اﻹﺳﻼموفوبيا: ﻣُﺼﻄﻠﺢٌ ومرضٌ ﯾﺘﺠﺎوزُ ﻋﻤرُه ﻣﺌﺎتُ اﻟﺴﻨﯿﻦ

يتجذر اﻟﻌﺪاءُ اﻟﻤﻤﻨﮭَﺞ ﻟﻺﺳﻼم تاريخياً ﻓﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﻐﺮﺑﻲ. ﺟﻮھﺮُه اﻟﺪﯾﺎﻧﺔ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ، وﻣﻨﺒﻌﮫ روحُ اﻟﺤﺮوبِ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﺔ. ازدَھﺮ ھﺬا اﻟﻌﺪاءَ أﺛﻨﺎءَ اﻟﺘﻮﺳُّﻊ اﻻﺳﺘﻌﻤﺎري، واﺳﺘَﻌﺎد ﻗﻮَّﺗﮫ ﻣﻊ “اﻟﺤﺮب ﻋﻠﻰ اﻹرھﺎب” ﺑﻌﺪَ رُﻛﻮد ﻧﺴﺒﻲّ. دخل ﺗﻌﺒﯿﺮُ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ” إﻟﻰ اللغة من ما يقارب مئة سنة. وﻻ ﯾﺨﺸﻰ اﻟﯿﻮمَ ﺑﻌﺾُ اﻟﻤﺜﻘَّﻔﯿﻦ اﻟﻔﺮﻧﺴﯿّﯿﻦ اﻟﻤﺸﮭﻮرﯾﻦ من ﻮﺻﻒِ أرآﺋﮭﻢ ﺑﮭﺬا الـﺗﻌﺒﯿﺮ - بـﻣﺎ ﯾﺤﺘَﻮي ﻋﻠﯿﮫِ ﻣﻦ ﻏﺒﺎءٍ وﻛﺮاھﯿﺔ - ﺑﺤﺠَّﺔ اﻟﺪﻓﺎعِ ﻋﻦ اﻟﻌِﻠﻤﺎﻧﯿَّﺔ، ﺑﯿﻨﻤﺎ ﯾﺴﻌﻰ اﻟﺒﻌﺾُ اﻵﺧﺮُ، ولحسنِ الحظ، إﻟﻰ إداﻧتِه.

وﻛﺎﻧﺖ اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔُ اﻟﻤﺴﻠَّﺤﺔُ اﻹطﺎرَ اﻟﻌﺎمَّ ﻟﻠﻌﻼﻗﺎتِ اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿَّﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﻐﺮبِ واﻟﻌﺎﻟﻢِ اﻹﺳﻼﻣﻲِّ طﻮالَ اﻟﻘﺮونِ اﻟﻤﺎﺿِﯿﺔ. وﻗﺪ ﺑﺪأت أﺛﻨﺎءَ ﻓﺘﺢِ اﻟﻌﺮبِ ﻟﺠﻨﻮبِ أوروﺑﺎ وﺑﻌﺪَه أﺛﻨﺎءَ اﻟﺤﺮوبِ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿَّﺔِ ﻓﻲ اﻟﻤﺸﺮق. وإذا أﺧﺬﻧﺎ اﻻﺳﺘِﻌﻤﺎرَ اﻟﻔﺮﻧﺴﻲَّ ﻓﻲ اﻟﻌﺼﺮِ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻣﺜﺎﻻً، ﻟﺮأَﯾﻨﺎ أنَّ ﺟﻤﯿﻊَ أﺟﯿﺎلِ اﻟﺸﻌﺐِ اﻟﻔﺮﻧﺴﻲِّ ﺗﻠﻘﻰ أﺻﺪاءَ اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔِ ﻣﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢِ اﻟﻌﺮﺑﻲِّ واﻹﺳﻼﻣﻲِّ ﻋﺒﺮَ أﺣﺪاثٍ ﺗﺎرﯾﺨﯿَّﺔٍ ﻣُﺨﺘﻠﻔﺔٍ : اﻟﺤﺮبُ اﻟﺘﻲ ﻗﺎدَھﺎ اﻷﻣﯿﺮُ ﻋﺒﺪ اﻟﻘﺎدر (1847-1832)، ﻣﻘﺎوﻣﺔُ اﻟﺸﯿﺦ اﻟﻤﻘﺮاﻧﻲ (1871)، اﻟﺤﺮبُ ﻋﻠﻰ أھﻞِ ﺟﺒﺎل ﺧﻤﯿﺮ ووضعُ ﺗﻮﻧﺲ تحت الحماية الفرنسية (1881-1880)، ﻏﺰوُ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻟﻠﻤﻐﺮبِ ووضعُه تحتَ حمايتِها (1912-1907)، ﺛﻮرةُ ﻓﻲ اﻟﺠﺰاﺋﺮ ( 1917-1916)، ﺣﺮبُ اﻟﺮﻳﻒ (1926-1924)، اﻟﺘﻤﺮُّد ﻓﻲ اﻟﺠﺰاﺋﺮ وﻗﻤﻌُﻪ ﻓﻲ ﻣﺎﻳﻮ 1945،اﻟﻤﻮاﺟَﮭﺎتُ ﻣﻊ ﺣﺰبِ اﻻﺳﺘِﻘﻼل واﻟﺴﻠﻄﺎنِ ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب (1956-1952)، وﻛﺬﻟﻚ اﻟﻤﻮاﺟﮭﺎتُ ﻣﻊ اﻟﺤﺰبِ اﻟﺤﺮِّ اﻟﺪﺳﺘﻮري اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟﺘﻮﻧﺴﻲ (1954-1952) وأﺧﯿﺮاً ﺛﻮرةُ اﻟﺘﺤﺮﯾﺮ اﻟﺠﺰاﺋﺮﯾَّﺔ .(1962-1954) وأﺳﺘمرَّت اﻟﻤﻮاﺟَﮭﺔُ اﻟﻤﺴﻠَّﺤﺔُ ﺑﻮﺟﮫٍٍ ﺟﺪﯾد، وھﻮ ﻣﻔﮭﻮمُ “ﺻﺮاعِ اﻟﺤﻀﺎرات” اﻟﺬي ﻋﺎدَ ﺑﻘﻮَّةِ ﻓﻲ ﻣﻄﻠﻊِ اﻟﻘﺮن الواحد واﻟﻌﺸﺮﻳﻦ.

إن اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ ظﺎھﺮةٌ ﺑﯿِّﻨﺔٌ ﻣﻨﺬُ ﻋﺪَّة ﻗﺮون، وﻻ ﯾﻤﻜِﻦُ ﻓﺼﻠُﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﺘﺎريخ ﻋﻦ اﻟﻌﻨﺼﺮُﯾَّﺔِ اﻟﻤﻌﺎدِﯾﺔِ ﻟﻠﻌﺮب.أليس ملفتاً للنظر مثلاً أن ترتبط عناصرُ مكوِّنةٌ للثقافة التاريخية الفرنسية اﻹﺷﺎرةُ، وبشكل حميمي، ﺑﺎﻟﻤﻮاﺟَﮭﺎتِ ﻣﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢِ اﻟﻌﺮﺑﻲِّ- اﻹﺳﻼﻣﻲِّ؟ ﻟﻤﺬا أﺻﺒﺤَﺖ ﻣﻌﺮﻛﺔٌ ﺛﺎﻧﻮﯾَّﺔُ اﻷھﻤﯿَّﺔِ كـﻣﻌﺮﻛﺔِ بواتييه، ﻣﻘﺪِّﻣﺔ لانتصار “ﺼﺮاع اﻟﺤﻀﺎرات”؟ وﻟﻤﺬا ﺟُِﻌﻞَ ﻣﻦ ﺷﺎرل ﻣﺎرﺗﯿﻞ، وھﻮ ﺷﺨﺼﯿَّﺔٌ ھﻤَﺠﯿَّﺔٌ ﻟﺤﺪٍّ ﻣﺎ أﺣﺪ،َ أواﺋﻞِ أﺑﻄﺎلِ اﻟﺘﺎرﯾﺦِ في ﻓﺮﻧﺴﺎ، وﻛﺄﻧَّﮫ ﺣﺼﻦٌ ﻟلحضارة؟ ﻟﻮ ﺳﺄﻟﻨﺎ المواطِن الفرنسيَّ العاديّ ﻟﻮضع ﻣﻌﺮﻛﺔِ بواتييه (732)على رأسِ لائحةِ الأحداث ِالتارخيَّة الفرنسيَّة، وذﻟﻚ ﺣﺘّﻰ ﻗﺒﻞَ ﺗﺘﻮﯾﺞِ ﺷﺎرﻟﻤﺎن ﻋﺎم 800 وﻣﻌﺮﻛﺔِِ ﻣﺎرﯾﻨﯿﺎن ﻓﻲ ﻋﺎمِ 1515 أو اﻗﺘِﺤﺎمِ ﺳﺠﻦِ اﻟﺒﺎﺳﺘﯿﻞ ﻓﻲ ﻋﺎم 1789.

فلنَأخذ ﻣﻌﺮكةِ ﻣﻤﺮِِّ روﻧﺴﻔﺎل ﻓﻲ ﻋﺎم 778 اﻟﺘﻲ ﺗَﺤﺎربَ ﻓﯿﮭﺎ اﻟﻔﺮَﻧﺠﺔ واﻟﻔﺎﺳﻜﻮن، فاﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻟﻢ ﯾقاتلوا فيها ﻗَﻂْ.لماذا باتَت ھﺬه اﻟﻤﻌﺮﻛﺔُ رﻣﺰاً ﻟمُخادعةِ المسلمين الذين انقضَّوا على أعدائهم من الخلف بنسبة ﻋﺸﺮة ﻣﻘﺎﺑِﻞ واﺣﺪ؟ . فما من تلميذٍ ينسى أنَّه ﺗﻌﺮَّفَ ﻋﻠﻰ اﻷدبِ اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻋﺒﺮ نشيدِ روﻻﻧﺪ اﻟﺸﮭﯿﺮ وما من تلميذٍ ينسى أنَّ الخير يرمز إليه ﻔﺮﺳﺎنَ من نور آتون من الغرب، وأن الشرَّ يتمثَّلُ بمحاربين غامضين آتين ﻣﻦ “أﻣَّﺔٍ ﻣﻠﻌﻮﻧﺔٍ وأﻛﺜﺮَ ﺳﻮاداً ﻣﻦ اﻟﺤﺒﺮ”. واﺳﺘﺒَق ﻣﺆﻟِّﻒ ھﺬا اﻟﻨﺸﯿﺪِ أﺻﺤﺎبَ اﻟﻔﻜﺮِ اﻻﺳﺘِﻌﻤﺎري ﺑﻌﺪَّةِ ﻗﺮونٍ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺮوي ﻓﯿﮫ “إنَّ اﻟﻮﺛﻨﯿّﯿﻦ ﻋﻠﻰ ﺧَﻄﺄ وإن اﻟﻤﺴﯿﺤﯿّﯿﻦ ﻋﻠﻰ ﺣﻖ”. ھﻜﺬا ﺑﺪأَ اﻟﺼﺮاعُ ﺑﯿﻨَﻨﺎ وﺑﯿﻨَﮭﻢ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮٍ ﻣﺎﻧﻮيٍّ ﺻﺮﯾﺢ. ﻧﻌﻢ: إنَّ اﻟﻌﻨﺼُﺮﯾّﺔَ اﻟﻤﻌﺎدﯾﺔَ ﻟﻠﻌﺮبِ واﻟّتي ما من سبيلٍ لـِﻓﺼﻠِﮭﺎ عـﻦ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ ﺗﺒﻠﻎُ ﻣﻦ اﻟﻌﻤﺮِ ﻣﺌﺎتَ اﻟﺴﻨﯿﻦ، ﺣﯿﺚُ ﺗﻌﻮد ُإﻟﻰ اﻟﺤﺮوبِ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿّﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺼﻮرِ اﻟﻮﺳﻄﻰ وﺑﻌﺪَھﺎ إﻟﻰ ﻋﺼﺮِ اﻟﻨﮭﻀﺔِ اﻷوروﺑﯿَّﺔِ وﺧﺎﺻَّﺔً إﻟﻰ ﻗﺘَﻠﺔِ اﻟﻤﻮرﯾّﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﺤﺮوبِ اﻟﺘﻲ ﺳﻘﻄَﺖ ﻓﯿﮭﺎ اﻷﻧﺪﻟﺲ.

ﻛﺎن ﻣﻌﺎﺻﺮو اﻟﺤﻘﺒﺔ اﻻﺳﺘﻌﻤﺎرﯾَّﺔ ﻋﻠﻰ أﺗﻢِّ اﻟﯿﻘﯿﻦ ﺑﺎﻧﻔﺮادِھﻢ ﻓﻲ ﺣﻤﻞِِ ﻗﯿﻢِِ اﻟﺤﻀﺎرة، وعـﺒَّﺮوا ﻋﻦ ﻋﺪاﺋﮭﻢ ﻟﻺﺳﻼمِ ﺑﺼﺮاﺣﺔٍ ﻣُﻄﻠَﻘﺔٍ، ﻓﯿﺆﻛِّﺪُ أﺣﺪُھﻢ أنّه “ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢِ أنَّ اﻹﺳﻼمَ ﻗﻮَّةَ ﻣﻮتٍ وﻟﯿﺲَ ﻗﻮَّةَ ﺣﯿﺎة”1. ولكم كانَت ﺧﯿﺒﺔُ اﻷﻣﻞِ ﻛﺒﯿﺮةً حين ﻻﺣﻆَ اﻟﻤﺒﺸِّﺮون أنَّ اﻹﺳﻼمَ ﻛﺘﻠﺔٌ ﻣُﺘﻤﺎﺳﻜﺔ، وﻏَﻀﺐَ اﻟﻤُﺘﺰﻣِّﺘﻮنَ ﻣِﻦ اﻟﻌِﻠﻤﺎﻧﯿَّﯿﻦ أﻣﺎمَ ﻋﺪمِ ﺗﻘﺒُّﻞِ اﻟﻌﺮبِ واﻟﻤُﺴﻠِﻤﯿﻦ “اﻟﻤُﺘَﻌﺼِّﺒﯿﻦ” ﻟﻤﻔﮭﻮمِ اﻟﻌﻘﻼﻧﯿَّﺔ اﻟﺬي ﻛﺎنَ ﯾَﺴﻌﻰ اﻟﻌِﻠﻤﺎﻧﯿّﻮن ﻟﺘﺮوﯾﺠِِﮫ. واﺧﺘﻠََﻂ ﻓﻲ اﻟﻐﻤﻮضِ إﻻﺳﻼمُ واﻟﻤﺴﻠﻤﻮن واﻟﻌﺮقُ و“اﻟﻌَﺮب”، ﻛﻤﺎ ﻛﺎنَ ﯾَﺪﻋﻮ اﻟﻔﺮﻧﺴﯿَّﻮن اﻟﻤُﺠﺘَﻤﻌﺎتِ اﻟﻤﺴﺘَﻌﻤَﺮة ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب اﻟكبير. واﺧﺘﻠَﻂَ اﻟﻌﺪاءُ ﻟﻠﺪّﯾﻦ ﻣﻊ اﻟﻌﺪاءِ ﻟﻠﻌِﺮقِ ﻓﻲ “ﻓﻮﺑﯿﺎ” واﺣِﺪة. وأتى إرﻧﺴﺖ رﯾﻨﺎن ليعكسَ روحَ ﻋﺼﺮِه حين ﻛﺘَﺐ:

“إنَّ اﻹﺳﻼمَ ﻧﻔﻲٌ ﻣﻄﻠﻖٌ ﻷوروﺑﺎ. إﻧَّﮫ ﯾﺤﺘﻘِﺮُ اﻟﻌﻠﻢَ وﯾﻘﻤﻊُ اﻟﻤﺠﺘﻤَﻊ وﯾُﻈﮭﺮَ ﺳﺬاﺟﺔَ اﻟﺮوحِ اﻟﺴﺎﻣﯿَّﺔ اﻟﻤﺨﯿﻔﺔَ، ﺣﯿﺚ ﯾﻘﯿِّﺪ اﻟﻌﻘﻞ ﺑﻌﯿﺪاً ﻋﻦ أيِّ ﻓﻜﺮةٍ رﻓﯿﻌﺔٍ وأيِّ ﺷﻌﻮر مرهف وأيِّ تساؤلٍ ﻋﻘﻼﻧﻲ ﻟﯿﻀﻌَﮫُ أﻣﺎمَ شعار يكرِّرُ نفسَه بنفسَه: ﻻ إﻟﮫَ إﻻّ ﷲ2 .”

ﻣﺼﻄﻠﺢ ﯾﻌﻮد ﻋﻤﺮه إﻟﻰ 1910

ﯾﻨﺒﻐﻲ ﻋﻠﯿﻨﺎ وﺻﻒُ ھﺬه اﻟﺮؤﯾﺔ، وﯾﺒﺪو أنَّ تعبيرَ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ” هو الأنسب. ﺧﻼﻓاً ﻻﻋﺘﻘﺎد ﺷﺎﺋﻊ، ﯾﻌﻮد أوَّل اﺳﺘﻌﻤﺎل للـﻣﺼﻄﻠﺢ إﻟﻰ ﻋﺎم 1910، ﻋﻨﺪﻣﺎ اﻗﺘﺮَح ﻣﺆﻟِّفٌ ﯾُﺪﻋﻰ أﻵن ﻛﯿﻠﯿﺎن ﺗﻌﺮﯾﻔاً ﻻ ﯾﺰالُ ﺻﺎﻟﺤاً.

“ﻛﺎنَ وﻻ ﻳﺰالُ ﻋﻨﺪَ ﺷﻌﻮبِ اﻟﺤﻀﺎرةِ اﻟﻐﺮﺑﻴَّﺔِ واﻟﻤﺴﻴﺤﻴَّﺔِ ﺗﺤﻴُّﺰٌ ﺿﺪَّ اﻹﺳﻼم، ﺣﻴﺚُ ﻳﺮى اﻟﻜﺜﻴﺮون أنَّ اﻟﻤُﺴﻠﻢَ ﻋﺪوٌّ ﻃﺒيعيٌّ وﻟﺪودٌ ﻟﻠﻤﺴﻴﺤﻲِّ وللأوروﺑﻲّ. إنَّ اﻹﺳﻼمَ ﻧَﻔﻲٌ ﻣﻄﻠﻖٌ ﻟﻠﺤﻀﺎرة وﻻ ﻳﻤﻜﻦُ أن ﻳُﺮﺗﻘَﺐ ﻣﻦ اﻟﻤُﺴﻠِﻤﻴﻦ ﺳﻮى اﻟﻬﻤﺠِﻴَّﺔِ وﺳﻮءِ اﻟﻨﻴَّﺔ3

وﺗﺮاﻓَﻖَ اﺳﺘﻌﻤﺎلُ ﺗﻌﺒﻴﺮِ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ” ﻣﻊ ﻣﻔﺎﻫﻴﻢَ أﺧﺮى ﻛﺼِﺮاعِ اﻟﺤﻀﺎرات (...) وذﻟﻚ ﻓﻲ ﻣﻄﻠﻊِ ﻇﻬﻮرِه. وﻛﺎن ﻳُﻠﻘﻰ اﻟﻠّﻮمُ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊِ اﻟﻤﺼﺎدرِ اﻷدﺑﻴَّﺔِ ﻋﻠﻰ اﻹﺳﻼمِ المقرون ﺑﺎﻟﺤﺮبِ اﻟﻤُﻘﺪَّﺳﺔ وﺗﻌﺪُّدِ اﻟﺰوﺟﺎت والقدَرِيّة واﻟﺘﻌﺼُّﺐ. وﻓﻲ اﻟﻌﺎم نفسِه اﺳﺘﻌﻤَﻞ ﻣﻮرﯾﺲ دوﻻﻓﻮس ﺗﻌﺒﯿﺮَ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ” ﻧﻔﺴِﮫ ﻓﻲ دراﺳﺔٍ ﻋﻦ اﻹﺳﻼمِ ﻓﻲ ﺟﻨﻮبِ الـﺼﺤﺮاء الإﻓﺮيقيّة:

“إن مُسلمي ﻏﺮبِ أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ ﻏﯿﺮُ ﻣُﻌﺎدﯾﻦ ﻟﺤﻀﺎرﺗِﻨﺎ، ﺑﺎﺳﺘِﺜﻨﺎء ﻣَﺠﻤﻮﻋﺎتٍ قليلة ﻓﻲ ﻣﻮرﯾﺘﺎﻧﯿﺎ ﻻ ﺗﺰال ﺗُﻌﺎرِض اﻟﻬﻴﻤﻨﺔ اﻷوروﺑﻴﺔ. وﻟﯿﺲ ﻟﻔﺮﻧﺴﺎ أن تَخشاهُم أكثرَ من غيرهم ، ﻣﮭﻤﺎ ﻗﺎلَ اﻟّﺬﯾﻦ ﯾَﺠﻌﻠﻮن ﻣﻦ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ أسلوباً ﻹدارةِ اﻟﻤﺠﺘَﻤﻌﺎت اﻟﻤﺤﻠﯿﺔ. ﻓﻼ داﻋﻲ ﻟﻺﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ ﻓﻲ ﻏﺮبِ أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ4”.

واستعمَلَ دوﻻﻓﻮس اﻟﻌﺒﺎرةَ ذاﺗَﮭﺎ ﻓﻲ ﻛﺘﺎبٍ ﺻﺪرَ ﻟﮫ ﻻﺣِﻘاً، ﯾَﻨﻘﻞُ ﻓﯿﮫ ﺣﺮﻓﯿاً ﻣﺎ ﻛﺘﺒَﮫ ﻓﻲ اﻟﻤﻘﺎل اﻟﻤﺬﻛﻮر أﻋﻼه، إﻻّ أﻧَّﮫ اﺳﺘﺒﺪَلَ “ﻏﺮبَ أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ” بـ“ﺷﻤﺎل اﻟﺴﻨﻐﺎل - ﻧﯾﺠﺮ”.

وﯾﻨﻮِّهُ اﻟﻌﺎﻟﻢُ اﻟﻔﺮﻧﺴﻲُّ اﻟﺸﮭﯿﺮُ ﻟﻮﯾﺲ ﻣﺎﺳﯿﻨﯿﻮن إﻟﻰ ﻣﺎ ﺗﻘﺪَّم ﺑﮫ اﻟﻤﺜﻘَّﻒُ اﻟﻤﺼﺮيُّ ﻣﺤﻤَّﺪ رﺷﯿﺪ رﺿﺎ ﻓﻲ اﺟﺘِﻤﺎعٍ ﻟﻠﺮاﺑِﻄﺔِ اﻟﻌﺎﻟَﻤﯿَّﺔِ ﻟﻠﻌﻠﻤﺎءِ اﻟﺬي اﻧﻌﻘﺪَ ﻓﻲ ﻋﺎم .1910 وﻗﺎل ﻣﺸﯿﺮاً إﻟﻰ اﻟﻤﻮاﻗِﻒ اﻟﺘﻲ ﺗﺒﻨَّﺘﮭﺎ ﻣُﺨﺘﻠﻒُ اﻟﻘﻮى اﻷوروﺑﯿَّﺔ إﻧَّﮫ “ﯾﻤﻜﻦُ ﻟﺴﯿﺎﺳﺔِ ﻓﺮﻧﺴﺎ أن ﺗﻜﻮنَ أﻗلَّ إﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿَّﺔ” ، أي أﻗﻞَّ ﻣﻦ اﻟﻘِﻮى اﻻﺳﺘﻌﻤﺎرﯾَّﺔ اﻷﺧﺮى5 .

ﺗﻌﺎونَ اﻟﺮّﺳﺎم اﻟﻤﺴﺘَﺸﺮق اﻟﻜﺒﻴﺮ إﺗﯿﺎن دينيه والذي اعتنَقَ الإﺳﻼمَ ﻣﻊ زﻣﯿﻠِﮫ ﺳﻠﯿﻤﺎن ﺑﻦ إﺑﺮاھﯿﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﺄﻟﯿﻒِ ﻛﺘﺎﺑَﯿﻦ ﻓﻲ ﻋﺎم 1918 و1921 ﯾَرِدُ فيهما ﺗﻌﺒﯿﺮ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ”6 . يستعملُ اﻟﻤﺆﻟِّﻔﺎن المُصطلَح ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮭﻢ اﻟﺜﺎﻧﻲ عن اﻷب اﻟﻴﺴﻮﻋﻲ ﻫﻨﺮي ﻻﻣﻨﺲ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻗﺪ ﻧﺸﺮَ ﻛﺘﺎﺑﺎتٍ ﺗﺪَّﻋﻲ أﻧَّﮭﺎ ﻋﻠﻤﯿَّﺔٌ فيما يهاجم ﺑﺸﺮاﺳﺔٍ اﻹﺳﻼمَ واﻟﻨﺒِﻲِّ ﻣُﺤﻤَّﺪ. وﻳَﺨﻠِﺺُ إﺗﻴﺎن دينيه : “ﻗﺪ ﺗﺪﻓﻊُ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ اﻟﻌُﻠَﻤﺎءَ إﻟﻰ أﻓﻈﻊِ اﻟﺘﻔﺎﻫﺎتِ وﺑﺪتَ ﻟﻨﺎ ﺿﺮورةُ اﻟﻜﺸﻒِ ﻋﻦ آﺛﺎرِﻫﺎ ﻟﻠﻤُﺴﻠِﻤﻴﻦ وﻟﻠﻤﺴﻴﺤﻴّﻴﻦ”.

وظﮭﺮَ التعبير أيضاً ﻓﻲ اﻟﺼﺤﺎﻓﺔِ، ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻟﺔٍ ﻧﻘﺪﯾّﺔ يمدحُ فيها إدوارد ﺳﺎرازان اﻟﻜﺘﺎﺑَﯿﻦ اﻟﻤﺬﻛﻮرَﯾﻦ أﻋﻼهُ بِشدَّةٍ وﯾﺆﻛِّﺪُ فيها أن ﻻ ﺗﻌﺼُّﺐَ ﻓﻲ ﺣﯿﺎةِ ﻣﺤﻤﺪ وﻻ ﻓﻲ اﻟﻘﺮآن، ﻓﺎﻟﺘﻌﺼُّﺐُ أﺳﻄﻮرةٌ اﺑﺘﺪﻋَﮭﺎ ﻛﺎرِھﻮ اﻹﺳﻼمِ ﻓﻲ اﻟﻌﺼﻮر اﻟﻮﺳﻄﻰ7 .

ﻛِﺬﺑﺔ ﺗﺎرﯾﺨﯿَّﺔ ﻣﺎ زاﻟَﺖ ﻣُﺘﺪاوَﻟﺔ

ﻟﻢ ﺗَﺰُلْ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ ﻛﺸﻌﻮر وﻟﻜﻦَّ اﻟﻤُﺼﻄﻠَﺢَ كفَّ ﺘﺪاولُه، ﺣﺘﻰ عقدي 1970-1980 Caroline Fourest اﻟﻘﺮن اﻟﻤﺎﺿﻲ. وﻛﺘﺒﺖ اﻟﻤﺆﻟِّﻔﺎن كارولين فورست ﻓـﻲ مجلّةٍ ﻧـﺸـﺮَت ﻓـﻲ ﻋﺎم 2003 ﻣلفاًّ ﻋﻨﻮاﻧُﮫ وفيامتا فينر “إﺳـﻼﻣﻮﻓـﻮﺑﯿّﻮن أم ﻋﻠﻤﺎﻧﯿّﻮن ﺑﺤﺖ؟”.8 وﻛـﺎن ﻋﻨﻮانُ اﻟﻤﻘﺎلِ اﻟﺘﻤﮭﯿﺪي ﻟﻠﻤﻠﻒِّ يقتصِرُﻋﻠﻰ ﻛﻠﻤﺔِ “اﻹﺳـﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ”، ﻣﻊﻋﻼﻣﺔِ اﺳﺘﻔﮭﺎمٍ ﻣُﻌﺒِّﺮة. وﺗﻜﺘﺐُ اﻟﻤﺆﻟِّﻔﺘﺎن أنَّ “اﻟﺘﻌﺒﯿﺮَ له ﺗﺎرﯾﺦٌ ﯾﻨﺒﻐﻲ علينا إدراكُه ﺟﯿِّﺪاً ﻜﻲ َﻻ ﯾُﺴﺘﻌﻤَﻞ ﺧﺎرجَ إطارِه”. ﻛﺎنت الغايةُ سليمة، إﻻّ أنَّ اﻟﻤﺆﻟِّﻔﺘﺎن اﻧﺤﺮﻓتا، كما أنّ اﻟﺘﻐﻄﯿﺔ اﻹﻋﻼﻣﯿَّﺔ اﻟﺘﻲ حَظِيَتا بها ضلَّلت اﻟﻌَﺸﺮات ﻣـﻦ اﻟﻜتاب ورﺑَّﻤﺎ اﻵﻻف ﻣﻦ اﻟﻘﺮّاء، إذ تُعيدان ﻛَﻠﻤﺔَ “إﺳـﻼﻣﻮﻓـﻮﺑﯿﺎ”، وكذلك ﺻِﻔﺔ “إﺳـﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻲ”، إلى اﻟﺜﻮرةِ اﻹﯾﺮاﻧﯿّﺔ وتَلاهمﻣُﺴﻠﻤﻮن ظﻼﻣﯿّﻮن ﻣﻦ ﻛﺎﻓّﺔِ أﻧﺤﺎءِ اﻟﻐﺮب.

ﻟَﺠﺄَ ﻣَﻼﻟﻲ إﯾﺮان ﻓﻲ ﻋﺎم 1979 إﻟﻰ اﻟﻤُﺼﻄﻠَﺢِ ذاتِه ﻟﻮﺻﻒِ النساء اللواتي ترفضن ارﺗِﺪاءَ اﻟﺤﺠﺎبِ “بالـﻤُﺴﻠﻤﺎتٍ ﻧﺎﻗِﺼﺎت”. وعلى إﺛﺮِ ﻗﻀﯿَّﺔِ ﺳﻠﻤﺎن رُﺷﺪي، وﺗﻮظﯿﻒِ اﻟﻤُﺼﻄﻠَﺢِ ﻣُﺠﺪَّداً ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎنِ ﺟﻤﻌﯿَّﺎتٍ إﺳﻼﻣﯿَّﺔ [...] ﻣﺜﻞَ جمعيات اﻟﻤﮭﺎﺟﺮين واﻟﻠﺠﻨﺔِ اﻹﺳﻼﻣﯿَّﺔِ ﻟﺤﻘﻮقِ اﻹﻧﺴﺎنِ اﻟﺘﻲ ﺗَﺴﻌﻰ ﺣﺴﺐَ ﻧﻈﺎﻣِﮭﺎ اﻷﺳﺎﺳﻲِّ ﻟـ “ﺟَﻤﻊِ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎتِ ﺣﻮلَ اﻧﺘِﮭﺎﻛﺎت ﺣﻘﻮقِ ﷲ”. وﺗَﻌﺘﺒِﺮُ ھﺬه اﻟﺠﻤﻌﯿّﺎتُ أنَّ اﻟﻜﻔﺎحَ ﺿﺪَّ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ ﯾﻨﺪرِجُ ﺿﻤﻦَ ھﺬه اﻟﻤﮭﻤَّﺔِ وﯾﺸﻤُﻞ ﻛﻞَّ ﻣﺎ ﯾخالِفُ الأخلاقيَّات اﻷﺻﻮﻟﯿَّﺔ كاﻟﻤِﺜﻠِﯿَّﺔ اﻟﺠﻨﺴﯿَّﺔ واﻟزِّنا واﻟﺘﺠﺪﯾﻒ إﻟخ. وﺗﻌﺘﺒَِِﺮ ھﺬه اﻟﺠﻤﻌﯿَّﺎتُ اﻟﻄﺎﻟﺒﺎنَ أولى ﺿﺤايا الإﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ، ومن اﻟﺸﺨﺼﯿّﺎت اﻟﺘﻲ ﺗَﻜﺮَّر وصفُها على أنَّها “إﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿّﺔ” ﺳﻠﻤﺎن رﺷﺪي وتسليمه ﻧﺴﺮﯾﻦ!"

ﺗﺘﺠﺎﻫﻞُ هذه اﻟﺮؤﻳﺔ ﻛﻠِّﻴّﺎًً ﺗﺎرﻳﺦَ اﻟﻤﺼﻄﻠَﺢ اﻻﺳﺘِﻌﻤﺎري، ﻟﻜﻦَّ اﻟﻤﻌﺠﻢَ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻲَّ للّغةِ اﻟﻔﺮﻧﺴﻴَّﺔِ اﻟﺼﺎدرَ ﻋﺎمَ 2010 ﺗﺒﻨّﺎه دونَ أيَّ ﺗﻤﺤَّﺺ، وأﻋﻄﺎه ﺻﻔﺔً علميّةً ﺣﻴﺚ ﻳرِدُ ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻣﻮس أنَّ اﻟﻤُﺼﻄﻠَﺢ يعودُ ﻇﻬﻮرُه إﻟﻰ ثمانينيات اﻟﻘﺮن اﻟﻤﺎﺿﻲ.

وﻻ ﻳﺰال ﻫﺬا اﻟﺨﻄﺄُ ﺷﺎﺋﻌاً رﻏﻢَ ﺗﻜﺮارِ اﻟﺘﻮﺿﻴﺤﺎتِ ﺑﺸﺄﻧِﻪ. وﺻﺪرَ ﻋﺎمَ 2004 ﻛﺘﺎبٌ ﻋﻨﻮاﻧُﻪ الأخ طارق، ﺗﺪَّﻋﻲ فيه ﻣﺆﻟِّﻔﺘُﻪ كارولين فورست ﺻِﻠﺔً ﻣُﺒﺎﺷﺮةً ﺑﻴﻦَ اﻟﺨﻤﻴﻨﻴَّﺔ واﻟﻤُﻔﻜِّﺮ اﻹﺳﻼﻣﻲِّ ﻃﺎرق رﻣﻀﺎن، وتتَّهِمُهُ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎبِ ﺑﻤﺤﺎوﻟﺔِ ﺗﺮوﻳﺞ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ” ﺗﻌﺒﻴﺮاً وﻣَﻔﻬﻮﻣﺎً ﻓﻲ أوروﺑﺎ. وﻟﺘﺜﺒﻴﺖِ ﻫﺬه اﻟﺘﻬﻤﺔُ، ﺗﻘﺘﺒﺲُ المؤلِّفة ﻣﻦ ﻣﺎ ﻛﺘﺒَﻪ ﻃﺎرق رﻣﻀﺎن ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻟﺔٍ ﻟﻪ في ﺻﺤﻴﻔﺔِ ﻟﻮﻣﻮﻧﺪ دﻳﺒﻠﻮﻣﺎﺗﻴﻚ ﻋﺎم :1998 “ﻳﻤﻜِﻨُﻨﺎ اﻟﺤﺪﻳﺚُ ﻋﻦ ﻧﻮعٍ ﻣﻦ”اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ“، ﻛﻤﺎ ﺟﺎءَ ﺑﻪ ﻋﻨﻮانُ دراﺳﺔٍ ﻗﻴِّﻤﺔٍ أوﺻَﺖ ﺑﻬﺎ Runnymede Trust عام 19979. وﻛﺎنَ ﻃﺎرق رﻣﻀﺎن قد اﻘﺘﺒﺲُ ﻋﺒﺎرةَ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ” ﻣﻦ ﻋﻨﻮانِ اﻟﺪراﺳﺔِ ذاﺗِﻬﺎ، ﻓﻴﺼﻌﺐُ اﺗِّﻬﺎﻣُﻪ بالترويجِ على اﻟﺴﺎﺣﺔِ اﻟﺜﻘﺎفيّة اﻟﻔﺮﻧﺴﻴّﺔ لمُصطَلح لم يغِب عنها أساساً. ﻓﺘَﺴﺘﺸﻬِِﺪ ﺻﺤﻴﻔﺔُ ﻟﻮﻣﻮﻧﺪ دﻳﺒﻠﻮﻣﺎﺗﻴﻚ ذاﺗُﻬﺎ ﺑﻤﻔﺘﻲ ﻣﺴﺠﺪِ ﻣﺮﺳﻴﻠﻴﺎ ﺻﻬﻴﺐ بنشيخ، وﺗﻘﻮلُ أﻧَّﻪ ﻳَﺴﻌﻰ إﻟﻰ “ﺗﻜﻴُّﻒِ إسلامٍ أصيلٍ ﻣﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢِ اﻟﻌﺼﺮي” وإﻟﻰ ﻣُﻜﺎﻓﺤﺔ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ” واﻟﺸﻌﻮرِ ﺑﺎﻹﻗﺼﺎءِ وﺑﺎﻹﺣﺒﺎطِ واﻹﻧﺰواء ﻋﻨﺪَ ﻣُﺴﻠﻤﻲ ﻣﺮﺳﻴﻠﻴﺎ".

ﺑﻜﺎء اﻟﺮﺟﻞ اﻷﺑﻴﺾ

ﺗﺤﺚُّ اﻟﻤﺆﻟِّﻔﺘﺎن اﻟﻤَﺬﻛﻮرﺗﺎن أﻋﻼه ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺨﻠِّﻲ عن اﺳﺘِﻌﻤﺎلِ اﻟﻜﻠﻤﺔِ ﻓﻲ ﺣﺪِّ ذاﺗِﻬﺎ، إذ ﺗﻌﺘﻘِﺪان أنَّ اﻟﻌﺒﺎرةَ أدآةُ ﺗﺮوﻳﻊٍ ﺛﻘﺎﻓﻲٍّ يُوَظِّفُها اﻷﺻﻮﻟﻴَّﻮن ﻓﻲ ﺻﺮاﻋِﻬﻢ ﺿﺪ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴَّﺔ وﺿﺪَّ أيِّ ﻧﻘﺪٍ ﻳُﻮﺟَّﻪُ إﻟﻰ اﻟﺪﻳﺎﻧﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ.

وﻻ ﻳَﺴﻊ المؤلف باسكال بروكنر إﻻّ أن ﻳﻮاﻓِﻖّ ﻋﻠﻰ ﻗﻨﺎﻋﺎت اﻟﻤﺆﻟِّﻔﺘﻴﻦ، إذ ﻛﺎنَ ﻗﺪ أﻟَّﻒ ﻓﻲ اﻟﺴﺎﺑﻖ ﻛﺘﺎﺑﺎً ﺻﺪَرَ ﻓﻲ ﻋﺎمِ 1983 تحتَ عُنوان “ﺑُﻜﺎء اﻟﺮﺟﻞ اﻷﺑﻴﺾ” مع ﻋُﻨﻮانٍ ﺠﺎﻧِﺒﻲ “اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺜﺎﻟﺚ، اﻟﻤﻠﻮﻣﻴَّﺔ وﻛﺮاﻫﻴَّﺔ اﻟﺬات”. و اﻧﺘَﻘﺪَ ﻻﺣِﻘاً وﺑﺸﺪّة “ﻃُﻐﻴﺎن اﻟﺘﻮﺑﺔ” في ﻜﺎﺗﺐٍ ﺻﺪرَ ﻟﻪ ﻓﻲ ﻋﺎم .2006

“إنَّ ﻋﺒﺎرةَ”اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ“ﺻﻮَّﻏﻬﺎ اﻷﺻﻮﻟﻴَّﻮن اﻹﻳﺮاﻧﻴَّﻮن ﻓﻲ أواﺧِﺮ ﺳﺒﻌﻴﻨﻴّﺎت اﻟﻘﺮن اﻟﻤﺎﺿﻲ ﻟﺼﺪِّ اﻟﺤﺮﻛﺔِ اﻟﻨﺴﻮﻳّﺔ ﻣﻦ أﻣﺮﻳﻜﺎ، واﻟﻤَﻔﻬﻮمُ ﻣُﺸﺘﻖٌّ ﻣﻦ ﻣﻔﻬﻮمِ”اﻟﻜﺰﻳﻨﻮﻓﻮﺑﻴﺎ“xénophobie أي ﻛﺮاﻫﻴﺔِ اﻷﺟﺎﻧﺐ. وﺗﺮﻣﻲ ﻋﺒﺎرة”اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ“إﻟﻰ ﺟﻌﻞِ اﻹﺳﻼمِ ﻣﺴﺄﻟﺔً ﻣُﺤﺮَّﻣﺔً وإﻟﻰ اﺗِّﻬﺎمِ ﻛﻞِّ ﻣﻦ يتجرَّأ ﻋﻠﻰ اﻧﺘِﻘﺎدِه ﺑﺎﻟﻌﻨﺼﺮﻳَّﺔ (...). إﻧَّﻨﺎ ﻧﺸﺎﻫِﺪُ ﺻﻴﺎﻏﺔَ ﺗُﻬﻤﺔٍ ... ﻋﻠﻰ ﻏِﺮارِ اﻟﺘُّﻬﻢِ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻠﻔَّﻖُ ﺳﺎﺑﻘﺎً ﻋﻠﻰ أﻋﺪاءِ اﻟﺸﻌﺐِ أﻳّﺎمَ اﻻﺗِّﺤﺎدِ السوفييتي. ﻟﻘﺪ ﺗﻠﻮَّﺛﺖ اﻟﻠُّﻐﺔُ ﺑﻌﺒﺎراتٍ ﻏﺎﻣِﻀﺔٍ وﻣﻀِّﻠَّﺔ، وﻋﺒﺎرة”اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ“ﻣﻦ ﺿﻤﻨِﻬﺎ ﻻﺷﻚَّ، ﻟﺬا ﻳﻨﺒَﻐﻲ ﻋﺪمُ اﺳﺘﻌﻤﺎﻟِﻬﺎ10.”

وتبنّى ﻣﺆﺳِّﺲُ مَجلّة (...) Le Point وﻣُﺤﺮِّرُﻫﺎ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻲّ اﻟﺼﺤﻓﻲُّ ﻛﻠﻮد إﻣﺒﻴﺮ اﺳﺘﻌﻤﺎلَ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮِ ذاﺗِﻪ إذ ﻗﺎلَ ﻓﻲ ﺗﺼﺮﻳﺢٍ ﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻗﻨﺎةِ LCI التلفزيونية11 .

“أودُّ أن أﻛﻮنَ ﺻﺮﻳﺤﺎً، إﻧّﻲ إﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻲَّ ﺑﻌﺾَ اﻟﺸﻲء، وﻻ ﻳُﺤﺮِﺟُﻨﻲ اﻻﻋﺘِﺮاف ﺑﺬﻟﻚ (...) وﻟﺴﺖُ اﻟﻮﺣﻴﺪَ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺒﻠﺪِ ﻓﻲ اﻻﻋﺘِﻘﺎد أنَّ اﻹﺳﻼمَ ﻳﺠﻠِﺐُ ﻣﻌَﻪُ ﺗﻔﺎﻫﺎتٍ ﻣُﺨﺘﻠِﻔﺔ، وﻳﻘﻠِّﻞُ ﻣﻦ وﺿﻊِ اﻟﻤﺮأةِ وﻳﺴﻌﻲ إﻟﻰ اﺳﺘِﺒﺪالِ ﻗﺎﻧﻮنِ اﻟﺪولِ ﺑﻘﺎﻧﻮنِ اﻟﻘﺮآن. وﻻ أﻗﺼﺪُ ﺑﻬﺬا اﻹﺳﻼﻣﻴﻴﻦ ﺑﻞ اﻹﺳﻼمَ ﺑﺤﺪِّ ذاﺗِﻪ (...).”

وأﺛﺎرَ ھﺬا اﻟﺘﺼﺮﯾﺢُ اﻧﺘِﻘﺎدات ﻣُﺨﺘﻠِﻔﺔٍ دﻓﻌَﺖ صاحبه إﻟﻰ اﻟﺮدِّ (...) ﺑﮭﺬا اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ: “ﺗﺤﺠَّﺮ اﻹﺳﻼمُ ﻓﻲ اﻟﻘﺮنِ اﻟﺜﺎﻟﺚِ ﻋﺸﺮ وﻗﯿَّﺪَ اﻟﺸﻌﻮب.” وﻋﺒَّﺮَ كذلك ﻋﻦ انزِعاجِه ﻋﻨﺪﻣﺎ ُوﺟِّﮭﺖ له ﺗﮭﻤﺔُ اﻟﻌﻨﺼﺮﯾّﺔ: "إنَّ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ ﻣﻮﺟَّﮭﺔٌ إﻟﻰ اﻹﺳﻼم ﻛﺪﯾﺎﻧﺔٍ وﻟﯿﺲَ ﻛﻌﺮقٍ أو وطﻦٍ وﻻ ﺣﺘّﻰ إﻟﻰ اﻟﻤُﺴﻠِﻤﯿﻦ ﻛﺄﻓﺮاد.

ﻛﺎن ﻓﻮﻟﺘﯿﺮ ﯾﻨﺎدي قديماً إﻟﻰ“إﺳﻘﺎط اﻟﺪﻧﻲء”، ﻣُسقطاً هذا اﻟﺸﻌﺎرِ اﻟﺸﮭﯿﺮِ على اﻟﺘﻌﺼُّﺐ اﻟﺪﯾﻨﻲ. وﯾﺘﺴﺘَّﺮُ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿّﻮن، وھُﻢ ﻛُﺜﺮة، ﺑﺤﺎﺟﺔِ إﻧﻌﺎش ِاﻟﻤُﮭﻤَّﺔ اﻟﺘﻲ ﻧﺎدى بها ﻓﻮﻟﺘﯿﺮ ﻟﺘﺮوﯾﺞِ أرآءھﻢ ﯾﻮﻣﯿَّﺎً ﻓﻲ اﻟﻤﺠﻼّتِ والإعلامِ المرئي واﻟﻤﺠﺎﻟﺲِ اﻟﺜﻘﺎﻓﯿَّﺔ. وﻻ ﯾﺨﺸَﻮن ﻣﻦ ﯾﻌﺎرضُ أراءَھﻢ وھﻢ ﻗِﻠَّﺔ... أو غائبون.

وﻧﺤﺘﺞُّ ھﻨﺎ ﻋﻠﻰ توظﯿﻒِ ﺑﻌﺾِ اﻷﺻﻮﻟﻴّﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻤُﺴﻠﻤﻴﻦ ﻟﻌﺒﺎرةِ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ”، إﻻّ أنّه ﻻﺷﻚَّ ﻓﻲ وﺟﻮد إﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿّين وﻓﻲ ﻣﺸﺎرﻛﺘِﮭﻢ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎةِ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ واﻟﺜﻘﺎﻓﯿَّﺔ. فأيُّ ﻋﻤﻞٍ ﻋﺪاﺋﻲّ أو ﻛﻼمٍ ﻣﻬﻴﻦٍ ﻣﻮﺟَّﻪٍ إﻟﻰ ﻣﺴﻠﻢٍ أو ﻣﺴﻠﻤﺔٍ بصفتِه كذلك، أيُّ اﻋﺘِﺪاء ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺠِﺪ (...)، هيَ أﻋﻤﺎلٌ ﻻ ﻳُﻘﺒَﻞُ اﻟﺠﺪلُ ﺑﺼﻔﺘِﻬﺎ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴَّﺔ. إنَّ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮبييّن ﯾﺸﻜِّﻠﻮن اﻟﯿﻮمَ ﺗﯿّﺎراً فكريّاً نشيطاً ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤَﻊِ اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ، وﯾﻌﺒِّﺮون ﻋﻦ أرآﺋﮭﻢ، ﻓﻜﯿﻒَ ﻻ ﻧَﺼﻔُﮭﻢ ﺑﺎﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ؟

ﺿﺪّ ﺗﻤﺰُّق اﻟﻨﺴﯿﺞ اﻻﺟﺘِﻤﺎﻋﻲ

ﻻ ﯾﺤﺘﺎجُ ﻣُﺴﻠِﻤﻮ ﻓﺮﻧﺴﺎ إﻟﻰ ﻣﻦ ﯾُﺪاﻓِﻊ ﻋﻨﮭﻢ، ﻓﺘُﻜﺎﻓﺢُ اﻷﻏﻠﺒﯿّﺔُ العظمى ﻣﻨﮭﻢ اﻟﻨﻤﻮَّ اﻟﻤَﻠﻤﻮسَ ﻟﻠﺘﻌﺼُّﺐِ اﻟﺪﯾﻨﻲّ وﯾﺪاﻓِﻌﻮن ﻋﻦ إﺳﻼمٍ أﺻﯿﻞٍ وﻋﺼﺮيٍّ وﻣُﺘﺴﺎﻣﺢٍ وفيّ ﻟﻤﻌﺘﻘَﺪاﺗﮭﻢ. وھﻜﺬا ﻧﺸﺮَت ﻟﻮﻣﻮﻧﺪ دﯾﺒﻠﻮﻣﺎﺗﯿﻚ ﻓﻲ ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ 2001 ﻣﻘﺎﻻً مجدِّداً ﻷلان ﻏﺮﯾﺶ ﻋﻨﻮانُه “إﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ”، رﻏﻢَ أنَّ اﻟﻌﺪﯾﺪَ ﻛﺎنَ ﯾﺮى ﻓﻲ اﺳﺘِﻌﻤﺎلِ ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرةِ أنَّهُ ﺗﻨﺎزلٌ ﻟﻺرھﺎﺑﯿّﯿﻦ، أو ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞِّ ﻟﻤﻦ ﯾُﻤﺎرسُ اﻹرھﺎب اﻟﻔﻜﺮي. لحقَتهُ ﻋﺎم 2004 أوَّلُ دراﺳﺔٍ ﻣُﺠﻤَﻠﺔ ﻟﻠﻤﺴﺄﻟﺔِ ﺑﻌﻨﻮانِ “اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ اﻟﺠﺪﯾﺪة”12 ﻟﻠﺒﺎﺣِﺚِ اﻻﺟﺘِﻤﺎﻋﻲ ﻓﻨﺴﺎن ﺟﯿﺴﯿﺮ . وﻓﻲ اﻟﻌﺎمِ اﻟﺘﺎﻟﻲ ﺻﺪرَ ﻟﻠﺒﺎﺣﺚ ﺗﻮﻣﺎس دﯾﻠﺘﻮﻣﺐ ﻛﺘﺎبٌ ﯾﺤﻠِّﻞُ فيه “اﻹﺳﻼم اﻟﻮَھﻤﻲ وإﻧﺸﺎء اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﯿﺎ ﻓﻲ اﻹﻋﻼم ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ 1975-2005”13.

14وﻋﺒّﺮ ﻛﻞٌّ ﻣﻦ إدﻓﻲ ﺑﻠﯿﻨﯿﻞ15 وﻛﻠﻮد أﺳﻜﻮﻟﻮﻓﯿﺘﺶ ﻋﻦ ﺿﺮورة اﻟﻤﺼﺎﻟﺤﺔ ﻓﻲ اﻟﻨﺴﯿﺞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، وﯾﻜﺘﺐ اﻷﺧﯿﺮ ﻓﻲ ﺧﺎﺗﻤﺔ ﻛﺘﺎﺑﮫ:

ﺗﺒﻠﻮَرت ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ “ﻏَﯿﺮﯾَّﺔ” إﺳﻼﻣﯿَّﺔ، تختلِفُ ﻋﻦ ﺑﺎﻗﻲ مكوِّنات اﻟﻨﺴﯿﺞ اﻻﺟﺘِﻤﺎﻋﻲ. ونشأت ھﺬه “اﻟﻐَﯿﺮﯾّﺔ” ﺧﻼلَ رﺑﻊِ اﻟﻘﺮنِ اﻟﻤﺎﺿﻲ ﺑﺼﺮفِ اﻟﻨﻈﺮِ ﻋﻦ اﻟﺘﻮﺟُّﮭﺎت اﻟﺴﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﺴﺎﺋﺪة، فضيحةً تلوَ الأخرى وﻛﺬﺑﺔًً ﺗﺎرﯾﺨﯿّﺔً ﺗﻠﻮَ اﻷﺧﺮى (...) وﺗﻜﺮار الأكاذيب اﻟﺤﻘودة. وﯾُﻨﻈﺮُ إﻟﻰ ھﺬه اﻟﻐﯿﺮﯾَّﺔ وﻛﺄﻧَّﮭﺎ ﻻ ﺗﺘَﺠﺎﻧَﺲُ ﻣﻊ اﻟﻌﻘﻞِ وﻻ ﻣﻊ اﻟﺘﻌﺎﯾﺶِ اﻟﺬي ﺗﻨﻈِّﻤُﮭﺎ اﻟﻤﺆﺳَّﺴﺎت اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ. وﯾُﺪَّﻋﻰ أن اﻟﮭﻮﯾَّﺔ اﻟﻮطﻨﯿَّﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﯿَّﺔ ﻣُﮭﺪّدة، ﻣﺎ ﯾَﻔﺮِضُ ﺗﺸﺮﯾﻊَ أيَّة ﺧﻄﻮةٍ - ﻗﺎﻧﻮﻧﯿَّﺔٍ - ﻟﺤﻤﺎﯾﺘِﮭﺎ.

أﻣّﺎ اﻟﻜﺎﺛﻮﻟﯿﻚ اﻟﺘﻘﺪﻣِﯿّﻮن، فيُمكِن تلخيصُ ﺮؤﯾﺘَﮭﻢ ﺑﺎﻟﻤُﻘﺘﻄﻒِ اﻟﺘﺎﻟﻲ:

“ﻳُﻌﺎﻧﻲ اﻟﺒﻠﺪُ ﻣﻦ اﻧﻔِﺼﺎم. ﺗﺸﻬﺪُ اﻟﺜﻮرات اﻟﻌﺮﺑﻴَّﺔَ ﻋﻠﻰ رﻏﺒﺔِ اﻟﻤُﺴﻠﻤﻴﻦ ﻓﻲ اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴّﺔ، ﻟﻜﻦَّ اﻟﺨﻮفَ ﻣﻦ اﻹﺳﻼمِ ﻳﻠﻮِّثُ اﻷﺟﻮاءَ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ وأﺻﺒﺢَ اﻟﻺﺳﻼمِ ﻓﺰّاﻋﺔً ﻳﻜﺜُﺮُ اﻟﺘﻼﻋﺐُ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻊ اﻗﺘِﺮابِ اﻻﻧﺘِﺨﺎﺑﺎت. أﻟﻢ ﻳُﺮِﺪْ ﺳﺎرﻛﻮزي ﺣﻮاراً ﺣﻮلَ ﻣﻜﺎﻧﺔِ اﻹﺳﻼم ﻓﻲ اﻟﺠﻤﻬﻮرﻳﺔ؟ ذلك من اﻷﻓﻜﺎرِ اﻟﻤﻔﻀَّﻠﺔ ﻟﺪى ﺣِﺰب اﻟﺠَﺒﻬﺔ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ”16 .

وﻳَﺘﺠﺎوبُ ﻣﻊ ﻫﺬه اﻷﻓﻜﺎرِ ﻋﺎﻟﻢُ اﻻﺟﺘِﻤﺎع ﺟﺎن ﺑﻮﺑﻴﺮو المختَصُّ ﺑﺪورِ اﻟﺪﻳﻦِ ﻓﻲ اﻟﻤُﺠﺘﻤَﻊِ اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ (...):

ﺗُﺮوَّج ﻋﻦ اﻹﺳﻼمِ واﻟﻤُﺴﻠِﻤﻴﻦ اﻷﻓﻜﺎرُ اﻟﻤﺒﺴَّﻄﺔ واﻟﻤﻮاﻋﻆُ اﻟﺴﻄﺤﻴَّﺔ الموجَّهة إﻟﻴﻬﻢ“ﺑﺘَﻜﺮارِ ﻧﺸﺮِﻫﺎ ﻋﺒﺮَ وﺳﺎﺋﻞِ اﻹﻋﻼمِ اﻟﺸﺎﻣﻠﺔِ وﻳﻌﻄﻲ اﻟﺘﻜﺮارُ لهذه اﻷﻓﻜﺎرِ ﺻﻔﺔَ اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻴَّﺔ. إنَّ اﻟﻈﺎﻫﺮةَ ﻫﺬه ﻣُﻘﻠﻘﺔٌ، وﺳﺒﺒُﻬﺎ اﻧﺘِﺸﺎرُ اﻟﺘﻌﺼُّﺐِ اﻟﺪﻳﻨﻲّ ﺑﻤُﺨﺘﻠﻒِ أﻟﻮاﻧِﻪ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ، وﺗﻌﺼُّﺐٍ آﺧﺮَ ﻳﺴﻌﻰ إﻟﻰ ﻓﺮضِ أﻓﻜﺎره وإﻟﻰ اﺳﺘِﺒﻌﺎدِ ﻛﻞِّ ﻣﺎ ﻳَﺨﺘﻠِﻒ ﻋﻨﻬﺎ من جهةٍ أخرى (...). وﻳﻘﺘﺼِﺮ اﻟﻌﺎﻟﻢُ اﻟﺤﺮ إﻟﻰ الغربال مزيَّناً ﺑﻜﺎﻓَّﺔ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ، ﻋﻠﻰ ﻏﺮارِ إﺳﻼمٍ ﻳﻮﺻَّﻒ ﻛﺄﻧَّﻪ ﻛَﻴﺎن ﻣﻮﺣَّﺪٌ ﺷﺮﻳﺮ”17.

وﻳﻘﺎرِنُ لاحِقاً ﺟﺎن ﺑﻮﺑﻴﺮو ﻓﻲ اﻟﻤﻘﺎل ذاﺗﻪ ﺑﻴﻦ معاداةِ الساميَّة اﻟﺴﺎﺋﺪةِ ﻓﻲ ﻗﻀﻴَّﺔ درﻳﻔﻮس وﺻﻌﻮدِ اﻹﺳﻼﻣﻮﻓﻮﺑﻴﺎ ﻓﻲ ﻣﻄﻠﻊِ اﻟﻘﺮنِ اﻟﺤﺎدي واﻟﻌﺸﺮﻳﻦ: “ﻫﺬه اﻷﻓﻜﺎرُ اﻟﻤﺒﺘذَﻟﺔُ ﻻ ﺗﺰالُ ﻣﻮﺟﻮدةً: ﻣﺎ ﺘﻐﻴَّﺮَ، هي اﻷﻗﻠﻴّﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﻮﺟَّﻪُ إﻟﻴﻬﺎ ﻫﺬه اﻷﻓﻜﺎرُ واﻟﺘﻲ ﺗﺘﺤﻮَّل إلى ﻜﺒﺶِ ﻔﺪاء. إنَّ ﻣﻜﺎﻓﺤﺔَ اﻟﺘﻌﺼُّﺐِ ﻻ ﺗُﻐﻨﻲ ﻋﻦ ﻣُﻜﺎﻓﺤﺔِ اﻟﻐﺒﺎءِ اﻟﻜَﺮﻳﻪ”. إن ﻋﺒﺎراتٍ ﻛﻬﺬه تُجفِلُ ﺻﺪورَﻧﺎ ﻓﻲ وﻗﺖٍ ﻟﻴﺲ ﻟﺪى ﺣُﻜّﺎﻣِﻨﺎ ﺳﻮاءًعلى شفاهِهم أو في ﻛﺘﺎﺑﺘِﻬﻢ إﻻّ ﻛﻠﻤﺔ “ﺣﺮب”.

عن الفرنسية، ترجمة راتب بستاني

1Arnold Van Gennerp, La mentalité indigène en Algérie, Mercure de France, sept/déc 1913.

2La réforme intellectuelle et morale, Paris, Michel Lévy Frères, 1871.

3La politique musulmane dans l’Afrique occidentale française, Paris, Emile Rose.

4Revue du Monde musulman, vol. XI, 1910.

5Revue du Monde Musulman, vol. XIX, juin 2012.

6La vie de Mohammed, Prophète d’Allah, H. Piazza & Cie; L’Orient vu l’Occident, Piazza & Geuthner.

7Edouard Sarrazin, Journal des Débats, 6 août 1919.

8Revue ProChoix, n°26-27, automne-hiver 2003

9Gordon Conway, Islamophobia : Fact Not Fiction, Runnymede Trust, 1997

10Libération, 23 novembre 2010.

11LCI, 24 octobre 2003.

12La nouvelle islamophobie, éditions La Découverte, 2004.

13L’Islam imaginaire. La construction médiatique de l’islamophobie en France, éditions La Découverte, 2005.

14Pour les musulmans,éditions La Découverte,2013.

15Nos mal-aimés, éditions Grasset, 2013

16Revue Golias, n°137, mars 2011.

17Le Monde, 6 octobre 2006.