جدلٌ حولَ الفيديراليّة الديمقراطيّة في شمالِ سوريا – روجافا

أيُّ مُستقبلٍ مُشترَكٍ للعربِ والكُردِ في سوريا؟

أثارَ إعلانُ الفيديراليّةِ الديمقراطيِّةِ في شمالِ سوريا- روجافا انتِقاداتٍ حادَّةً في العالم ِالعربيِّ. يتجاوَزُ النقاشُ الجدلَ حولَ التاريخِ والهويّات، ليطرَحَ مسألةَ المستقبَلِ المشترَك بينَ العربِ والكرد في سوريا، ومسألةَ البُنى السياسيَّةِ التي ستَنشأ من الفَوضى الحالِيَّة.

اتَّسمت ردودُ الفعل في وسائلِ الإعلام العربيّة، على إثرِ إعلانِ الفيدراليّة الديمقراطية في إقليم روجافا- شمال سوريا في 8 نيسانَ الماضي، بعنفٍ شديدُ يشير إلى عدمِ تفاعلِ مكوِّناتِ المجتَمعِ السوريِّ فيما بينِها، وإلى مستوى العدائيَّة المُمارسَة ضدَّ مركَّبِه الكردي.

اعتمدَت تلكَ الأدبيّات على مَرجِعيّات تاريخيّة مُجتزَأةٍ ومُتناقِضةٍ من شأنها أن تجعلَ من العدوانيَّة الكامنة ضدَّ آخريَّةِ الكرديِّ أمراً عادياً. وذلك رغمَ أنَّ المشهدَ السوريَّ الحاليَّ لم تَتَجلَّ فيه بعد اللغةُ المعرفيَّةُ التي تودي إلى قراءاتٍ تقطعُ الشكَّ باليقين. فالكتابةُ في الشأنِ السوريِّ عامَّةً والكردي خاصَّةً بقيَت متأرجِحةً بين الوصفِ التسجيليِّ والتحليلِ النمَطي. وتميَّزت تلك المقالاتُ الرافِضةُ للفيدراليّة بتَماهي مواقفِ اليسارِ واليمين - العِلماني والديني-، والمواقفِ المُعارِضةِ للبعثِ ومواقفِ البعثِ نفسِه. فاتَّسمَت مُختلفُ الأدبياتِ السوريّةِ والشرق أوسَطيَّةِ تلك بالأدلَجَة أكثرَ مِنها بالتحليل.

بعضُ هذه الأدبيّات صدَرَ عن المركزِ العربيِّ للأبحاثِ ودراسةِ السياساتِ في الدوحة . علماً أنَّ المركزَ عينَه كان قد أصدرَ كِتاباً تميّز بجهدٍ بحثيٍّ كبيرٍ حولَ تاريخِ الكرد، للباحث السوري جمال باروت، تحتَ عنوانِ “التكوّن التاريخيّ للجزيرة السورية”. بغضِّ النظر عن مدى موضوعيَّةِ، فالمادَّة التاريخيَّةُ التي يتضمَّنُها الكتاب والمتعلِّقة بالتحوُّلاتِ الديموغرافيّة وبنيةِ المُلكيّاتِ وتركيبها والحدودِ والتخومِ وطبيعةِ الهجراتِ والتمازجِ الإثنيِّ والتحالفِ العشائريِّ وغيرِها من التفاصيلِ الاقتِصاديّة والحربيِّة، يمكنُها أن تشكِّلَ سنداً معرفيّاً لكتاباتٍ مختلِفةٍ سياسيّاً في موضوعِ الفدراليّةِ المعلَنة، دونَ أن يكونَ بيانَ إدانةٍ وحسب.

رفضٌ يعيدُ إحياءَ جدلٍ قديمٍ بين القوميّين العرب

افتقَرَت النصوصُ حول الفيديراليّة الكرديّة إلى القراءةِ الحقوقيّة والتاريخيّة الدقيقةِ للجغرافية السياسيّة لسوريا ولوضعِ الكرد فيها. توافَقت فيما بينها على موقف هو امتدادٌ تاريخيٌّ لمواقفَ ظهرَت في سوريا بداية 1930، عندما أُثيرَت القضيَّةُ الكرديَّةُ كتوجُّهٍ لإعلانِ استِقلالِ كردستان من طرفِ آل حاجو1 وبتأييدٍ فرنسيٍّ.

ما أدّى إلى ظهورِ مَوقفَين مُتناقضَين ضمنَ الحزبِ القوميِّ السوريِّ الذي كان يتزعَّمُه آنذاك أنطون سعادة : من جهةٍ، أعلنَ سعادة تأييدَه لهويَّة الكردِ السورية، تحت تأثيرِ أفكارِ آرنيست رينان عن الأمَّة. واعتبرَ سعادة، الذي نادى بالأمّة السوريَّة، أنَّ التنوَّعَ الإثني هو جوهرُ الأمَّة ووحدتِها. ومن جهةِ ثانية، قام أكرم الحوراني ـ وزيرُ الدفاعِ لاحقا ـ بحلِّ الحزبِ السوري القوميِّ الاجتِماعيِّ في مدينةِ حماه، أسَّسَ على إثرِه حزبَ الشبابِ الذي يرفضُ التنوُّع الإثنيَّ، ووضعَ رفضه هذا في مبادئ الحزبِ في الصيغةِ التالية :

  • في المادَّة الأولى، نقرأ أنَّ" الفتحَ العربيَّ أزالَ الهجانةَ الإقليميّة و آثارَ العجميَّةِ الشعوبيَّةِ من الأقطار العربيَّة.
  • وفي االبندِ الثاني من المادَّة السابعة، نقرأ أنَّ “مَن لا يَستَعرِبُ عُدَّ دخيلاً على الأمة”.

قدَّم الحوراني تصنيفاً “بيولوجياً” للمجتَمعاتِ البشريّة التي تعيشُ على أرضِ سوريا. وقسَّمها إلى عربٍ مُسلمين وعربٍ مسيحيّين فقط. وأيَّدَه في ذلكَ سعد الله الجابري في حلب، وهو شخصيَّةٌ هامّةٌ في الحياةِ السياسيَّةِ في حلب وقد شغلَ مرَّتين منصبَ رئيس للوزراء. على أنَّ التاريخَ يدعونا إلى إعادةِ النظر في تلكَ التصنيفات. فالحوراني يبدأ خطابَه مع الفتحِ العربي (ويلجَؤ باروت إلى التعبيرِ عينه) الذي يعودُ إلى عهدِ الخليفةِ الراشد الثاني). إلا أنَّ هذا الفتحَ شكَّل احتلالا ليس أكثرَ من وجهةِ نظرَ الآخرين غير العرب: بهذه اللغة على الأقل تعيد الفئات غير العربية صياغة تاريخها. كما أنَّه لم يزامنْ ذلك “الفتح” تدفقٌ بشريُّ عربيُّ كثيفٌ إلى تلك الأراضي.

وِفقاً لباروت، كانت عشيرةُ الطَي أولى العشائرِ العربيّةِ التي تركَت الجزيرةَ العربيَّةَ وهاجرَت إلى أرضِ بلادِ الرافدَين، وذلك قبلَ انقسامِها إلى عشيرتَي الشمَّر والطيّ في بدايةِ القرنِ الثامن عشر. ولم تستوطنْ الجزيرةَ السوريَّة إلا بعدَ سنواتٍ من التحاربِ مع قبيلةِ العنز. وكانت هذه الأخيرةُ قد هاجرت إلى أرضِ كردستان وتقاسمَت مناطقَ النفوذِ بينها وبين قبيلةِ الشمَّر في الجزيرةِ الفراتيَّة والجزيرةِ العليا، قبلَ أن تدخلَ، بعد سنواتٍ من ذلك، تحت حمايةِ الزعيم الكرديِّ ابراهيم باشا الملي، الذي كانَ يحكم تجمُّعاً عشائريّاً كردياً كبيراً، ويحظى باستقلالٍ سياسيٍّ أمامَ السلطة العثمانية2.

ونظراً لحداثةِ الحدودِ السورية التي لم تستقرّ إلّا في عام 1939، بعد مدِّ سكَّةِ الحديد بين اسطنبول وبغداد، يزخرُ تاريخُ التكوّنِ الديموغرافيِّ في منطقةِ الهلالِ الخصيبِ بالكثير من الوثائق. تسجِّلُ تلكَ الوثائقُ طبيعةَ الهجراتِ والعشائرِ والإثنيّات التي أسَّست المدنَ في هذه المنطقةِ عبرَ برامجِ الإعمارِ العثمانيّة الهادفةِ إلى زيادةٍ في مواردِها الزراعيّة. واقعُ الحالِ أنَّ المادَّة التاريخيَّةَ المتوفِّرةَ لتكوُّنِ المجتمعات تكرِّسُ تاريخَ الكردِ في أراضيهم عوضاً من أن تُلغيهِ في المنطقةِ عامّةً وسوريا خاصَّة.

من هنا، تبدو معاداةُ مشروعِ الفيدراليّة كنتاجٍ لذهنيَّةٍ تأصَّلَت تاريخيَّا، رسَّخَتها الظروفُ السلطويَّة التي كان آخرُها الانقلابُ الذي دفعَ بالبعثِ إلى السلطة. الأمرُ الذي زجَّ بناء الدولة السورية في الإطار الإديولوجي العروبيّ. وما الحديثُ عن الملكيّات السوريَّةِ العروبيَّةِ الممتدَّةِ إلى الأناضول وديار بكر وأورفا، سوى مسعى نظريٍّ لتعريبِ تاريخِ كردستان، يعيدُنا إلى “سجِلِّ الملكيّاتِ التاريخيّةِ الكاذبة” التي يقدمُها المؤرخ هوبزبوم3.

تبنَّى مجلسُ سوريا الديمقراطيّة في بيانٍ رسمي صدرَ في 8-4-2016 نظامَ “الفيدراليّة الديموقراطيّة في إقليمِ الروجافا- شمال سوريا”. وضَّح المجلسُ رؤيتَه لمستقبَلِ نظامِ الحكمِ في سوريا وصيرورةِ الصراعِ الدائر بين أقطابِ الحربِ المدمِّرة. غيرَ أنّ المشكلة في هذا الإعلانِ، لا تكمنُ فقط في توقيتِه المزامِنِ لمفاوَضاتِ جنيف أو مكانِه المحاذي لكردِستان تركيا4 الذي يعملُ أردوغان على تدميرِه،بل في بُنيَةِ المشروع بحدِّ ذاتِه.

نظامٌ فيديراليٌّ يتوَجَّبُ بناؤه

فتسميَةُ “الفيدراليّةِ الديمقراطيّة” نفسِها تفتقرُ للدِّقَّة. إذ إنَّ البُنيَةَ الهيكليَّة الإداريَّة للنظامِ الفيدراليِّ المعلنِ تتَّفقُ مع نظامِ الإدارةِ المحليَّةِ عبرِ مجالسِ البلديّات، ولكنها لا تتَّفقُ الأنظمةِ الفديراليَّة المعروفَة تاريخيّاً.

يتوزَّعُ الجهازُ الإدارِيُّ للفيديرالية المعلَنةِ في هيكليَّةٍ ثلاثيَّةٍ: المجالسُ البلديَّة،و حكومةُ الإقليم، والحكومةُ الاتَّحادِيَّة. غيرَ أنَّ هذه المجالِسَ تأتي رديفةً لحكومة الإقليم، ممّا يُؤدّي إلى ازدِواجِيَّة في السلطة وبيروقراطيَّة معقَّدة، وتساهِمُ في إنتاجِ جهازٍ إداريٍّ ضخمٍ وثقيل. أضِفْ إلى ذلك أنَّه يُخشى أن نتواجَدَ أمامَ حالةٍ من الفوضى الإداريّةِ في تراتبياتٍ مؤسَّسِيَّة تَجهَلُ مسؤوليّاتِها و تسمِيات إداريَّة لا تنتَهي.

يتضمَّنُ إعلانُ الفيدراليّةِ تأسيسَ لجنةٍ من ثلاثينَ شخصاً (من مختلفِ الإثنيّات والطوائف) لكتابةِ دستورٍ في خلالِ ستَّةِ أشهر، وتنظيمَ انتخاباتٍ في هذه الغضون. تتمُّ إدارةُ الإقليمِ من خلالِ ثلاثِ كانتونات، وهي الجزيرة، كوباني، عفرين. يرأسُ كلٌّ منها رجلُ وامرأةٌ بشكلٍ مشترَك. كما فُوِّضت المجالسُ المحلِّيَّةُ في كلِّ مدينةٍ بسلطتِها الخاصَّة إلى جانبِ سلطةِ حكومةِ الإقليم. إضافةً لوجودِ مجالسَ صغيرةٍ لكلِّ حيٍّ و بلدة.

كلُّ ذلك يُعقِّدُ عمليَّةَ التخطيطِ الإداريِّ والدستوري. ناهيكّ عن أنَّ سلطةَ المجالسِ البلديَّةِ أعلى من سلطةِ الحكومةِ المحليَّةِ والاتحادِيّة ،وليسَ ثمَّةَ حدودٍ واضحةٍ لتعريفٍ هذه المجالسِ وتحديدِ مسؤولياتِها. ممّا يَحولُ دون مَأسَسَتِها وفقاً لقوانينَ إداريَّةٍ ودستورِيَّة. كما أنَّها ليست وسيطاً مدنِيَّاً يُمثِّلُ المجتمَعَ المدنيَّ في الجهاز الحكوميّ، بحُكمِها بطبيعَةِ الحالِ مُسيَّسة. فلا تؤدّي إلى تنويعِ مراكزِ المقاوَمةِ داخلِ المجتمع، بل إلى أدلَجةِ المجتمَع المدنيِّ وإثقالِ كاهلِه الإداري.

ِبدلاً من أن يؤدّي وجودُ المجالسِ المحلِّيَّة إلى تنظيمِ المشاركةِ السياسيَّةِ للشعب في أمورِ الحكم، فهي تُصبِح في تنازعٍ عقيم على السلطةِ بين ذوي الشأنِ العام وذوي الشأن الخاص، تنازعٌ يمسُّ كلَّ المجالات. فلا عجبَ أن يتناقضَ الواقعُ المعقَّدُ حينَها، بحكمِ بُنى المؤسَّساتِ والهيكليّةِ الإداريَّة لتنظيمِ الحكم، مع مفهومِ “فيدراليّة الشعوب” المُعلَنة كفكرةٍ طوباوِيّة.

على الأرجح، فالأفرادُ الذين صاغوا بَيانَ إعلانِ الفيدراليَّة الديمقراطيَّة، استخدَموا عباراتٍ لا تتَّفقُ ومعنى الفيدراليَّةِ في التجاربِ الدستوريَّةِ المعروفة تاريخياً. ووضعوا أنفسَهم في مواجهاتٍ شَرِسةٍ مع المعارضةِ السوريَّةِ على اختلافِ أطيافِها. فالفيدراليَّةُ كطرحٍ كرديٍّ سوريٍّ كانَ موجوداً منذ عقودٍ طويلةٍ في أدبيّات الحركةِ الكرديّة المناضلةِ ضد استبداديَّةِ البعث السوري. في زمنٍ كان فيه جزءٌ من المعارضةِ السورية الحاليَّةِ ضمنَ سلطةِ البعث نفسه. لذلك حينما انتفضَ الكردُ في المدنِ الكرديَّةِ في سوريا سنةَ 2004، لم تلقَ تلك الانتفاضةُ أيَّ تضامنٍ عربي. بل على العكس، تردَّدت دعواتٌ لقمعِ الكردِ الانفصاليّين. وهي الديباجةُ ذاتُها التي تتكرَّرُ الآن من قبلِ المعارضةِ والنظامِ على حدٍّ سَواء.

أطرٌ هوياتيَّةٌ جامِدة

تدحضُ قراءةُ تاريخِ نشوء الأثنيّات داخلَ منطقة ميزوبوتاميا وبحرِ إيجيه ادِّعاءات النقاءِ الإثني، بحكمِ الهجرات الضخمة التي عرفتها المنطقة، كما يتبيَّن بوضوح من كتاب آرنولد توينبيArnold Twinby “تاريخ البشرية”.

تشير ُ الدراسات حولَ الحقباتِ السابقةِ للحكمِ العثماني وعلى امتدادِه، إلى انعِدامِ وحداتٍ سياسيَّةٍ كبيرةٍ ومختلطةٍ لغويّاً أو إثنيّا، بل إلى وجودِ إماراتٍ صغيرةٍ ذواتِ بُنى قبليّة أو إقطاعيّة، ومتجانِسة في هويّاتٍ ماقبل دولانيّة. وكان قانونُ ملكيّةِ وضعِ اليد أساسَ الحدودِ بين تلك الوحدات. وقد استمرَّت تلك الحدودُ كولاياتٍ تحتَ المظلَّةِ العثمانيّةِ قبلَ إعادةِ رسمِها قبيلَ معاهدةِ فيرساي 1919 و بعدَ معاهدةِ سان ريمو1920.

أمّا الادِّعاء بأنَّ الحدودَ السوريَّة تمتدُّ حتّى الأناضولَ، فهوَ كمن ينظرُ إلى تاريخِ أوروبا الحالي دونَ الأخذِ بمَخاض التاريخ الذي تعرَّضت له أوروبا منذُ معاهدةِ وستفاليا عام 1648، حيثُ تفاعلَت فيه 300 وحدةٍ سياسيَّة كانَت تتمتَّعُ بحقوقٍ سياديّة. فالفيدراليَّة جغرافيّاً ودستوريّا صيغةٌ مُثلى للتفاعُلِ والتلاحُمِ بينَ مُجتمعاتٍ مُتبايِنة الهويّات. في سوريا لم تَكن المَجموعات الإثنيَّةُ والمذهبيَّةُ مستقرَّةً، بل راكِدةً بحكمِ الاستِبداد، مَمنوعةً من التفاعلِ على أُسسٍ اجتماعيّةٍ وسياسيَّةٍ تسمحُ ببناءِ نظامٍ ثقافيٍّ تاريخي ٍّمشترَك.

لا شكَّ أن عقوداً طويلةً من طغيانِ العَسكر في المنطقة حَشرت مُكوِّناتِ المجتمَع في وِحداتٍ قسريّةٍ راكدة، ترفضُ كلُّ مجموعةٍ منها المجموعةَ الأخرى، وينطبِقُ عليها وصفُ “ابن خلدون” للثقافةِ البدوية التي لا ترى الآخرَ في البيئةِ الصحراويّة إلّا على مستوى النظر.

و في هذا السياق، يندرِجُ ويتأصّل تاريخُ كراهيةِ الكُردِ في سوريا. بدءاً بما حدثَ قبلَ استقلالِ الدولة السوريّة، وصولاً إلى المقترَحات التي كتبَها ملازمُ الأمنِ السياسيِّ في الحسكة محمد طلب هلال عام 1963، والتي رفعَها إلى المؤتمرِ القطريِّ لحزبِ البعثِ في دمشق. تضمَّنت تلك المقترحاتُ: تعريبَ الكرد في الحسكة، تجهيلَ القرى الكرديّة، ونزعَ الجنسيّة السوريّة من الكرد، وتوطينَ العرب في الأراضي الكردِيَّة وإنشاءَ حزامٍ عربيٍّ يفصلُ الكردَ بين طرفَيْ سكَّة الحديدِ الكردي والسوري ، و“شنَّ حملةٍ من الدعايةِ الواسعةِ بين العناصرِ العربيَّةِ ضدَّ الكرد، وضربَ الكردِ في بَعضِهم5”. تكرَّرت نداءاتٌ كهذهِ عامَ 2004 في منابِرِ المساجدِ في حيِّ الغويران جنوبَ الحسكة.

غُرباءٌ على بَعضِهم البعض

وقد تُرجِمت مُعظم المقترَحاتِ المذكورةِ أعلاهُ، بقوَّةِ السلاح، وأنشِئ حزامٌ عربِيٌّ بطولِ 365 كم و عمقِ 15 كم، وتمَّ تشييدُ مُستوطَناتٍ عربيَّة بينَ القرى الكردِيَّة.

وفي عام 1963، تمَّ كذلك تجريدُ 150 ألفِ كرديٍّ من الجنسيَّةِ السوريَّة، تحتَ ذريعةِ أنَّهم أتوا من تركيا، في العُقودِ الفائتةِ إبّانَ حكمِ أتاتورك. كانَ التجريدُ من الجنسيَّةِ عشوائيّاً، يطالُ فرداً دونَ الآخرَ في العائلة ذاتها. أُطلِق على هؤلاءِ اسمَ “أجانبِ الحسكة”، توزَّعَ مصيرُهم الإداريُّ إلى فئتَين: فئةِ “الأجانِب” حامِلي وثيقةِ “إخراجِ قيدٍ” حمراءَ من المختار تسمحُ لهم بالتنقُّلِ داخلَ البلاد دونّ أيِّ حقٍّ آخر. الفئةُ الثانِيَةُ هي فئةُ “مكتومي القيد”، وتشملُ الأفرادَ الذين لا يَحمِلون أيَّةَ وثيقةٍ تثبتُ وجودَهم الإنسانيّ. فكانوا يسجِّلونَ عقاراتِهم بأسماءِ غيرِهم من حامِلي الوثائق. واعتمَدوا اقتِصاديّا على وسائلِ ادِّخارٍ مرتبِطةٍ بالثِّقةِ الاجتماعيَّة فقط. في هذا السياقِ ومنذ تلكَ الحقبة، مُنِعت اللغةُ الكردِيّةُ وكلُّ ما يَمتُّ إلى الثقافةِ والهويّة الكرديَّتين، وترسَّخت تلك السياسةُ مع قدومِ البعثِ إلى الحكم.

في عامِ 2008، صدرَ المرسومُ التشريعيُّ رقم 49، الذي مَنعَ بيعَ العقاراتِ للكردِ وتداولَها فيما بينهم. وتزامنَ هذا القرارُ مع سنواتِ الجفافِ (2005 - 2008)، التي أدَّت وفقاً لأرقامِ وزارةِ الزراعةِ السوريَّةِ نفسِها، إلى هجرةِ أكثرَ من 500 ألف مواطنٍ كرديٍّ من المدنِ الكرديَّةِ إلى أطرافِ المدن الصناعِيّة، الذين سَكَنوا فيما عُرفَ لاحقا بأحياءِ الخيم.

إن اعتبَرنا أنَّ التاريخَ السوريَّ يكرِّرُ نفسَه اليوم فيما يخصُّ القضيَّةَ الكرديَّة، فذلك مؤشِّرٌ لغيابِ جدلٍ عميقٍ لمفهومِ التعدُّدِيَّةِ في سوريا خلالَ العقودِ الفائتة، وصعوبةِ بناء هذا النقاشِ في الظروف الراهنة، ممّا يَنعكِس في مُفاوَضات جنيف، إذ باتَ السوريّون بمثابةِ أجانبَ إلى بعضِهم البعض، لا تلمُّهم لغةٌ ولا تصوُّرٌ وطنيٌّ مُشترَك لمآلِ الحالةِ الراهِنةِ على مُستوى الحقوقِ والمؤسسات. ويساهمُ ذلك في مُضاعفةِ الشكِّ لدى الكردِ تُجاهَ مصيرِهم مع بقيَّةِ المكوِّناتِ الموجودَةِ في سوريا، ضمنَ حالةٍ من الهلعِ والعدوانِيَّةِ المفرِطة. وقد يكونُ قصفُ المدنيّين الكردِ بالكيماويّ والقنابلِ الأخرى، في 8 آذار2016، من قِبَلِ جيشِ الإسلامِ في حيِّ الشيخِ مقصودِ الكردِيِّ في حلب، والتصريحاتُ العنصريَّةُ التي صدرَت عن بعضِ شخصيَّاتِ الائتِلاف السوريِّ المُعارضَة، رَدّاً ضدَّ الكردِ في سوريا وليسَ ضدَّ مشروعِ الفيدرالية.

1حاجو آغا زعيم عشرة الهفيركان. حازَ على وعدٍ من الفرنسييّن بإنشاءِ دولةٍ كُرديَّةٍ عام 1932. لم يكتب له النجاح. توفِيَ سنة 1940.

2إبراهيم باشا المللي (1843 – 1908) أميرُ أمراءِ كردستان. وزعيمُ الاتِّحاد القبليُّ الملّيّ. حَكمَ بشكلٍ مستقلٍّ عن السلطةِ العثمانيّة. أنقذَ عشرةَ آلافِ أرمنيٍّ من الإبادة.

3إيريك هوبزبوم، دراسات في التاريخ، ترجمة عبد الإله النعيمي، دار المدى، 2006، ص 23-24.

4كردستان هي الصيغة التي كان يستخدمها أتاتورك في رسائله التي كان يستميل بها زعماء العشائر الكرد الذين كانوا يتمتعون باستقلالية حكم ذاتي، و يجرهم إلى معارك ضد مصلحتهم.

5محمد جمال باروت، التكوُّن التاريخيُّ الحديث للجزيرة السوريَّة، المُلحق الأول، المركز العربيّ للأبحاثِ ودراسةِ السياسات، الدوحة، 2013.