تدخل روسيُّ في سوريا يعيدُ إلى الأذهانِ التدخُّلاتِ السوفييتيّة في الشرق الأوسط

حين تدخَّلت روسيا مباشرةً في سوريا في أيلول سبتمبر 2016، أعادَت الوصلَ مع تقليدٍ سوفييتي قديمٍ يعودُ إلى خمسينيّات القرنِ الماضي. إذ قامَ الاتِّحادُ السوفييتيَّ عدّة مرّاتٍ بإرسالِ وحداتِه العسكريّة إلى مصر وسوريا لإنقاذِ حُلفائه.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2015، قامت روسيا بنشرِ طائراتها الحربيّة في سوريا، ثم نشرَت بعد ذلك وحدات دفاعِها الجوِّيّ. في الواقع، ليس ذلك الحدثُ الذي اعتبرَته وسائلُ الأعلام مَهولاً، سوى حلقةٍ جديدة من تاريخٍ طويل من التواجدِ السوفييتي في الشرق الأوسط، الذي يعودُ إلى خمسينيّات القرنِ الماضي.

بعيدَ الحربِ العالميّة الثانية، كان الشرقُ الأوسطُ بالنسبة للاتِّحاد السوفياتيِّ منطقةً مهمَّشة. مع تطوُّرِ الحرب البارِدة، أضحى الاتِّحادُ السوفياتيُّ قوَّةً شاملة ذاتَ مصالحَ شامِلة. واعتبَر المسؤولون السوفييت آنذاك أنَّ استِقلال الدُّوَلِ في الشرقِ الأوسطِ يخدمُ مصالحَهم، إذ إنَّه قد يشوِّش على وصولِ الغربِ إلى مصادرِ الموادِّ الأوَّليَّة وخطوطِ نقلٍ تجاريَّة هامَّة.

فعملَت موسكو على أن يكونَ العالم العربيُّ مَجموعةَ من الدوَلِ المستقِلَّة وغيرِ المُنحازةِ سياسيَّاً، الخالِيةِ من أيِّ تواجدٍ عسكريٍّ أجنبيٍّ على أراضيها، وعلى علاقةٍ جيِّدةٍ سياسيّاً أو اقتصاديّاً مع الاتِّحاد السوفياتيِّ قدرَ الإمكان. في المقابل، لم يَكن لدى موسكو طموحٌ لِقيادة تلك الدول نحوَ نموذجٍ تنمَوِيٍّ اشتِراكيّ.

ساعدَت الظروفُ في التغلغل السوفياتيِّ في المنطقة. فالخمسينيّات كانت سنواتِ التخلُّص من الاستِعمار. بدأت الدول العربيّةُ بالبحث عن حُلفاءٍ لبناءِ اقتِصاد مُستقِلّ. بدا التشاركُ مع مصر وسوريا مُحمَلاً بالوعود، لأنَّ الدولَتين رفَضتا الالتِحاق بالمعسكَرات الموالِيَة للغرب وجهِدَتا في البحثِ عن حلفاء.

مُدرَّعاتٌ سوفييتيَّةٌ لمِصر

كانت مِصرُ في الخمسينات الدولةَ الأكثرَ تأثيراً. وكان زعيمها الشاب ذو الكاريزما جمال عبد الناصر يريدُ أن يجعلَ من مِصر قدوةَ العالم العربيَّ وبحاجةٍ إلى جيشٍ قويِّ. وكانت الدول الغربيَّة، لا سيَّما الولاياتُ المتَّحدة الأميركيَّة، تشترِطُ على الدولِ التي تريدُ شراءَ أسلحةٍ غربيَّةِ الصنعِ العضويَّةَ في حلفٍ عسكريٍّ مؤازرٍ للغربِ وتواجدَ مُستشارين عسكريّين. بدا ذلك غيرَ مقبولٍ لمِصرَ التي كانت قد تحرَّرت لتوِّها من الهيمَنةِ البريطانية. هكذا بدأت القاهرة، بحذر في البداية، بالالتِفاتِ نحوَ موسكو.

في سبتمبر/ أيلول 1955، وقَّعَ عبد الناصر على اتِّفاقِيَّةِ تعاونٍ عسكريِّ مع تشيكوسلوفاكيا. لم يكن ذلك سوى سِتاراً لاتِّفاقيَّة مع الاتَّحادِ السوفياتي، تمَّ الإجهارُ بها في 26 يوليو/ تمّوز 1956. حَصلت مصرُ بحكمٍ تلك الاتِّفاقِيَّة على الأسلحةِ الثقيلةِ التي طالما تمنّتها: طائراتٌ حربيَّة، دبَّابات، مركَّباتٌ مصفَّحة، مدافع، سفنٌ حربيّة وغوّاصات. أتى مُدرِّبون عسكريّون سوفييت ومن شرقِ أوروبا إلى بلدِ الأهرامات. وكان ذلك نجاحاُ كبيراً للاتِّحاد السوفياتي، الذي وجَدَ مَدخلاً إلى الشر ق الأوسط.

العصرُ الذهبيُّ ومسألةُ قناة السويس

إلّا أن تزويدَ مصر بالأسلحة لم يَكن كافياً بالنسبةِ للاتِّحاد السوفييتي الذي كان يريدُ أن يُثبتَ أنَّه حليفٌ سياسيٌّ للدُّوَل العربيَّة. أتت الفرصةُ السانِحة في عام 1956 ، حين أطلَقت اسرائيل والمملكةُ المتَّحِدة وفرنسا عمليَّةً عسكريَّةً ضدَّ مصر، ردّاً على تأميمِ قناةِ السويس.

“رفعَ المصريّون قَبضاتِ أيديهم وصرخوا شاكين: أيُّها الروس، أين طائراتُكم؟ أينَ أسلحتُكم؟ أينَ جنودُكم؟ لمَ لا يُنقِذ الاتِّحادُ السوفييتي مص؟ لم أفهم تلك المطالب آنذاك. لم أفهمْها إلا مؤخَّراً. وبعدَ أن عشتُ حربين أُخريين في مصر، لم تَعُدْ تفاجئُني تلك المطالبُ حين أستذكرُها. حاصلُ الأمرِ أن الأمرَ تغيَّرَ جذريّاً بالنسبة لنا، بعد ما سُمِّيَ بـ”إنذار بولغانين“وتَقهقُرِ المُعتدين. تقلدنا فجأةً على قِلادةَ المخلِّصين وأقربِ أصدقاءِ مصر” (مُقتطفٌ من مذكَّرات فلاديمير كريشنكو، ضابطُ استِخبارات سوفييتي).

وبالفعل، لن يفرِّطَ الاتِّحادُ السوفياتيُّ بهذه الفرصة. وباتَ يستعمِل كلَّ وسائلِه الديبلوماسيَّة والدعائيَّة للتهجُّمِ على القوى الغربية. إلّا الحسمَ أتى من التهديدِ بتدخُّل سوفييتيِّ واستِعمال القنبلةِ النوَوِيَّة للدفاعِ عن مصر. في نوفمبر/ تشرين الثاني 1956 ، أرسل رئيسُ حكومةِ الاتِّحاد السوفياتيِّ رسائلَ لرؤساءِ بريطانيا، وفرنسا واسرائيل، مُعبِّراً فيها عن عَزيمتِه على “استِخدام القوَّة للإجهازِ على المُعتَدين”.

قالَ عبد الناصر حينَها للسفير السوفياتي: “رأى الشعبُ المصريُّ بأمِّ العينِ مراراً وتكراراً من هو الصديقُ الحقُّ . خسرَت بريطانيا وفرنسا الشرقَ الأوسطَ إلى الأبد. لن ينسى العربُ هذه الأيَّام وسيتناولون ذكراها من جيلٍ إلى جيل”. وكذلك كانت للمساعدة السوفييتيّة في تشييدِ سدِّ أسوان أهميَّةٌ كبيرةٌ في نظرِ المصريين. ولا زال هذا السدُّ يشكِّل حتى اليوم مصدرَ فخرٍ للبلدِ ويستمرُّ في تأمينِ الماءِ والكهرباء للسكّان. كان الاتِّحادُ السوفييتيُّ بالنسبةِ للمصريّين في الستينياتِ دولةً كبيرة أَوْقفَت “الاعتِداء الثلاثي”، وزوَّدت الجيشَ المصريَّ بالأسلحةِ وقدَّمت مساعدةً مكثَّفةً لتحديثِ الاقتِصاد.

البِداياتُ في سوريا

شجَّعت التجربةُ المصريَّةُ دولاً أخرى في المنطقةِ لتطويرِ علاقاتها مع الاتِّحاد السوفياتي. في شهر أغسطس/ آب 1957، وقَّعت سوريا اتِّفاقيَّةَ تعاونٍ اقتِصاديٍّ وعسكريٍّ مع الاتِّحاد السوفياتي. أتى ردُّ فعلِ الغرب عنيفاً حينَها، وبدأ الإعلامُ الغربيُّ بالحديث عن الانتِصار الوشيكِ للشيوعيَّة في دمشق. تقدَّمت القوّاتُ التركِيَّة نحوَ الحدود السوريَّة، في حين طلبَ الأميركيّون من بَوارجِ أسطولِهم السادسِ بالتَّمرْكُزِ في شرقِ المتوسط.

بالمقابل، وجَّه الاتِّحاد السوفياتيِّ مجموعةَ برقِيّات دبلوماسيّة حادَّةِ اللهجة، تَعِدُ فيها أنَّ سوريا ستحصلُ على الدعمِ اللازمِ إنْ وقعَت ضحيَّةَ اعتِداء. ولم تتوقَّف موسكو عندَ التصريحات وحسب. ففي سبتمبر/ أيلول، توقَّفت بوارجُ حربيَّةٌ سوفييتيّة في مرفَئ اللاذقيّة. بموازاةِ ذلك، قامَ الجيشُ الأحمرُ بمناوَراتٍ واسعةِ النطاقِ في القوقاز والبحرِ الأسود. ممّا دفعَ القوى الغربيَّةَ على التخلّي عن فكرةِ التدخُّلِ المباشرِ في شؤونِ سوريا الداخليَّة.

حربُ الأيّام السِّتَّة

تلقَّت البلدانُ العربيَّةُ في الستينيّات مساعدات سوفييتية كبيرةً لتقويةِ قدراتِها العسكريّة. في الوقتِ نفسه، أدّى التوتُّرً المُتَصاعِد مع اسرائيل إلى حربٍ جديدةٍ بدأت في 5 حزيران1967.

أسفرَت الحربُ الثالثة العربية- اسرائيليّة عن هزيمةٍ مُهينةٍ للجيوشِ العربيّة، ناهيكَ عن خسارةٍ لأجزاءَ شاسعةٍ من الأراضي السياديّة. وعلى الرغم من قرارٍ لمجلسِ الأمنِ الدوليِّ يأمرُ بوقفِ فوريٍّ للمعارِك، واصلَت القوّاتُ الإسرائيليَّةُ تقدُّمَها، واحتلَّت في الجنوبِ شبهَ جزيرةِ سيناء حتّى قناةِ السويس، وفي الشمالِ الجولان، مهدِّدةً بذلك دمشق، وفي الشرق كلَّ الضفَّةٍ الغربيّة.

على الرغم من ذلك، تدخَّل الاتِّحاد السوفييتي لتفادي انهيارِ الدولِ العربيِّةِ السياسيِّ والاستراتيجيّ. في تاريخ 10 حزيران، قطعَ الاتِّحادُ السوفييتي علاقاتِه مع اسرائيل وهدَّدَ بفرضِ عقوبات “مع يَنتُج عن ذلك من تبِعات”. ونبَّهَ الولاياتِ المتَّحِدة أنّه لن يتورّعَ عن أخذِ تدابيرَ عسكريّة إن واصلَت اسرائيل المعارك. في اليوم نفسِه، أوقفَت اسرائيلَ إطلاقَ النار على كلِّ الجبهات.

أتَتْ خسارةُ العربِ في هذه الحربِ نتيجة الموقِفِ المُتَعالي الذي وقفَه الزعماءُ العرب تجاهَ العدوّ، وسوءِ تقييمٍ لقدراتِ جيوشِهم. ممّا أدّى مثلاً بالجيشِ المصريِّ إلى فقدانِ كلِّ قدراتِه الجويّة تقريباً في ساعاتِ الحرب الأولى، بسببِ تهوُّر الضبَّاط المصريّين. مع ذلك، اتَّهمَ الرأيُ العام العربي، ومعه العديدُ من المسؤولين السياسيّين، الاتِّحادَ السوفييتي بتزويدِ الجيوشِ العربيّة بمَعدّات باتَت قديمةً وبعدمِ مدِّ يدِ العونِ لأصدقائه العرب. “يعتمدُ أسلوبُ تدريبِ فرقِ المدرَّعاتِ على تبيانِ مختلَف العملِيّات (”افعلْ ما أَفعلُه أنا") دونَ أيِّ شرحِ للمبادئ أو للإجراءات. وكان الضبّاط يعتَمِدون العقابَ الجسديَّ في تدريبِ المجنَّدين. ورغمَ أنَّ اللواءَ 21 للمصفَّحات كانَ مكوَّناَ من جنودٍ مخضرَمين، إلّا أنَّ وقوعَ الحوادثِ كانَ اعتياديّاً. خلالَ التدريباتِ في حقل الرماية، غالباً ما كان طاقمُ الدبَابة يسيءُ توجيهَ المدفعيّة ويضعُ الضبّاطَ المراقبين في خَط ِّالمرمى. كما أنَّ سائقي الدبّابات غالباً ما كانوا يُسيئون ربطَ خَوذاتهم ممّا يؤدّي إلى جرحِهم في الرأس. وقد اشتِكى مرَّةً القائدُ سكليارنكو أنَّ طلابَه أعَطوا إحداثِيّات الرَّمْيِ المُتعلِّقة بموقعِ قيادتِه، بدلاً من إحداثيَّات الرَّمْيِ المتعلِّقة بالهدفِ (مُقتَطفٌ من مذكرات ف. ب. كليمنتوف، المُترجِم العسكريّ السابق في اللواء 21 للمصفَّحات). أعربَ القادةُ السوفييت بوضوحٍ، خلالَ حربِ 1967 أنَّهم لن يسمحوا بانهِيارِ الأنظِمةِ العربيَّةِ الصديقة. وسرعانَ ما استَعادت الجيوشُ المصريَّة والسوريّة قدراتِها العسكريّة بعد أن تمَّ تزويدُها بكثافةٍ بالأسلِحة وإرسالِ عددٍ أكبرَ من المُستشارين.

وقد صرَّحَ عبد الناصرِ في نيسان 1970: “بفضلِ المساعدةِ السوفييتية، تَمكَّنّا من استِعادةِ القوَّةِ الدفاعيَّةِ الكاملةِ للجمهوريّة العربيّة الموحَّدة، وأصبحنا اليومَ قادرين على القيامِ بعمليّاتٍ عسكريَّةٍ واسعةٍ لمواجهةِ العدوانِ الاسرائيلي”.

ففي آذار 1969، كان المصريّون قد باشروا ما سُمِّيَ بـ“حرب الاستِنزاف” ضدَّ اسرائيل، على شكلِ تبادلِ إطلاقِ نار، معارك جوية وعمليات كوماندوس. إلا أنَّ اسرائيل سرعان ما تمكَّنت من الإمساكِ بزمام الموقفِ بفضلِ تفوُّقِ سلاحِها الجويِّ، وحتّى أنَّ المدنَ المتواجِدةَ في داخلِ الأراضي المصريّةِ تعرّضت لغاراتٍ جوِّيَّة.

“في عام 1969، خسرَ سلاحُ الجوِّ المصريِّ 68 طائرةً حربيّة، مقابلَ 34 فقط لإسرائيل. وفي حين أنَّ المبارَزاتِ الجويَّةَ الثنائيَّةَ أو بين أسرابٍ صغيرةٍ من الطائرات كانت تؤدّي إلى خسائرَ تقريباً مُتوازيةٍ لدى الفريقين، إلّا أنَّ سلاحَ الجوِّ الإسرائيلي كانَ أقوى في المعاركِ التي تتطلَّب أسراباً أكبرَ، وذلك بسبب جودةِ تنظيمِه التكتيكي ونوعيّةِ تنسيقِه. ممّا أمَّنَ له التفوُّقَ الجوِّيّ” (مُقتطفٌ من مذكَّرات ف. إلخانينوف، ضابطٌ في سلاحِ الجوّ السوفييتي خدمَ في مصر بين 1969-1970).

نتجَ عن ذلك أن طلبَ عبدُ الناصر من الاتِّحاد السوفييتيّ، وذلك في ديسمبر/ كانون الأول 1969، أن يزوِّدَه بمنظومةٍ دفاعيَّة مضادَّة للطيران. فما كان من موسكو إلّا أن باشرَت بـ “عمليّة قوقاز”، أرسلَت بحكمِها في فبراير/ شباط 1970، 18 بطاريَّة صواريخ س. أ. 3 (SA 3)- وهي معدَّات كانت تشكِّل في وقتِها منظومةَ الصواريخ الأكثرَ تقدُّماً في الاتِّحاد السوفييتي (ولم يكن أيّ بلدٍ من البلدانِ الصديقة قد حصلَ عليها، ولا حتّى فيتنام الشيوعيّة)-، 70 طائرة ميغ 21MF (وهي نسخةٌ محدَّثة عن ميغ 21، تستطيعُ حملَ 4 صواريخ جوّ- جوّ بدلاً من اثنين، ومُجهَّزة بمدفع مُزدوج 30مم) و10 طائرات ميغ 21 R، والمكرَّسّة لمهامِّ الاستِطلاع الجوي. كانت تلك الطائراتُ رسميّاً مُلكيّة الحكومة المصريّة، وتحمِلُ شاراتِ مصريَّة، ولكنَّ ملّاحيها كانوا كلُّهم طيّارون سوفييت مُتمرِّسين. وصلَ عددُ المستشارين السوفييت في مصر الـ 20000. إلّا أنَّ عمليّة القوقاز لم تتمَّ دونَ خسائر. إذ إنَّ الإسرائيليين أسقَطوا عدداً من الطائرات التي كان يقودُها السوفييت خلالَ المعارك. وبلغَ عددُ القتلى 40 ضحيّة، من ضمنِهم أولئك الذي لَقوا حتفَهم في الحوادث.

كانت فاعليَّةُ الوحدات السوفييتية للدفاع الجوي من القوَّة بمكانٍ أنّها اسقطَت ما يقارب 30 طائرة اسرائيليّة وأرغمت الإسرائيليّين أن يضعوا حدّاً لهجوماتِهم الجويّة وأن يقبَلوا أخيراً بوقفِ إطلاق النار.

توجُّهُ مصرَ نحوَ الغرب

أنقذ الدعم السوفييتي نظامَ عبد الناصر من ثلاثِ تجاربَ كادَت تودي به، في 1956، 1967، و1970. وطالما أنَّ موسكو كانَت تدعمُ العربَ ضدَّ الغربِ واسرائيل، كانَ التأثير السوفييتي في المنطقة قوِيّاً. إلا أنَّ أنورَ السادات، الذي خلفَ عبد الناصر، تعاملَ بشكلٍ مختلِفٍ مع الاتِّحاد السوفييتي. في نظرِ السادات، تحتاجُ مصر إلى أكبرِ قدرٍ ممكنٍ من الأسلحة السوفييتية، إلا أنَّها يجب أن تَعتمدَ على المدى الطويلَ على الولايات المتَّحدة الأميركية، ليس فقط على أملِ الحصول على دعمٍ اقتصاديٍّ سخيٍّ، إنما أيضاً على أمل الحصولِ على مساعدةٍ لاستِعادة الأراضي التي وقعت تحتَ السيطرة الاسرائيليّة، أي شبهِ جزيرة سيناء.

“كانت المفاوضاتُ حولَ صفقاتِ أسلحة حديثة مستمرَّة. نادراً ما كانَ يمرُّ حوارٌ بين سفيرِنا والرئيسِ دون نقاشٍ حول أسلحةِ أكثرَ حداثة. لا بل غالباً ما كان الرئيسُ يردُّ التحيَّةَ التي يُلقيها عليهِ السفير(”صباحُ الخير، سيِّدي الرئيس“) بسؤال:”أينَ الأسلحةُ، يا سَعادة السفير؟" (مُقتطف من مذكَّرات فلاديمير كيربتشنكو، ضابطُ استِخبارات سوفييتي).

تنبَّه القادةُ الروس لمدى تغيُّر موقفِ القاهرة، وبدأت وتيرةُ صفقات الأسلحة تنخفِض. ممّا شجَّع السادات على القطعِ نهائيّاً علاقاتِه مع موسكو. وفي 7 تموز 1972، طلبَ رحيلَ 15000 مستَشارٍ عسكري سوفييتي من مصر.

“كان جزءٌ من الرأي العام العربيّ متحمِّساً. إلا أنَّ ذلك الحماسَ لم يَدم طويلاً. بعد ذلك بأسبوعين، بدأت تصلُ رسائلُ من الجيش مفادُها أنَّ الخبراء العرب لا يستطيعون تشغيلَ مختلف المعدَّات الحربيّة، بما فيها الطائرات. وتدهوَرت كفاءة السلطات المصرية كثيراً. في ظرفٍ كهذا، وجدَت السلطاتُ المصريَّة نفسَها مضطرَّةً للّجوءِ إلينا طلباً للمساعدة” (مُقتطف من مذكرات أ. ف. إينا، عضوٌ في مجموعةِ خبراء سوفييت في الطيران).

إلا أنَّ موسكو كانت لا تزالُ تأملُ متابعةَ التعاونِ مع القاهرة واستمرَّ بتقديمِ الدعمِ العسكريِّ والاقتِصادي. كانت للمرافئ أهمِّيّتها، كي يتحرَّك الأسطولُ السوفييتي في البحرِ المتوسِّط، لتعديلِ موازينِ القوى البحريَّة مع الأسطولِ السادسِ الأميركيِّ وحمايةِ الاتِّحادِ السوفييتي من الهجمات الآتِيّة من الجنوب.

الاتِّحاد السوفييتي يُنقذُ العرب في “يوم الدين” (“حربُ تشرين”)

في 6 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1973، ضاقَ صبرُ العرب وهم ينتظرون عودةَ الأراضي المحتلّة بالأساليبِ السياسي، فدخلوا في حربٍ جديدة مع اسرائيل أطلق عليها اسمُ حربٍ “يوم كيبور”1 . كانوا يأمَلون الانتِصار على الجيش الإسرائيلي بهجوم مباغتٍ يعيدُ لهم هيبتَهم. إلا أنَّ الحربَ آلَت بهم إلى هزيمةٍ أخرى، واضطرَّ الاتِّحادُ السوفييتي مرَّة أخرى للتدخُّل لإنقاذِ الجيوش المصريّةِ والسوريّةِ من الانهِيارِ الكامل.

في بدايةِ الحرب، دحَرَ الإسرائيليّون الهجومَ السوريّ على هضبةِ الجولان وقاموا بهجومٍ مضادٍّ هدَّدوا فيه دمشق. إلا أنّهم لم يتجرّؤوا على التغوُّلَ أبعد في الأراضي السوريّة، لأنَّ نظامَ الدفاع الذي تمَّ نشره بمساعدةٍ سوفييتية منعَهم من السيطرةِ على الجوّ. وأُرغِم الإسرائيليّون على وقفِ غاراتِهم على دمشق، بسببِ الخسائر الملموسِة التي تكبدّوها في طيرانهم.

لإنقاذ حلفائها العرب، قامت موسكو بمدِّ جسرٍ جوِّيٍّ لتزويد ِمصر وسوريا بالأسلحة. لم يساهمْ الجيش الروسيُّ هذه المرّةَ مباشرةً بالمعاركِ على الجبهةِ الأولى. فيما عدا التزويدِ المعدّات الحربيّة الجديدة، كان الخبراءُ الروس يقومون بتصليحِ المراكبِ المصابَة، وبتشغيلٍ مُباشرٍ لأنظمةِ الدفاع الجوِّيّ. تجمّع الأسطول السوفيتي في شرق البحر الأبيض المتوسِّط. كانت البوارِج السوفييتية تؤمِّن حمايةً لحمولاتِ السلاح البحريّة، ولكنَّها خلقَت ضغطاً إضافيّاً على اسرائيل.

“حصلَت مصر على مساعدةٍ طارئة متنَوِّعةِ (يتذكَّر سكّانُ القاهرة حين أُغلِقَ مطارُ القاهرة، وكانَ يُسمعُ كلَّ نصفِ ساعةٍ هديرُ طائرةِ الحمولةِ الثقيلةِ السوفييتيّة انطونوف 22)؛ كانت تتمُّ استِشارةُ الرئيس باستمرارٍ بخصوصِ المُستحدَثات السياسيّة خارجَ إطارِ المعارك. وحين طلبَ الرئيسُ تنظيمَ وقفٍ لإطلاق النار على عُجالة، استَطاع الاتِّحاد السوفييتي تنظيمَه وفرضَه مستعمِلاً لذلك كلَّ قدراتِه وسلطتِه، وذلك رغمَ أنَّ الشروطَ كانت أسوأ من تلك التي كانت متوفِّرة في السابق” (مُقتطف من مذكِّرات السفير السوفييتي في مصر فلاديمير فينوغراد).

هكذا، وبفضل الجهود السوفييتية، تبنّى مجلسُ الأمنِ الدوليِّ قراراً يطلبُ فيه الوقفَ الفوريَّ للقتال. إلا أنَّ الوحداتِ الاسرائيليّة التي كانت قد اجتازت قناةَ السويس استمرّت بالتقدُّم وحاصرَت إحدى وحداتِ الجيش المصري. وعلى ذلك، ردَّ الاتِّحادُ السوفييتي وبقرارٍ أحاديٍّ أن يضعَ سبعة ألويَةٍ من سلاحِ الجوِّ في حالةِ تأهُّبٍ قُصوى. كان ذلكَ رسالةً موجّهةً للولايات المتَّحدةِ واسرائيل أنَّ الاتِّحادَ السوفييتي لن يسمحَ بهزيمة مصر. فأوقَفتُ اسرائيل عمليَّاتها العسكريّة.

للمرّة أخرى عام 1973، ساعدَ الاتِّحاد السوفييتي العرب على تفادي هزيمةٍ كاملة. لم تتمكّن رغم ذلك من الحدّ من التغيّر في السياسة الخارجيّة التي كان الرئيس السادات قد باشر بها. في آذار 1976، أعلن السادات فضَّ اتِّفاق الصداقة والتعاونِ المصري – السوفييتي. في أكتوبر / تشرين 1977، تمَّ تعليقُ دفعِ ديون الحرب لمدَّة عشرِ سنوات. كما تمَّ تجميد العلاقات مع الاتِّحاد السوفييتي. وحتّى أنّ أنور السادات أرسل في 1981 دعماً للمجاهدين الأفغان لمحاربة الجيش الأحمر.

عمليَّةُ “قوقاز 2” في سوريا

في ظلِّ تدهْوُر العلاقات المصريّة – السوفييتيّة في سبعينيّات القرن الماضي، اكتسبَت العلاقات مع سوريا أهمِّيَّة مُتزايِدة.

وهكذا، حين دمّر الاسرائيليّون منظومةَ الدفاع الجوِّيِّ في سهلِ البقاع عام 1982، نشرَ الاتِّحاد السوفييتي في سوريا منظومةَ صواريخ مضادَّة للطيران طويلةَ المدى س.أ.5 (SA 5) وعدَّةَ آلاف عنصرٍ من الجيش السوفييتي.

“أكثرَ من مرّة، رأينا بأمِّ العين كيف كانت الطائرات الآتِيَة من اسرائيل تقترب من سوريا أو من البقاع، وتَخطُّ في السماء سِكَكاً بيضاء تنتَهي بعِقَدٍ تُشيرُ بوضوحِ إلى أنَّها عادت أدراجَها. وكان ذلك يحدُثُ في كلِّ مرّةٍ يتمُّ فيها توجيهُ الصواريخِ باتِّجاهِ الأهداف التي تَقترِب” ( مُقتطفٌ من مذكَّرات المقدَّم س. ي. كاشكو).

فقدَ الاسرائيليّون السيطرةَ على السماء السورية. بعد ذلك بسنوات، حين خفَّت حدَّة التوتُّر، تمّ ترحيلُ معظمِ المعدّات والعناصر العسكريّة السوفييتية المتواجدةِ في سوريا.

في الفترة اللاحِقة، لم تخضعْ العلاقات السوفييتية – السوريّة، ولا العلاقاتُ السوفييتية - العربيّة عُموماً لتأثيرِ الأحداثِ الإقليميّة بقدرِ ما خضعَت لما كان يَحدثُ في الاتِّحادِ السوفييتي نفسِه، مع بدايَةِ الحركة التصحيحية- البيريسترويكا- في منتَصَفِ الثمانينيّات. مع ضعفِ الاقتِصاد السوفييتي وتحسُّن العلاقاتِ مع الولايات المتّحدة، كانت موسكو مهتمَّة بشؤونِها الداخليّة ولم ترَ لنفسِها مصلحةً بالاهتِمام المُكلِف مادِّيّاً في الشرق الأوسط. انخفضَ الدعمُ العسكريُّ والسياسيُّ بشكلٍ سريع. أمّا الدولُ العربيّة، التي اعتادَت الدعمَ شبهَ المجّانِيّ، فأبدَت امتِعاضَها تجاهَ القراءةَ السوفييتيَّة الجديدةِ للوضع والتي تَعتمِد منطقَ السوق. وهكذا، ضعفَت العلاقاتُ لتختَفي نظريّاً مع بدايةِ التسعينيات.

1يوم “كيبور” ( يومُ التضحيةِ أو العفوِ الأكبر) هو يومٌ مقدَّس في الديانةِ اليهوديّة، يصادفُ في سبتمبر/ أيلول أو أكتوبر/ تشرين من كلِّ حسبَ التقويم. تتخلّلُه طقوسُ صلاةٍ وصيامٍ قد تصلُ حدَّ الامتناع عن الكلام.