سياسةُ نارندرا مودي العربية

زيارةُ رئيسِ وزَراءِ الهند إلى الرياض

بعدَ ثمانيةِ أشهر من زيارتِه للإمارات العربية المتحدة، وإذْ برئيسِ وزراءِ الهند نارندرا مودي يقومُ بزيارةٍ للمملكةِ العربيةِ السعودية. لا تنقصُ الأسبابُ الموضوعيّة لتفسيرِ هذه الزيارة. فالمملكةُ هي المزوِّدُ الأوَّلُ للهند بالبترول، وتستقبلُ ما يقاربُ 2.8 مليون مواطن هندي، كما أنَّ الهند لن تجدَ باباً أفضلَ تطرقُه في بحثِها عن مستثمِرين أجانبَ لتسويقِ مشاريعِها “صُنِع في الهند”، وذلك رغمَ المشاكلِ الماليّة التي تعرفُها المملكة. ناهيكَ عن ذلك الزيارات المتبادلة، رغم تباعدها ،على مرِّ العقود، بين المسؤولين الهنود والسعودييّن. إلّا أنّنا نكون مخطئين إن اكتفَينا بالجوانِب الرسمية والاقتِصاديّة لهذه الزيارة.

لقد كرّس نارندرا مودي جهداً كبيراً لإعادة صياغةٍ كامِلة للسياسة الخارجيّة للهند منذُ وصولِه إلى سدّة الحكم. لا يمكن الحديث حرفِيّاً عن إعادةِ نظرٍ بالديبلوماسيّة المتّبعة في بلادِه، إنّما عن عَقلنة تتكوّن من تعديلات عديدة وإعادةِ تعريف للأولويّات والتوجُّهات الرئيسيّة للسياسة الخارجيّة للهند. فيما يتعلّق بالشرق الأوسط، كان متوقَّعاً أن يخَصِّص نارندرا مودي لإسرائيل زيارتَه الأولى للمنطقة. فكانت لإمارتَي أبو ظبي ودبي. إلّا أنَّ حديثَا جرة في نهاية 2015 عن زيارةٍ مرتقَبة لإسرائيل. لم يتمّ تحديدُ تاريخٍ لهذه الزيارة، وبدلاً من ذلك، قامت وزيرةُ الخارجيّة الهندية سوشما سواراج بزيارةٍ للقدس ورام الله في كانون الثاني الماضي/ يناير للتحضير لهذه الزيارة، وحرصت على ألّا تتلفَّظَ بأيّة كلمةٍ من شأنِها أن تثيرَالجدل. حاليّاً، يجري الحديثُ عن زيارةٍ يقوم بها نتنياهو للهند قبلَ أن يزورَ مودي اسرائيل، إلّا أنّه لم يتمَّ الإعلان عن موعدٍ لأيَّةٍ من الزيارتين. فتكونُ المملكةُ العربيّة السعوديّة وجهةَ مودي الثانية في المنطقة كرئيسٍ وزراء الهند.

الأولَوِيّة للمصالِح

وكان المسؤولون العرب لا سيّما السعوديّون منهم، قد استقبلوا بفتورٍ نجاحَ مودي الانتخابي. فسمعتُه كمعادٍ للمسلمين غالِبةٌ ، بحكمِ الإيديولوجيّة الوطنيّة لحزبِ الشعب الهندي PJB والذي يمثِّلُه مودي، وخاصَّة بسببِ الأحداث بين الهندوس والمسلمين عام 2012 في ولاية الغوجارات التي كان يتزعَّمها، والتي ذهبَ ضحيتُها ما يقاربُ 2000 شخص، معظمُهم من المسلمين. على أنّه، بمناسبةِ وفاةِ الملك عبدالله في كانون الثاني/ يناير 2015، قامَ مودي بنفسِه بإعلانِ يومِ حدادٍ وطنيٍّ في الهند. إذ إنَّ الرجلين عَمِلا على التعارُف فيما بينهما بعدَ أن التَقيا في نهاية 2014 على هامشِ قمَّة الدوَل العُظمى G20 في بريسبان، وأدركا أهميَّتَهما المتبادَلة. باختِصار، بدأً النهج الاستراتيجي يطغى على النهج الإيديولوجي.

فالعلاقاتُ بين البلدين قديمةٌ وراسخة، و إن لم تكن مقرَّبة وعميقةً. عرفت تلك العلاقاتُ منعطَفاً هامّاً عام 2006، حين كانَ الملك عبدالله ضيفَ شرفِ العرض العسكري في يومِ الجمهورية . فالمَملكة الوهّابيّة تُدرك أنّ مصلحتَها تتَّجهُ أكثرَ فأكثرَ نحو الشرق. في ذلك الوقت، لم يكن البترول والغاز الصخري الأميركيّين يسمَحان للولاياتِ المتَّحدة بالاستِغناء عن الذهبِ الأسوَدِ السعودي، إلا أنَّ المملكةَ العربيّة السعوديّة مهتمَّةٌ بالبحث على المدى البعيدِ عن زبائنَ لشراءِ مخزونِها من هيدروكربون. والهند والصين بلدان يمتلِكان المواصَفات المطلوبة: بلدان يعرفان تطوُّراً اقتصاديّاً كبيراً، عددُ سكّان كليهما هائلٌ، وحاجتُهما بالتالي إلى مواردِ الطاقةٍ عالِيةٌ جداً. هذا بالإضافةِ إلى أنّه ليس من عادةِ الصين ولا الهند توبيخُ شريكتِهما بخصوص حقوق الانسان، على عكسِ الولايات المتحدة.

هذان البلدان شريكان يؤمَّن لهما، والرياض تسعى لكسبِ وُدِّهِما، لا سيّما وأنّهما لا يسعيان أبداً للحلول مكانَ الولايات المتحدة كحامِيةِ الحمى. فالعلاقاتُ بين البلدين، وإن كانت متدهوِرة حالياً، قد تجاوَزت الأمرّين على مدى العقود، ولا يتصوَّر أحدٌ أن تنقَطِع تلك العلاقاتُ في المدى المنظور. ومن هذا المنظورِ تحديدا، لا يوجدُ لدى الصين أو الهند أيُّ طموحٍ للحلولِ مكانَ الولاياتِ المتَّحِدة في الخليج، فما من سوءِ تفاهمٍ أبدأً في هذا الموضوع.

إيران والباكستان: مَوضوعان يَستوَّجبان الحذر

فيما عَدا المواضيعَ والنقاشاتِ المذكورة أعلاه والتي لا غِنى عن الحديثِ به (نفط، استثمارات، الجالِيةُ الهنديّة في المملكة العربيّة السعوديّة)، سيتطرٌّق مودي ومضيفوه السعوديّون بطبيعةِ الحال إلى مواضيعَ سياسية. ثمّة موضوعان أكثرُ حساسيَّة من غيرهما: الباكستان والهند.

في مقابلة مع جريدة تايمز أوف إينديا Times of India 1 ، أصرَّ وزيرُ الخارجيّة السعودي عادل جبير أن “العلاقات مع الباكستان لن تكونَ على حسابِ العلاقات مع الهند”. المضمورُ (وإنّما ملمّح له بقوَّة) يقولُ إنّ العكسَ صحيحٌ أيضاً، أي إنَّ توطيدَ العلاقاتِ مع المملكة العربيّة السعوديّة لن يؤدّي إلى الابتِعادِ عن دولة وُصفت على أنها “حليف تاريخي وسيبقى كذلك” في المقابلة عينها. فاستِعجالُ زيارةِ وزيرِ الخارجيّة عادل جبير في شهر كانون الثاني/ يناير إلى إسلام اباد، والتي تلتها بعدَ ذلك بأيّامٍ قليلةِ زيارةُ وزيرِ الدفاع ووليّ وليّ العهدِ الأمير محمد بن سلمان، خيرُ دلالةٍ على أهمِّيّةِ الباكستان في نظرِ المملكةِ العربيّة السعوديّة. وأتَت الزيارتان بعدَ أسابيعَ من رفضِ الباكِستان أن تشاركَ في “التحالف ضدَّ الإرهاب” الذي أعلنَ عنهُ محمد بن سلمان في منتصفِ شهر كانونِ الأول/ ديسمبر.

رغم استيائها الذي فشلَت في إخفائه، فالمملكةُ العربيّة السعوديّة لا تريدُ أن تخسرَ الباكستان الذي رفضَ أن يَتبعَ الرياضَ للمرة الثانية: المرّة الأولى حينَ رفضَ إرسالَ قوّاتِه إلى اليمن ضدَّ الحوثيين، وحين نفى انتسابَه إلى التحالُفِ المكوَّن من 34 دولة إسلاميَّة بقيادةِ المملكةِ العربيَّة السعوديَّة.

سينتهِز رئيسُ الوزراء الهنديُّ هذه الفرصةَ ليلعبَ مع الريا ض الورقةَ التي سبقَ ولعبَها مع أبوظبي منذ ثمانية أشهر وكانت ضربةَ معلِّم ، حين استَحصل على بيانٍ يدينُ الدول التي تستعمِل الدين لدعم الإرهاب، مشيراً بوضوحٍ إلى الباكستان.

ولكن الامتحانَ الحقيقيَّ للعلاقاتِ السعوديّة – الهنديّة يبقى إيران. فلنيودلهي علاقات جيِّدةٍ مع طهران. على أنَّ السعوديّين يميلون في هذه الأيّام إلى تقييمِ مصداقيَّة شركائهم وفقاً لموقِفهم من الجمهوريّة الإسلاميّة (تماماً كما تفعلُ الهند، فيما يخصُّ الباكستان). من المحتَمل أن تضغطَ المملكةُ العربيّةُ السعوديّةُ بوضوحٍ على الهند كي تبتعدَ عن إيران. وإن فعلت ذلك، لوُضِعت الهند في مأزق. فالهندُ بحاجةِ لإيران من الناحِيةِ الاستراتيجيّة، وذلك لأسبابٍ عديدة: لتأمينِ جزءٍ من مواردِها بالغازِ والنفط، للمساهمةِ بتثبيتِ الوضعِ في أفغانِستان في إطارِ الانسحابِ الأميركي، وأخيراً إمكانيّةِ استِعمال مرفأ شهبار الإيرانيّ على بحرِ عُمان، كطريقٍ إلى آسيا الوسطى، ممّا يُخفِّف من حاجةِ كابولَ في اعتِمادِها على الباكستان.

مُكافَحةٌ الإرهاب، موضوع تَوافُقي

عدا عن موقفِ الهند التقليدي بعدمِ التدخّل في الصراعات الدائرة بين بلدين، ثمَّة سبب آخر يَدفع نارندرا مودي إلى عدمِ الانحِياز إلى جانبِ أو إلى آخرَ في الصراعِ الذي يدورُ بين المملكة العربيّة السعودّية وإيران، ألا وهو أنَّ ربعَ الهنود المُسلمين الذين يبلغُ عددُهم الإجمالي 180 مليون، هم من الطائفةِ الشيعيَّة. ولا مجالَ لأيّة وساطةٍ بينَ المملكة العربيّة السعوديّة والجمهوريّة الإيرانيّة، رغم ما يتداولُه الإعلامُ الهندي: فلا رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، ولا الرئيس الصيني كزي ينبنيغ حاوَلا التطرُّق للموضوع، رغمَ أنَّهما قاما بزيارتَين متتاليتَين في شهرِ كانون الثاني/ يناير للعاصمتَين الخليجيّتين. فالعداءُ بين الدولتَين لا يفسحُ في الوقت ِالراهنِ مجالاً لأيّة وساطةٍ كانت.

وعليه، فمن المُفارقةِ بمكانٍ أن يلتَقي الزعيم الوطنيُّ والملك الوهّابي على الأرجح حولَ التعاوُنِ في مكافحةِ الإرهاب ضدَّ الحركاتِ الجهاديّة. ما لا نعرفُه على نطاق واسع هوَ مجالَ التعاونِ هذا موجودٌ وقد أثبتَ جَدواه عندما تمَّ تسليمُ مجموعةِ مشبوهين إلى الهند، من بينِهم أبو جندال الذي تمّ تسليمُه عام 2012، وهو هنديٌّ مُرتبطٌ بهجوماتِ تشرين الثاني / نوفمبر 2008 في بومباي. كما تمَّ أيضاً تسليمُ محمدأسدلله خان (الملقَّبُ بأبي سفيان) إلى الهند، وهو مناضلٌ في مجموعةِ لشكر طيبة2 ، وكانَ قد اعتُقِل في السعوديّة في كانون الأول/ ديسمبر بعد تبادلِ معلوماتٍ بين الهند وبريطانيا. وإن كانت الهندُ على قلقٍ من الخطرِ الذي يشكِّلُه الناشطون الجهاديّون، فنظامُ آل سعود يعرفُ أنّه في مَرتبةٍ مرموقة على لائحةِ أهدافِ تنظيمِ الدولة.

رغم سمعتِه المسانِدةِ لإسرائيل والمعادِيَة للإسلام، يبدي نارندرا مودي عن حذقٍ ديبلوماسيٍّ وعن براغماتيَّةٍ لم تكن على رصيدِه من قَبل، حيثُ أنّه يعتمِدُ على الدولِ المُحافظة في شبهِ الجزيرة العربيّة للمُضيِّ قُدماً في سياستِه. وهو في ذلك يطبِّق وصيَّة كوتيليا3،مؤلِّف الآرتاشاسترا، وهو كتابٌ حولَ فنِّ الحكمِ موجَّهٌ للملوك: “جارُك هو عدوُّك الطبيعي، إنما جارُ جارِك فهو صديقُك”.

# عن الفرنسية، ترجمة أوريان 21

1The Times of India، march 10, 2016

2لشكر طيبة (جيش الأنقِياء في اللغة الأردو) منظَّمة سرّيّة من مُسلِمي الكشمير، تأسّست عام 1987، مقرَّبة من القاعِدة ويتمُّ دعمُها من قِبلِ الباكستان.

3كوتيليا، والمعروف أيضاً تحت اسم شانكايا، كان مستشاراً ورئيس وزراءِ الأمبراطور شاندراغوبتا ( القرن الرابع قبل المسيح). تُنسَب إليه كتابةُ الـ آرثاشاسترا، وهو كتابٌ في فنِّ الحكم (علمُ السياسةِ والاقتِصاد و إدارةِ الدولة وعلاقاتِها مع البلاد الأخرى)