حين يغفرُ الغربُ للرئيسِ السوداني جرائمَه ضدَّ الإنسانيّة

رغم أن محكمة العدل الدولية اتَّهمته بجرائمَ ضدّ الإنسانية ، ها هو عمر البشير يخلص سمعته فترى فيه الولايات المتحدة رجلاً تصلح مجالسته ، إذ تنظر إلى الدور الاستراتيجي للسودان. أما بالنسبة لأوروبا، فهي تعتبر أن هذا البلد قد يكون ذا فائدة في مكافحة الهجرة غير الشرعية، ولو استلزم الأمر ترحيل مواطنين سودانيين دون ضمانات حول حسن معاملتهم من قبل نظام معروف بهمجيَّته. وحتى اسرائيل تشير إلى التطوُّرات الإيجابيَّة للنظام القائم (اقرأ التوضيخ المرفق مع هذه المقالة).

في ندوة أقيمت في الخرطوم في أيّار / مايو الماضي، فوجئ الحضور بحديث السفير الألماني وإشارته إلى الاستقرار الذي يعيشه السودان، مقارنة بما يجري حوله، وأنّه يمكن أن يلعب دوراً إقليميا في هذا الاتجاه. وفي غضون الشهرين الماضيين، زار المبعوث الأميركي الخاص دونالد بوث السودان ثلاث مرات، كما لعب دوراً محورياً في دفع الحركات المسلحة وحزب الأمّة للتوقيع الشهر الماضي على خارطة طريق تقضي بوقف العدائيات والدخول في حوار سياسي بين الحكومة ومعارضيها للوصول إلى اتّفاق سلام شامل. وكانت الحكومة استبقتْ هذه القوى المعارضة بخمسة أشهر ووقعت من طرف واحد على خارطة الطريق هذه التي أعدّها وسيط الاتحاد الأفريقي ثابو أمبيكي.

السودان لا يزال هو نفسه الذي يحكمه عمر البشير، المتهم من قبل المحكمة الجنائية الدّولية المدعومة من الدول الغربية، لدرجة رفض المسؤولين الغربيين مقابلته حتى عند قدومهم إلى الخرطوم. والبلد يخضع لعقوبات وحظر اقتصادي معلن وغير معلن بسبب اتّهام السلطات فيه بالإرهاب وبانتهاك حقوق الإنسان. لكنّ الجديد يتمثل في نوعية القضايا التي أصبحت تؤرق الدول الغربية مثل الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب. والسودان بموقعه الجيوسياسي، أي بحدوده المشتركة مع سبع دول، وتواصله مع العالمين العربي والأفريقي، أصبح نقطة تركيز استراتيجية وكأنه استعاد ذلك الألق الذي كاد يجذب البريطانيين والفرنسيين إلى مواجهة عسكرية في العام 1898 (حادثة “فاشودة” إبّان ذروة التسابق الأوروبي على أفريقيا)، وهي المواجهة التي تم تجنبها بموافقة فرنسا على الانسحاب وإفساح المجال لبريطانيا للتمدّد جنوباً وتأمين مصر.

دَواعي قَلق جَديدة لدى الأوروبيّين

المعلومات المتداولة أنّ المبعوثين الغربيين المعنيين بالملف السوداني عقدوا اجتماعا في نيسان / أبريل الماضي في لندن قرّروا فيه التواصل مع السودان لمنع الهجرة إلى أوروبا عبر ليبيا ومصر، ولتقييد حركة تنقل الإرهابيين بين شرق أفريقيا وغربها وشمالها، وأنهم سيعاونونه بالتّدريب والمعدّات، كما يتوقعون منه العمل على حل مشاكله الداخلية مثل وقف الحرب في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور، واستيعاب المعارضة في إطار سياسي مقبول.

إضافة إلى هذا، فإن واشنطن المشغولة بتفجر الأوضاع في جنوب السودان، وجدت أنّ الخرطوم تملك أوراقاً عديدة مما يجعلها من أكثر الجيران تأثيراً في ما يجري على الساحة السياسية هناك. الخرطوم تبنّت سياسة حذرة في التعامل مع الساسة الجنوبيين وضعاً في الاعتبار للحساسيات السابقة، وانّها الدولة الأمّ التي انفصل عنها الجنوب. وبرزت هذه السياسة بقوّة مؤخراً إذ رفضت المشاركة في قوة حفظ السّلام التي قرّرها مجلس الأمن بسبب التحفظات التي أبدتها جوبا تجاه قوة السّلام هذه، كما استقبلت النائب الأول لرئيس جمهورية جنوب السودان تعبان دينق، رغم تحفظ دول الجوار على تعيينه، واستقبلت في الوقت ذاته النائب السابق رياك مشار الذي طلب القدوم إلى الخرطوم مستشفياً بعد أن تم إجلاؤه بواسطة الأمم المتحدة إلى الكونغو إثر أعمال العنف التي اندلعت بين قواته وقوات الرئيس سلفا كير. والخرطوم في ما يبدو تسعى لأن تكون محطة لكلّ الساسة من جنوب السودان.

وبجانب التاريخ المشترك، فهناك الحدود بين البلدين، وهي تمتد على 2100 كيلومتر، وفوق هذا فإن السودان هو الممر الوحيد الذي يمكن عبره للنفط المستخرج من جنوب السودان أنّ يجد طريقه إلى الأسواق العالمية (عبر ميناءي بشائر على ساحل البحر الأحمر). كما أنّ جوبا تعوِّل على الخرطوم لمساعدتها فنياً في تشغيل آبار النفط ورفع معدل الإنتاج الذي تراجع بمقدار النصف إلى 130 ألف برميل يوميا. وعائدات النفط تمثل المصدر الوحيد لإيرادات الدولة هناك.

وإلى جانب ملف جنوب السودان، فإنّ ما يجري في ليبيا من تحركات قوية للمجموعات الإسلامية تجعل للسودان دوراً كبيراً، بسبب جواره الجغرافي لليبيا ومعرفته بما يجري في ساحة التنظيمات الإسلامية.

مكافحة الهجرة غير الشرعية

والسودان بدأ بتنفيذ جزء من التزاماته وفي أواخر الشهر الماضي: استقبل 40 طالبَ لجوءٍ سياسيٍّ سودانيا كانوا في إيطاليا، وتضمن الاتفاق عدم معاقبتهم، واستقبال من خرجوا عن طريق السودان من الجنسيات الأخرى، وإعادة تدريبهم بتمويل أوروبي. المسؤولون السودانيون شعروا بتغير اتّجاه الريح وخرجوا إلى العلن مؤخراً في مؤتمر صحافي شاركت فيه القوات المسلحة والشرطة وجهاز الأمن وحتّى الميليشيا المعروفة باسم “قوّات الدّعم السريع”، كان عنوانه الرئيسي أنّ السّودان يحارب الهجرة غير الشرعية نيابة عن أوروبا بكلفة في المال والأرواح أثناء مطاردة عصابات الاتّجار بالبشر، دون أن يتلقى شكراً على جهوده هذه، خاصة أنّه دولة عبور لا مستقر للمهاجرين. وقالت قوات الدعم السريع إنّها خسرت أرواح 25 جندياً وجرح 315 من أفرادها إلى جانب فقدان 151عربة أثناء عمليات المطاردة والاشتباك مع عصابات الاتجار بالبشر. كما تم توقيف 808 أشخاص في طريقهم إلى ليبيا بطريقة غير شرعية، بالإضافة إلى القبض على تسعة من المتاجرين. وفي إطار الدعم الأوروبي للسودان في مجال البنية التحتية على الحدود، للسيطرة عليها وضبط الهجرة غير الشرعية، فيتوقع وصول فريق من الاتحاد الأوروبي هذا الشهر إلى السّودان لمتابعة ميدانية لتخطيط وتنفيذ بعض المشروعات التي سبق الاتّفاق عليها.

نحو تخفيف العقوبات؟

فهل تؤدي هذه التطورات إلى حدوث انفراج سياسي حقيقي داخل المشهد السوداني المأزوم، وهل الزيارات المكوكية للمبعوث الأميركي مؤشر على أنّ إدارة أوباما تدفع باتجاه حدوث اختراق سياسي يسمح لها بالقيام بتخفيف إجراءات المقاطعة والحظر الاقتصادي. فالسودان يخضغ إلى سلسلة متباينة منها، “طبقات” بدأت في 1992، عند وضع السودان في قائمة الدول الداعمة للإرهاب. وتعززت بعد خمس سنوات، عندما فرض كلينتون عقوبات اقتصادية أحادية، ثم جورج بوش الابن إبّان تفجر أزمة دارفور. وضاقت أنشوطة هذه العقوبات على عنق الخرطوم إثر قيام واشنطن بتغريم بنك باريبا الفرنسي تسعة مليارات دولار لتعامله مع السودان وإيران، الخاضعتين لإجراءات المقاطعة الأميركية، ما دفع الكثير من المؤسسات المالية (حتى الخليجية) إلى وقف ذلك التعامل. وما انعكس سلبيا على الموقف الاقتصادي والمالي المتدهور أصلاً، انفصال السودان في العام 2011، الذي حمل معه معظم احتياطيات البلاد النفطية. وأبرز ملامح الأزمة تدهور قيمة الجنيه السوداني بصورة غير مسبوقة بعد أن تجاوز حاجز 16 جنيها أمام الدولار. وهذا الوضع يعطي واشنطن فرصة لممارسة ضغوط مركزة على الخرطوم للدّخول في تسوية سياسية مستدامة لأنّ تخفيف المقاطعة المالية أصبح أولى أولويات الخرطوم كما أشارت منظمة “كفاية” الأميركية في أحدث تقرير لها عن السودان.

لكنّ الوقت ليس في مصلحة حدوث اختراق رئيسي، خاصة أنّ الملف السوداني تتنازعه جهات عديدة داخل الولايات المتحدة، وإدارة أوباما تلملم أوراقها استعدادا للرحيل، الأمر الذي يرشح هذا الملف إلى انتظار من يجلس في البيت الأبيض. وإذا انتهت الانتخابات بفوز هيلاري كلينتون، فإنّها كوزيرة سابقة للخارجية على دراية بالوضع، وكانت من الذين أسهموا في وضع استراتيجية أوباما تجاه السودان التي أعلنت في العام 2009 وصحبها تصريح شهير لهيلاري قالت في أنّه فات أوان الكلام والوعود أو التأخير بسبب سوء الفهم أو التصورات الفارغة عن السودان.

لا توقيع على بياض لعمر البشير

على أنّ سبع سنوات مرّت منذ اعتماد تلك الاستراتيجية ولم يحدث شيء يذكر سوى انفصال جنوب السودان الذي أصبح همّاً مقيما لواشنطن ربما يدفع كلينتون إلى خطوات عملية إذا تولّت السلطة.

على أنّ الغائب الأكبر في كل هذا هو الإرادة السياسية الداخلية في السودان، في جانبي الحكم والمعارضة. والتقارب الجاري بين الحكم والدول الغربية، على الرغم من أنّه يعني عدم اعتبار المعارضة بديلا للنظام القائم، إلّا أنّ ذلك لا يعني شيكاً على بياض للرئيس البشير وحكومته، لأنّ للتدخّل الأجنبي أولوياته ومصالحه في المقام الأوّل.

اسرائيل والسودان _نشرَ الصحفيُّ باراك دافيد، مُراسل صَحيفةِ هارتز للشؤون الديبلوماسيّة، والمَعروفُ عامَّةً بدقَّةِ معلوماتِه، مَقالةً في 7 أيلول/ سبتمبر، تحتَ عُنوان “اسرائيل تَحثُّ الوِلاياتِ المتَّحِدة الأميركيّة وأوروبا على تَعزيزِ العَلاقات مع السودان، مُستنِدة إلى انقِسامٍ ظاهِريٍّ مع إيران”. يَكشِفُ باراك دافيد في مَقالتِه أنَّ اسرائيل بدأَت تُمارس نَفوذَها لَدى الولاياتِ المُتَّحدة والاتِّحاد الأوروبيِّ لصالحِ الخرطوم. والسببُ في ذلكَ واضح: فالسودانُ يَتقارِبُ مع المِحوَرِ السُّنَّي – فَهوَ يُشارك في التحالُفِ مع السعوديَّة ضِدَّ اليَمن-، وتوَقَّف عن إرسال الأسلِحة لحَماس في غزة، ووقَفَ على مسافةٍ من إيران (إذ جمَّدَ العلاقاتِ الديبلوماسيَّةَ معَها في كانون الأول/ يناير 2016). طلبَت تل أبيب من أوروبا أن تَدرُس إمكانيَّةَ تخفيفِ مديونيَّة السودان التي تَبلغُ 50 مليار دولار. بَعد ذلكَ بأيّام قليلة، أي في 11 أيلول/ سبتمبر، نشرَت هارتز افتِتاحيَّة بعُنوان “رُغمَ الفوائدِ المُحتَملَة، على اسرائيل الامتِناع عن دَعمِ النظامِ السودانيِّ الذي اقترَف إبادةً جَماعيّة”. المُلفِت هو أنَّ اسرائيل تَنصِب العداءَ للسودان منذُ زمن طويل، ولَعِبَت دوراً كبيراً في مُساعدةِ الحركاتِ الانفِصاليّة في الجنوب منذُ 1950. لا بَلْ يُمكِنُنا القولُ إن اسرائيل، بشَراكةٍ أميركيَّة ودونَ التغاضي عن مَسؤوليَّة نِظام الخرطوم، كاَنت أحدَ الفاعِلين الأساسيّين في تفكُّكِ الدوْلَة السودانيّةِ وإعلانِ استِقلالِ الجنوبِ في 9 تموز/ يوليو 2011. ممّا أدّى إلى حربٍ أهليَّة لا يبدو لنهايتِها أُفق، عِوَضاً عن “استِقلالٍ سعيد”. _ألان غريش

نشرت هذه المقالة في موقع السفير العربي تحت عنوان إعادة اكتشاف غربية للسودان.