سيرة ملحدين في مجتمع مصريٍّ مشبّع بالدين

رغم أن الظاهرة هامشية جداً، أثار الإلحاد جدلاُ ونقاشات قوية في مصر منذ اندلاع الثورة عام 2011. يبقى من الصعب الإفصاح عن رفض الدين في مجتمع مجبول بالإيمان.

تحاول نون أن تعقد نقابها، لتحجب وجهها. تأتي حركتها مترددة، فتسقط قطعة القماش على وجهها وتغطي عينيها. تنفجر بالضحك : “نسيت كيف أعقد الحجاب. لم ألبسه منذ ثماني سنوات... ثم إنّي لا أستطيع التنفس”.

تعيش نون سافرة الوجه في بيتها الصيفي الصغير. حتى الأشهر القليلة الأخيرة، كانت تستعير نقاب كنتها إن أرادت أن تذهب إلى المدينة. “كنت ألبس ثوباً أسود طويلاً، ونظارات شمسية، كي لا يتعرّف أحد عليّ”. إذ إنّ نون تكلمت أكثر مما يجب، فصرحت على التلفزيون أنها لا تؤمن بقدسية النص القرآني. وهذه جريمة في نظر القانون المصري الذي يعاقب التجديف. ولكن ثمة من تخشاه نون أكثر مما تخشى العدالة: عائلتها. توقف أبناؤها السلفيون لفترة عن محاكاتها. قال بعضهم لابني الصغير: “سننتظر أمك ونقتلها”. تهمس وعناها العسليتان تدمعان : “ولكني لا أريد أن أموت مثل فرج فهودة”، ذلك الكاتب المصري الذي تم اغتياله عام 1992 على يد اثنين من الجماعة الإسلامية التي ساهمت باغتيال أنور السادات عام 1981. وقد تمَّ اغتيال فرج فهودة، ذلك الضمير الحر، لأنه كان يدافع عن دولة مدنية في مصر، منفصلة عن الدين.قبل موته بأيام، كان الجامع الأزهر، وهو المؤسسة الإسلامية الأرفع مصر، قد أصدر فتوى ضده. خلال المحاكمة، اعترف أحد القاتلين أنه أميّ: لم يقرأ فرج فهودة يوماً ولكنه كان مقتنعاً ان الكاتب كان ملحداً، طالما أن الأزهر أصدر فتوى ضدّه. وحين تم الإفراج عنه عام 2012 تحت حكم الإخوان المسلمين، واسمه أبو علاء عبد ربه، برر فعله على قناة العربية التابعة للمملكة العربية السعودية، قائلاً : “عقاب المرتدِّ الموت، حتى ولو تاب”.

تتلقّى نون عدة تهديدات من هذا النوع بشكل يومي تقريباً، من خلال الأنترنت. وهي حذرة جداً فيما تنشره على شبكة التواصل، تحرص على إخفاء هويتها، وعدم التصريح بهويتها أو هوية المقربين منها. وينكسر صوته المرأة الخمسينية خلف ضحكتها المحرجة، حين تتذكر: “بعد البرنامج التلفزيوني، توقف الجميع عن التكلُّم معي، ما عدا أمي وأبي. حتى أصدقائي الذين يعتبرون أنفسهم منفتحين، اختفوا. بتُّ وحيدة”. وحدة تشعر اليوم بوطأتها.

“ظننت أنني مجنونة”

شبَّت “نون” في عائلة محافظة من الطبقة الوسطى. “تقوم أمي بفرض الصلاة كل يوم، ولكنها أيضاً تقوم بصلوات إضافية.” بدأت بوضع الحجاب في الرابعة عشر من عمرها، والنقاب في الإثنين والعشرين. وبعد أن درست الطب، تزوجت من رجل شديد التدين، وتوقفت عن العمل. تتذكر وهي جالسة على شرفتها المشمسة: “كان الدين محور حياتي اليومية، الصلاة والواجبات. لم أكن أسيطر على شيء في حياتي”. ثم تتابع : “ذات يوم، رفع زوجي يده علي. اشتكيت إلى والدي الذي نصحني بالتغاضي، وقال لي إن القرآن سمح للرجل بضرب زوجته. كنت أقرأ القرآن كل يوم، ولم أنتبه أبداً لهذا المقطع، فبدأت بقراءته بطريقة مختلفة وبدأت بالتشكيك.. وبدأ تدينها بالتراجع.”القرآن مليء بالأخطاء والأقوال التقريبية، بالتناقصات التي تخالف الاكتشافات العلمية والمنطق والحقوق الانسانية“. حافظت بداية على الصمت:” لفترة طويلة ، ظننت أني أصبت بالجنون لأني فقدت إيماني“. بعد خمس سنوات من الشك والتساؤل، بات الكذب ثقيلاً. فأسرّت لزوجها بالأمر، على أمل أن تقنعه أن القرآن كتاب انساني. فطلب الطلاق. وخلعت الحجاب.” كان ذلك صعباً جداً. اضطررت للبحث عن مأوى، وعن وسيلة للعيش، وأن أبدأ من الصفر".

كالكثيرات من النساء المصريات، لم تعِش “نون” يوماً لوحدها. انتقلت من بيت أهلها إلى بيت زوجها. لكي لا تفقد أبنائها، فهي تتفادى الصدام :“حين نلتقي عند أمي يوم الجمعة، لا نتحدث لا في السياسة ولا في الدين”. فنون لا تحب أن يقال عنها أنها ملحدة، وهي تؤكِّد: “الله ليس مشكلتي، أنا لا أسائل الله. ولكنى متأكدة ان الكتب السماوية، كالاناجيل والقرآن، هي نصوص إنسانية. وأنه يجب أن نكف عن اتباع النصوص وكأنه كلام الله”. وهذا موقف غير مقبول في المجتمع المصري المعاصر.

حملة يقودها النظام

في 2009، قام المعهد الأميركي غالوب Gallup بإحصاء في 114 بلد، دار حول دور الدين في حياة المواطنين اليومية. تأتي مصر في رأس اللائحة، بالمساواة مع افغانستان والمملكة العربية السعودية. يشير الدين إلى مرتبة الفرد الاجتماعي والقانوني للمصريين. فالانتماء الديني مسجل في الأوراق الثبوتية للأفراد، ولا خيار في ذلك للمواطنين. والمواطنون يولدون مسلمين (95% من السكان)، مسيحيين أو يهود، ولا يستطيعون تغيير دينهم بسهولة. فمن المستحيل إذا تقدير عدد الملحدين. يحكى عن مليوني ملحد من المصريين. وقد قامت دار الإفتاء، وهي المؤسسة الحكومية المعنية بالشؤون الدينية، بإحصاء 886 ملحد، أو ما يعادل 0.001% من الـ 87 مليون مصري.

ومع ذلك أصرت الحكومة على إطلاق حملة ضدهم. ويشرح أحمد تركي، المسؤول عن هذا الملف في وزارة الأوقاف : “ليست المشكلة بعددهم. المشكلة هي أن الإلحاد يقسم العائلات والمجتمع”. وهو يضع اللائمة في تفشي الإلحاد بين الشباب على عاتق الإخوان المسلمين الذين طردهم الجيش من السلطة عام 2013. “لقد استخدموا الدين من أجل ممارسة السياسية. وحين رأى الشباب ذلك، ابتعدوا عن الدين. هدفنا هو الإحاطة بحركة الرفض هذه”. بدأت هذه الحملة مباشرة بعد الانقلاب، وكثيرون يعتقدون أن الحكومة تريد أن تكتسب صورة دينية بأقل كلفة ممكنة، وأن تضع في النسيان إمساكها المستبد بزمام السلطة. إلا أن الموظف يتكلم بضبابية، حين يأتي الحديث إلى الآلية العملية لهذه الحملة: “بدأنا باستكشاف حاجات الشباب. سنبدأ بالمرحلة الجديدة لهذه الحملة في غضون هذه السنة. سنذهب إلى المدارس والجامعات, لنشرح لهم ما هو الدين. لا نقوم بعمل سياسي، إنما بالوعظ”. لإتمام هذه الحملة، استعانت الحكومة بجامع الأزهر وبالكنيسة القبطية.

أطاحت ثورة 2011 بحكم الرئيس حسني مبارك، إنما لم تتمكن من الإطاحة من بنى الحكم المصري، ولا من أسسه الدينية. فتبعاً للمادة الثانية من الدستور، تشكل الشريعة مصدر التشريع الأساسي“، وهو تعبير أدخله الرئيس المصري أنور السادات عام 19801 . إلى أن الربيع العربي والمطالب التي يحويها تركت آثارها في مصر. فتوسَّع النقاش حول الإلحاد، وتشكلت مجموعات على الشبكات الاجتماعية وفي المجتمع المدني. وبدأ بعضها من العلمانيين بالمطالبة بفصل الدين عن الدولة، وبالاعتراف بحرِّيّة الضمير بما يذهب أبعد من الخيار الضيِّق بين أهل الكتاب.

“وشم صليب لا أستطيع أن أمحيه”

إلا أن ألبير صابر، وهو مناضل ملحد لاجئ في سويسرا، يرى أن القمع من قبا السلطات الرسمية أقوى من ذي قبل: “حكم مبارك، لا أتذكر سوى حالة كريم عامر، وهو مدوِّن عمره 22 عاماً، حكم عليه عام 2007 بالسجن لثلاث سنواتـ بتهمة الإساءة للدين”. وقد وثّق في عام 2014 وحده ما يقارب 15 حالة انتهاك لحقوق الإنسان تجاه الملحدين في مصر. تم الحكم على ألبير بالسجن لثلاث سنوات بتهمة الإساءة إلى الدين في كانون الأول / ديسمبر عام 2012، وكان الإخوان المسلمون في الحكم. كان الشاب الثلاثيني آنذاك ينتقد الدين في مدوِّنته. في أيلول/ سبتمبر 2012، نشر في مدونته فيديو من المفترض أن تكون إعلانا لفيلم معادي للإسلام، وعنوانه “براءة المسلمين”. سرِّبت الفيديو قبل الفيلم بساعات وأثارت مظاهرات عنيفة في العالم الإسلامي أدت إلى مقتل السفير الأميركي في ليبيا. تم الهجوم على السفارة الأميركية أيضاً. في اليوم التالي، كان حشد غاضب من الناس بانتظار ألبير خارج بيته. ساعدته الشرطة على الخروج، إلا أنه تعرّض للضرب في مقسم الشرطة، وتمَّ توجيه تهمة الإساءة للدين. “أخذوا كمبيوتري، تلفوني الجوّال، تفقَّدوا أغراضي، ووقعوا على مقالات تنتقد الدين كنت قد نشرتها على الانترنت”. وقبل محاكمته أمام محكمة الاستئناف، تمكن ألبير من الهروب إلى سويسرا، حيث يعيش اليوم بصفته لاجئ سياسي.

في عام 2011، بعد الثورة ببضعة أشهر، باشر الملحدون بالتعبير عن آرائهم. وأرادوا الضغط في صياغة الدستور الجديد. باءت محاولتهم بالفشل: تنص المادة رقم 2 أن “الشريعة هي المصدر الأساسي للقانون”. ولكن الحركة كانت قد أطلقت، وتصاعدت النقاشات على الشبكات الاجتماعية، وكثيرون طالبوا بحرية المعتقد وبفصل الدين عن الدولة. بعض البرامج التلفزيونية نظمت نقاشات، غالباً ما كانت كاريكاتورية، بين رجال الدين والملحدين. وغالباً ما كانت النقاشات تصل إلى طريق مسدودة، وطالب مقدّم أحد البرامج بقتل “الكفار”.

ألبير ينحدر من عائلة مسيحية. بدأ يفكّر بمعنى انتمائه الديني حين كان في سنته الجامعية الأولي من دراسة الفلسفة. ويشرح لنا من شقته في نوشاتيل: “بدأت أقرأ الصحف انفتحت على أفكار أخرى. اكتشفت أني مسيحي لأن أهلي مسيحيون. لو كان أهلي مسلمين، لكنت مسلماً. لم أختر ديانتي. وقررت أني أريد أن اختار الدين ، تبعاً لقناعاتي”. وانصرف لقراءة القرآن، والإنجيل والتوراة، وكان يبحث عن جواب عقلاني وعلمي للأسئلة التي كانت تتراكم في رأسه من كثرة المطالعة. ولم يجد شيئاً من هذا. “لم أكن أعرف حتى أن الإلحاد موجود. ولكني، بعد أربع سنوات اكتشفت ان الديانات كلها هي قصص تمَّ تأليفها”. وحين يشير ألبير بيديه ليؤكد قولاً ما، ننتبه إلى صليب مدموغ في معصمه، وهو وشم غالباً ما يحمله أقباط مصر إشارة إلى انتمائهم. يهزَّ بكتفيه قائلاً: “لا أعرف كيف أمحيها. لم تعد تعني لي شيئاً”.

إلا أن بعضهم يرفض الصمت، رغم أنهم يعرِّضون أنفسهم للخطر. كما أن القنوات التلفزيونية، التي تشغف بنقاشات من هذا النوع، تدعو دون حرج الى النقاش مع رجال الدين. في معظم الأوقات تكون هذه النقاشات غير متوازية وأشبه بمهزلة. ساهم أحمد حرقان بالعديد من هذه البرامج. وحتى أنه ترك أحد البرامج، تحت وابل من الشتائم من مقدِّمة البرنامج التي صرخت أنها لا تريد “خارجين عن الدين في برنامجها”2 . أما هو، فيكمل نشاطه من خلال برنامج خاص به على تلفزيون الشبكة العنكبوتية، FreemindTV. يشرح وجهة نظره قائلاً: “الوضع في المنطقة سيء بسبب الدين. هدف قناتنا إعطاء وجهة نظر جديدة في المشهد الإعلامي في الشرق الأوسط. فالإعلام يتكيف دائماً مع فكر الأكثرية هناك قنوات تخضع للسلطة، التي تستعمل الدين لتسيطر على الشعوب، والقنوات الأخرى تجارية، وهذا يعني أنها تتبع وجهة نظر الأكثرية. نحن نحاول أن نقوم بشيء آخر”.

والد أحمد سلفي متطرِّف. يعترف قائلا: “كنت أنا أيضاً سلفياً”، وهو يشير بيده إلى لحية وهمية ويقطب حاجبيه فوق عينيه الماكرتين. ويتابع: “أخذ التغيير وقتاً. حتى اليوم، أشعر أني لم أنته. لقد أثر الدين في حياتي إلى درجة أني لن أخرج نهائياً”. وتعلن زوجته عن ارتياحها: “كان التشكيك يراودني دائماً وكنت أشعر بالذنب. اليوم أستطيع أن أقول وأفعل ما أريد دون أن أشعر أن قوّة وهمية تراقبني من فوق، ودون أن أخشى أن أتنهي في الجحيم”. وقاطعتها عائلتها المسلمة منذ أن أخبرت أهلها أنها خلعت الحجاب لأنها لم تعد تؤمن بالله.

الشرطة تسهر على الأمان الأخلاقي

كلاهما دفع باهضاً ثمن قناعاته. في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2014، ساهم أحمد في برنامج تلفزيوني على القناة الخاصة القاهرة والناس. شرح فيها الشاب أن تنظيم الدولة الإسلامي لا يقوم سوى بتقليد ما كان النبي والصحابة يقومون به في بدايات الفتوحات الإسلامية. بعد البرنامج بأيام قليلة، تعرَّض أحمد وزوجته للضرب في الشارع. لجآ إلى مخفر شرطة قريب. ولكنهما هناك أيضاً، لم يكونا بأمان. رفضت أن تفصح عن ديانتها للضابط، فضربها. كانت حاملاً، وفقدت جنينها بعد ذلك بأيام.

“هذه فرصة تنتهزها الشرطة لتبدي أنها تعمل مصلحة الشعب. فالناس يعارضون الإلحاد، لذلك فحين يرون الشرطة تتصرف بقسوة مع غير المؤمنين، يعتبرون أن الشرطة تضمن الامان الأخلاقي”. هذا ما تلاحظه فاطمة سراج، وهي محامية مختصة بالدفاع عن حق التعبير. تضم جمعيتها ما يقارب 30 ناشطاً. لا يستطيعون أن يحصوا كل حالات العنف ضد الملحدين. غالباً ما يقوم الأهل أو المقربون بالإفصاح عن هذه الحالات. وقد تصل العقوبات بحق الملحدين إلى السجن لمدة ثلاث سنوات. تسمح المادة 98 من قانون الجنايات المصري بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة التجديف. وتلاحظ المحامية أن قانون التجديف هذا لا يستعمل فقط ضد الملحدين، ولكنه يستعمل أيضاً ضد الشيعة أو البهائيين، وهي أقليات دينية لا تعترف فيها الدولة المصرية3.

أحياناً، تأتي تهمة الإلحاد كانتقام شخصي أو قمع من قبل الحكومة لمعارضي النظام العسكري. وهكذا نزلت الشرطة في كانون الأول/ ديسمبر وأقفلت أحد المقاهي في وسط القاهرة. وكان المقهى الذي أوشِيَ عنه على أنّه مرتع للملحدين، مكانا لقاء أعضاء حركة 6 أبريل التي كانت ناشطة خلال ثورة 2011، والتي تنظر إلها الحكومة بريبة. وإن تمَّ الحديث عن المتهمين على أنهم ملحدين وليس على أنهم معارضين سياسيين، يخف دعم الرأي العام لهم.

تنزل نون إلى الماء وهي تضحك، قائلة: “كنت أخاف من الغرق بالنقاب. كانت السباحة صعبة علي. وحين نسألها هل تندم على صراعها العنيف، تهزٌّ رأسها للنفي:”من الصعب العيش بشخصيتين. لا يمكن أن نكون سعيدين". كم منهم يكتمون مع ذلك قناعاتهم، لأنهم لا يستطيعون التعبير عنها بدون خوف في المجتمع المصري؟

ترجمة أوريان 21

1تنص المادة 2 من الدستور المصري عام 1971 أن” الشريعة هي إحدى مصادر القانون المصري“قبل أن تصبح”المصدر الأساسي" للتشريع، وذلك على إثر التعديل الدستوري عام 1980

2.2015برنامج صباح العاصمة، تشرين الثاني/ نوفمبر

3Hossam Bahgat, Criminalizing Incitement to Religious Hatred Egypt Case Study, OHCRH, S. D.