تونس: “الوِحدة ُ الوطنيّة” في وجهِ الديمقراطيّة

ّضرورةُ سلْطَويّة واستقرارٌ امني

تلقَّى فوزُ منظَّماتٍ من المجتمعِ المدنيِّ التونسي بجائزةِ نوبل ترحيباً عالمياً، إلا أنَّ ذلكَ لا يُخفي حدودَ النموذجِ السياسي الذي يتمُّ التأسيس له. إذ إن في رفضِ أيِّ خلافٍ في الرأي، والتشهير بكلِّ من ينتقِدُ مشاريعَ القوانين المطروحة، ما يثيرُ القلقُ فيما يتعلَّقُ في المستقبل.

في بدايةِ شهر تشرين الأوَّل/ أكتوبر، حازَت على جائزةِ نوبل للسلام أربعُ مؤسّسات من المجتمَع المدنيّ التونسي، وهي: الاتِّحاد التونسيّ العامّ للشغل، الاتِّحاد التونسيّ للتجارة والصناعة والحِرَف اليدويّة، الرابِطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الانسان، والهيأة الوطنية للمحامين. إذ توصَّلت هذه المجموعة المعروفَة تحت اسمِ الرباعية، وغيرُ المعروفةِ خارجَ تونس إلى حلٍّ سلميٍّ لأكبرَ أزمةٍ سياسيّة عرفَتها تونس منذ بداية الثورة عام 2011. كانت مُسبِّبات تلكَ الأزمة عديدةً1 ، إلّا أن خلاصةَ الرباعية كانت واضحة: لقد تمكَّن التفاوضُ حولَ آليَّةٍ لحوارٍ احتِوائي من حمايةِ المرحلةِ الانتِقاليّة التونسيّة في فترةٍ حرجة. وتمكَّن النظامُ التونسي من التماسُك، بدلاً من الانسياقِ للفوضى كما في ليبيا، أو لانقلابٍ كما في مصر، فحافظَ على جمعيَّتِه التأسيسيّة المنتخَبة، وتوصَّل إلى اسم توافُقي حياديّ للرئيس الأوّل المؤقَّت (ليحلَّ مكانَ اسلاميٍّ في النهضة)، وصدَّق على الدستور، وأنشأ جمعيَّة مستقلّة لتنظيمِ انتخابات 2014 والإشراف عليها. وباتَت تونس الديمقراطيّة الحقيقيّة الأولى في العالم العربي، بفضلِ تسوياتٍ توافقيّة أشرفَت عليها الرُّباعيّة.

إلّا أنَّ هذه الروايةَ تتجاهلُ تفاعُلات ورهانات تناستَها وسائلُ الإعلام التي تداوَلت جائزة نوبل، والتي تركِّز عليه هذه الورقة. فتونس تواجِه رهانات كبيرة، لاسيَّما شبحَ أزمةٍ اقتصاديّة وشيكة، وتهديدات متكرِّرة على أمنِها القومي، إضافةً إلى التداعيات المُخِلّة بالاستقرار الآتِيّة من الجارة الليبية. ويَعتمِد مصير تونس، -أثُبِّتَت فيها الديمقراطية أم وقعَت البلادُ في ثورةٍ مضادَّة مستبِدّة على إثر موجة إرهاب، على قدرة حُكّامِها على طرحِ إصلاحاتٍ مدفوعةٍ بحوارٍ احتوائي، مدعومٍ من قِبَل شركائها الدوليّين.

وقد أتَت جائزة نوبل مكافأةً ليس للرباعية وحسب، بل أيضاً لكلِّ التونسيين الذين عملوا على حمايَة المرحلةِ الانتقاليّة، بالحفاظِ على التعدُّديّة. ولأسلوبِ الحوار الاحتوائي هذا، الذي قادَ خُطى الرباعية، سوابق مِفصليّة في تاريخ تونس الحديث. طوال العقد 2000، تمكَّنت أحزابُ المعارضة، الإسلاميّة منها والعلمانيّة، من تجاوزِ الخلافات الإيديولوجيّة والاتفاقِ على مبادئ مشتركةٍ لتعريفٍ تونس ديمقراطيّة جديدة. وقد توصَّلت عام 2003 في أيكس آن بروفانس Aix-en-Provence إلى صياغةِ وثيقةٍ سُمِّيَت “نداء تونس”، تمَّ الاتِّفاقُ فيها على دورِ الانتخابات، ومكانةِ القِيَمِ العربيّة-الإسلاميّة في المجتمع، وعلى حقوقِ المرأة. وقد أعلنَ الفاعلون عينُهم، بدعمٍ من أحزابٍ أخرى، عن تشكيلِ حركة 18 تشرين الأوَّل/ أكتوبر. وكانت لقاءاتُ هذه الحركة دوريّة، هدفُها تحديدُ آليّةِ التنفيذِ لتلكَ المبادئ في حالِ استحداثِ انتقالٍ ديمقراطي مستقبَلي. فبخَوْضِهم في حوارٍ احتوائيٍّ ومُستدام، وضعَ المساهِمون في حركة 18 تشرين/ أكتوبر أسُساً متينةً للانتقال التونسي.

“الوحدةُ الوطنيّةُ”كضرورةٌ سُلطَوِيّة

على أنَّ الزعماء التونسيّين وحلفاؤهم الغربيّون آثروا، وباتَ ذلك تقليداً، دعمَ الاستقرارِ الأمنيِّ على الحوار الديمقراطي.

فحظِيَ زين العابدين بن علي، الذي تولّى السلطةَ بين 1987 و 2011، بدعمٍ ملحوظٍ من فرنسا، والولايات المتحدة، ودُوَلٍ غربيّةٍ أخرى رأتْ فيه حليفاً في حربِها ضدّ الإرهاب. وقد تمكَّن بن علي فعلاً من لعبِ ورقةِ الاستقرارِ لدى التونسيين والأوروبيين على حدٍّ سواء، مُظهِراً دولتَه البوليسية “الحديثة” والمستقرَّة على أنَّها حصنٌ ضروريٌّ لمواجهةِ التطرُّف الدينيِّ والفوضى. في الوقتِ نفسه، أسَّست وحشيّةُ نظامِ بن علي لسيرورةِ الأصولية في تونس، بما في ذلك أولئك الذين يذهبون للقتال في العراق وسوريا. وأدّى ترويجُ بن علي لفكرةِ سلطويّة “الاستقرار”، إلى تقويضِ فكرةِ “الوحدة الوطنية” إلى مُجرَّد شعار تجاري. ولطالما أشادَ بشعبِه الذي توحَّد خلفَ صوبٍ. سلطتِه المستبِدة، في وقتٍ كان يقمعُ فيه المعارضَة السياسيّة من كلِّ2 . وطبَّقَ بن علي سياسةَ “فرِّقْ تسُد”، كي يُثبِط عزيمةَ المعارضين السياسيين العلمانيين والإسلاميين ويَنحيهم عن التحاوُر.

لطالما تمَّ الخلطُ – وأحياناً المزجُ وعن سابق نيّة – بين الوحدةِ والانتِظام في تونس، ولا زالَ الأمر كذلك. فعلى إثر انفجارَيْ الباردو وسوس في 2015، صدّقَ البرلمان التونسي، بأغلبية ساحِقة في 24 تموز/ يوليو 20153، على مشروعِ قرارٍ لمكافحةِ الإرهاب يُكبِّلٍ الحريّات بشكلٍ واضح. وفيما عدا عشرةَ نوّابٍ امتنَعوا عن الإدلاءِ بصوتِهم، لم يصوِّت نائبٌ واحدٌ ضدَّ القانونِ الذي باتَ مرادفَ “الباتريوت آكت” Patriot Act الأميركي. وتعرّضَ النواب الممْتنِعون لأشدِّ الانتِقادات والإهانات في وسائلِ الإعلام التي تحنُّ للسلطة القديمة. لا بل أنَّ بعضَ الزعماء المرتبطين بالحزب الحاكم، نداء تونس، طالبوا بمحاكمةِ أولئكَ النوّاب بتهمةِ الإساءة للوطن والعلاقات المحتمَلة مع جماعات إرهابيّة.

4 فيما بعد، تعرّض للتشهيرِ مشروعُ قانون “التصالح”، وغايته العفوُ عن رجال الأعمال المتورِّطين في مَلَّفات الفساد في حقبة بن علي. وتباهَت الرئاسة التي اقترحَت مشروعَ القانون بأنه يحظى بدعمِ قوى نداءِ تونس وحلفائه في أوساطِ الإعلام والأعمال. ولم تُبدِ النهضة – التي وصلَت في المرتبةِ الثانية في الانتخابات النيابية- معارضتَها العلنيّة لهذا المشروع؛ عِوضاً عن ذلك، لجأت إلى استراتيجيّة توافُقِيّة لحماية نفسها، وأعلَنت أنَّ الوحدة تعلو على الانقسامات السياسية في تلك الفترة الحساسة. وقد كانَ ذلك الموقفُ أساسَ تسوياتِه منذُ عام 2013، بناءً على نصائحَ الرباعيّة، في وقتٍ كانَت فيه النهضة على رأسِ الحلف الثلاثي في الجمعية التأسيسية.

وغالباً ما يتمُّ اللجوء، وبشكلٍ مريب، إلى مفهومَيْ “التوافق” و “الوحدة”، حين يأتي الأمرُ إلى إسكاتِ الأصوات المناهِضة بتهمةِ زَعْزعةِ البلاد. هي هذا الظرف الجديد، تجدُ منظَّماتُ معروفةٌ في المجتمع المدني صعوبةً في إسماعِ صوتِها، هي التي كانت قد نجحَت في الضغطِ على حكومةِ الترويكا التي كانَ يديرُها الإسلاميّون بين 2012 و2013. وقد عبَّرت منظَّمتان من الأربع الحائزات على جائزة نوبل عن معارضتِهما لمشروعِ قانون مكافحةِ الإرهاب في تموز/ يوليو 2015، دون نتيجة ( وهما الاتحاد التونسي العام للشغل والرابِطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الانسان).

مصالَحةٌ وطنيّةٌ أم عدالةٌ انتقاليّة

وهكذا، تصبح معارضةُ مشروعِ قانون المصالحة الوطنية كمن يحرثُ في بحر، لقلّة الدعمِ الذي تحظى به في برلمان تونسي يدعمُ المشروع بالأغلبية. تأجَّل التصويتُ على المشروع إلى السنة المقبلة. يقترنُ مصيرُه بقرارِ الاتِّحاد التونسي العام للشغل، المحرِّك الأساسيِّ للحوارِ الوطنيّ منذُ 2013، والقوّة المعارِضةِ الأقوى في البلاد. ورغمَ أن التظاهرةَ الكبرى ضدَّ هذا القانون انطلَقت من المكتبِ الوطني للاتحاد التونسي العام للشغل، إلا أنَّ قياديّي النقابة لم يتّخِذوا بعدَ موقِفاً نهائياً ضدّ مشروعِ قانون المصالَحة الوطنية. وإن تمَّت الموافقة على مشروعِ القانون، سيكونُ ذلك نكسةً لسيرورةِ العدالةِ الانتقاليّة، ويعقِّدُ آليّةَ النهوض في وجهِ الإفلاتِ من العقاب، ويحولُ دون ترسيخِ إصلاحاتٍ هيكليّة هامة5 .

وقد عقَّد الخوفُ وخطرُ الإرهاب جهودَ العديد من الفاعلين المعنيّين بالحفاظِ على المكتَسَبات الديمقراطية للسيرورة الثورية. لقد تمَّ تأجيلُ تطوُّراتٍ تشريعيّة ومؤسساتيّة هامّة، وبعضُها إلى أجلٍ غيرِ مسمّى بسببِ التركيز على مسألةِ الإرهاب، كما هو حالُ قانونِ العقوبات الذي بات تعديلُه ضروريّاً، وكذلك أمرُ قوانينِ الاستثمار وقوى الشرطة والعدالة، وهما مجالان تتَّسِمُ سمعتُهما بالفسادِ وقلّةِ الفعاليّة.

بمقدور كلِّ ورشةٍ من تلكَ الورشاتِ أن تساعدَ تونس في انتقالِها الديمقراطي وفي محاربةِ الإرهاب بشكلٍ أكثرَ فعاليّة. لتحقيقِ هذه الأهداف، من الضروريِّ إنشاءُ محكمةٍ دستوريّةٍ وإعادةِ كتابةِ جزءٍ من التشريعات التي تمَّت صياغتُها إبّانَ حكم بن علي لتتماشى مع الدستور الجديد. فمناهضةُ التعذيب ومكافحةُ الإفلات من العقاب في جهازِ قوى الأمنِ التونسيّة هذا، بالإضافةِ إلى مكافحةِ الفسادِ لدى موظَّفي الدولة، هي بمثابةِ مراحلَ في سبيلِ إعادةِ الثقةِ بينَ المواطِنين والسلطة وتثبيتِ الأمن.

في ضرورةِ التعبيرِ عن الخلافات

من غيرِ الممكنِ القيامُ بتلك الإصلاحاتِ دون التعبيرِ عن الخلافات، ودونَ مفاوضاتٍ ونوعٍ من الاستقطابِ السياسي، وذلك موضوعٌ لم تُثِره رُدّودُ الفعل على منحِ جائزة نوبل للرباعيّة. فلا مجالَ للتغاضي عن الحيِّز الاستقطابي لعملِ الرباعية عام 2013، لمصلحةِ المنطق التوافُقي، كما هو حالُ العديدِ من الفاعلين والمراقبين. إذ إنَّ من واجبِ المواطنين الملتَزِمين، والمنظَّمات المدنيّة، والقادة السياسيّين، قبولَ لا بل تشجيعَ التعبيرِ السلمي عن الخلافات. فالحوارُ كجزءٍ من التعدُّدِيّة والاحترام هو حجرُ الأساس في الديمقراطية، وجزءٌ لا يتجزّأ من السيرورةِ الوطنيّة التي ساهمَ في تنظيمِها فائزو جائزة نوبل – الرباعيّة التونسية-.

إلّا أنّه تمَّ تجييرُ تجربةِ هؤلاء من قبلِ زعماءَ عديدين ، كوسيلةٍ لفرضِ مَنطقٍ توافقيٍّ من شأنِه أن يضعَ إطاراً يُهمِّش النهضة، القوّة السياسيّة الأهمّ عام 2013. وقد اعتمدَت النهضة إذّاك منطقَ الحفاظِ على النفس. فهي ليست مستعِدَّة للمجازفة بمكانتِها المُستحدَثة في المشهد السياسي التونسي، وتماشَت قيادتَها مع الحركة التوافقية. كانت تلك القيادةُ تعي أنَّ المعارضةَ لسلطةِ الإسلاميّين أسَّست للمأزقِ السياسي عام 2013 وللحوارِ الوطنيِّ الذي تلاه. لم تنسَ النهضة تهميشَ القوى الإسلامية، في تونس وفي الخارج، في مراحلَ سابِقة6 .وهذا ما حَجَب النهضة عن لعبِ دورِها كمعارضٍ طبيعي يظهَرُ على أنّه الثقلُ الموازِن لنداء تونس في البرلمان. وهكذا أضحَت السياسة التونسية عرضةً لهيمنةٍ حصريّةٍ للمنطقِ التوافقي، إذ إنَّ النهضةَ تبدو مستعدَّة لكلِّ التنازُلات من أجلِ تطبيعِ شأنِها وحمايةِ نفسِها على الساحة التونسية، تضافُ إليها شرذمةُ قوى المعارضة الأخرى.

إلّا أنَّه سيكونُ من الصعب على القوى السياسيّة التونسية أن تضعَ أسُسَ التناوب السياسي، وأن تثبِتَ أسُسَ ديمقراطيَّتِها الناشئة.

لا يمكنُ تسخيرُ الوحدةَ والوفاق، على الرغمِ من أهميَّتِهما، لفرضِ الانتِظام السياسي. فيجب قراءةُ تجربةِ الرباعية على أنها تأطيرٌ لنقاشٍ مستقطَب المواقف ولكن سلميِّ. يجدرُ بالذكرِ أيضاً أنَّ التجربةَ نفسَها أدَّت إلى تبريرِ التحييد المؤسَّساتي للإسلاميّين، رغم أنّهم كانوا أغلبيّة منتخَبة، من قبلِ هيئات غير منتخبَة في الرباعية، لصالحِ فاعلين مستقلّين مزعومين. يتوجَّب على وسائل الإعلام والمنظَّمات المدَنِيّة في تونس، وكذلك على الجهاتِ الدوْليّة الحليفة (وعلى رأسِهم فرنسا والوحدة الأوروبية)، ألّا تنسى أن الحوارَ النقديَّ والبنّاء مع الحكومةِ والنظراءِ السياسيّين قد ساهم عام 2013 في تقدّم السلام والتنمية والاستقرار. لا بل يتوجَّبُ عليهم ألّا يتذرّعوا بتجربةِ الرباعية، ليفترِضوا أنّه منَ المُمكِن تعميمُ تلك التجربة، وأنَّ نشوءَ التوافق ضرورةٌ حتميّة. ما تمَّ تفعيلُه عام 2013 و2014، قد لا يكونَ ناجعاً في 2015 و2016، وقد يؤدّي بحكمِ دخولِ النهضةِ في الصف التوافقي، إلى تشجيعِ حركاتٍ قد تكونُ عنيفةً تتحرَّك خارجَ الأقنِيَة المؤسَّساتيّة.

1Monica Marks, « Tunisia’s transition continues », Foreign Policy (foreignpolicy.com), 16 décembre 2013.

2Larbi Sadiki, « The Search for Citizenship in Ben Ali’s Tunisia : Democracy versus Unity », in Political Studies volume 50, No 3, 497-413 (2002) et Béatrice Hibou, La force d’obéissance. Économie politique de la répression en Tunisie(2006).

3Marie-Pierre Olphand, « Loi antiterroriste en Tunisie : un texte problématique pour HRW », RFI, 28 juillet 2015.

4David Tolbert, « Tunisia’s “Reconciliation Bill” Threatens Gains of the Revolution », Huffington Post (huffingtonpost.com), 17 août 2015.

5Ikram Ben Said, « Tunisia’s Nobel Peace Prize Does Not Mean All is Well », Atlantic Council, 16 octobre 2015 et Rim El-Gantri, « In the shadows of the Nobel Prize- Impunity still a threat to Tunisia’s transition », Open Democracy, 16 octobre 2015

6Monica Marks, « How Egypt’s coup really affected Tunisia’s Islamists », Washington Post blog, 16 mars 2015.