُه الجميعُ على السواءِ، من هم قبلَ المسيحِ أو بعدَه، فالجميعُ كان مَحكوماً عليه بالموتِ والآن تمَّ الفداء. يتمُّ وضعُ الستائرِ البيضاءِ والشارات البيضاءِ حولَ الأعمدةِ ورفعُ أعلامِ القيامةِ وفي وسطِها أيقونةُ المسيحِ وهو يَهزمُ الموتَ ويُبعثُ من جديد وفيه تكتمِل كلُّ النبوءات ويحلُّ الفرحُ على الجميع مُردِّدين: “المسيحُ قد قام. بالحقيقةِ قام”، أو باللغة القبطيّة “أخرستوس آنستى. أليسوس آنستى”. وبعد ذلك يأتي احتفالُ الطبيعةِ بهذا البعثِ وهو ذُروَةُ الحياةِ وتفتُّحُها وخصوبتُها وذلك يومَ الاثنين، يومَ شمِّ النسيم.

1إن هذا اللحنَ يعودُ لآلاف السنين، وهو غايةٌ في بساطةِ التركيب الموسيقي يبدو قريباً من مراسيمِ التعديدِ والنواحِ السائدةِ في ذلك الوقت .ويؤكِّد الفيلسوفُ فيلو الإسكندري من القرنِ الأوّل الميلادي أنّ جماعةَ المسيحيّين الأوّلين قد أخذوا ألحاناً من مصر القديمة ووضعوا لها النصوصَ المسيحيّةَ، ومن بينِ هذه الألحانِ لحنُ غولغوثا الذي كان يُرتِّله الفراعنةُ أثناءَ عمليّة التحنيطِ وفي مُناسبةِ الجنازات. ويقالُ هذا اللحنُ في نهايةِ الساعة العاشرة من يومِ الجمعةِ العظيمة في ذكرى دفنِ السيّد المسيح.