في فَنِِّ المُفاوَضة وفي الحربِ في سوريا

ما الفائدةُ منَ الديبلوماسيّة؟

يؤكِّدُ إطلاقُ مُفاوضاتِ جنيف ثم تعليقُها بشأنِ سوريا، دون ضمانٍ بخصوصِ استِئنافها لاحِقاً، أنَّ الدبلوماسيَّة ليست لعبةً بسيطة. فالاتِّفاقُ حولَ الملفِّ النوويِّ الإيرانيِّ استغرقَ عشرَ سنواتٍ قبلَ التوصُّل إلى اتِّفاق. ولكن، هل من سبيلٍ أفضل؟ ورغمَ الصعوباتِ وعذاباتِ الشعبِ السوري، هل من مسارٍ آخرَ لإيقافِ المجازر؟

التفاوضُ قديم قِدم العالم. بداهةٌ أضحَت قيدَ النسيان، إذ إنّنا توقّفنا تقريباً عن التفاوُض على كلِّ شيء باستثناء التجارة. وتبدو المُفارقة ثقيلة المغزى: لقد كانت المفاوَضات الديبلوماسية أكثرَ زخماً في زمنِ الاستِقطاب، حتى في أحلَك أيّام الحرب الباردة، منها في الفترة التي تلَت الاستقطاب والتي تدوم منذ أكثر من ربع قرن. لقد فقدَت القوى “الغربيّة” في الواقع المِراس في هذا المجال، واعتبَرت نفسَها موضعَ الحكم، لا بل موضعَ قوى مُهيمنة راعية تفرض حلولَها على المُتعاركين، في مسار يتمُّ فيه اللجوءُ إلى القوّة لتكمِلة الحلِّ أو فرضِه، إن استلزم الأمر.

أدّى فشلُ المحافظين الجدد الذريع ليقرّر غيرَما ذلك. نُدينُ لباراك أوباما إدراكَه لتعقُّدِ اللعبة الدوليَّة الراهنة، بحيث أنه لن يُكتب الاستمرار لهذه اللعبة إلّا بإعادةِ ابتِكار التفاوض. منذ بداية عهدِه، حاولَ أن يعيدَ إنعاشَ هذه الفكرة بين الفلسطينيين واسرائيل، وأخفقَ تماماً في ذلك. إذ باتَت شؤونُ الأممِ بعيدةً عن نموذجِ الاصطِفاف الحصري: لم يعدْ للأخ الأكبرَ الهيبة نفسها على الأصغر. فبدأ التأمُّل طويلاً بهذا الدرس. كان الحصول على النتائج متفاوتَ الصعوبة فيما يتعلّق بالتفاوض مع روسيا حولَ الأسلحة الكيميائيّة السورية، مع كوبا، ثم في هندسةِ الـ 5+1 مع إيران، إلّا أنَّ التجربة كُلِّلت بالنجاح، وعادت حرفةُ الديبلوماسيَّة العتيقة إلى نشاطها.

مسارٌ غالباً ما يكونُ طويلاً ومُتخبِّطاً

لا تخلو إعادةُ الابتِكار هذه من المجهول، وهذا أضعفُ القولِ في هذا الصدد. وبدَت المفاوَضات حولَ الحربِ في سوريا باهتةَ الملامح ، منذ اليومِ الأوّلِ الذي افتُتحت فيه في جنيف في بداية شهر شباط/ فبراير الجاري. ما إن ابتدأت حتى تمَّ تعليقها. فتواكَبت على العكس مع احتِدام للمعارك، في حين كانت تهدِف إلى انخراط الفرقاء في مسار سلميّ. تشاتَم الفرقاء ، رفضوا الجلوس على نفسِ الطاولة، أعلَنوا عن رفضِهم التامِّ لبعضهم البعض. وفي هذا الشأن، أعلن وزيرُ الخارجيَّة الفرنسي أنَّ التفاوض مستحيلٌ حينما يقتلُ فريقٌ فريقاً آخر. أوَليس هدفُ المفاوضات هو بالتحديد وضعَ حد للقتل؟ في هذا الجوِّ العكِر، تغيبُ بعض البداهاتِ عن الذاكرة... يتمُّ بالأخص تجاهلُ العلاقة المعقّدة بين العاملِ الزمنيِّ والمفاوَضة. فلنتذكر : تطلَّب توقيعُ معاهدة البيرينيه traité des Pyrénées وقعت معاهدة االبيرينيه1 خلالَ حربِ إسبانيا ثلاثَ سنوات 1659). واستَغرق الوصول إلى معاهدة السلام في وستفاليا traité de Westphalie (1648) سبعةَ أعوام، وقيلَ أن هذه المعاهدة أَولدت خارطةَ أوروبا الحديثةَ ونظامَنا الدولي المعاصر2.في مرحلةٍ تاريخيَّة أقرب إلينا، محادثاتُ فيتنام التي دامَت أكثر من خمس سنوات. فالتفاوضُ يبدو أكثرَ سهولة بعد توقيعِ الهدنات، وأكثرَ صعوبة إن لم يتمَّ التوصُّل مسبقاً إلى وقف إطلاق نار. في هذا الحال، تبدو الهدنة حلقةً أكثر منها إجراءً، تتخلَّلُها فقراتُ انقطاعِ وإعادةِ تواصل، وأبوابٌ تُطرق، واتِّصالات غير رسميَّة، في الخارج وغالباً في أمكنةٍ أخرى. تهيِّء للسلم، ولكنَّها أيضاً تغذَّي الحرب، والتواصل، والذمَّ، والبحثَ عن المصلحة ِالأحاديَّة الجانبِ أوعن المزايدةِ الإعلاميَّة.

ولا ننسينَّ أنَّ الكلمة تعيدُنا بمعناها إلى التجارة، وعمليَّة المساومة، وهي مُمارسات مُنتشرة في كلِّ الثقافاتِ التي لا تَحيا إلا بنفخِ الهبّاتِ الباردةِ والهبّاتِ الساخنةِ، وحيث يُحسبُ حسابٌ كامل للتهديدِ والغضب المُفتعل أو الفعليّ، والمُخادعة والإبهار. ليسَ من ربحٍ مُسبقٍ لأيّةِ مُفاوضةٍ كانت (والفلسطينيّون لهم باعٌ في ذلك)، ناهيكَ عن المفاوضات الشتّى التي تُسفِر عن نتائجَ مُركَّبة تهيِّء لحروب أخرى. ولكنَّه من المؤكَّد أيضاً أنه لم يتمّ إنهاءُ أيِّ صراعٍ كان دون مُفاوَضات جرَت محفوفةً بمخاطرِ المجهول. ملاحظةٌ تصلحُ خاصّة في المجال الدولي، حيثُ ما من سلطةٍ مُشكَّلة تستطيع أن تحلَّ محلَّ مُفاوضين مَغلوبين على أمرهم: فالسِلم يُبنى على إرادات مُشترَكة أو لا يُبنى.

الدفعُ باتِّجاهِ المصالح المُشترَكة

ولا شكَّ أنَّ الشَّوط الديبلوماسيَّ الذي افتُتِح حولَ سوريا من أصعبِ ما يكون. فمبدأُ المفاوضة نفسُه يقوم على تقريبٍ ملحوظٍ بين مصالحِ الفرقاءِ كي يقتَنِعوا أنَّه ما من عقلٍ وما من نتيجةٍ في مُتابعةِ الصراعِ الذي انخرَطوا فيه. تلك قاعدةٌ معروفةٌ وكونيَّةٌ تنطبقُ في كلُّ حالاتِ العداء، مهما تمعَّنَ المؤرِّخُ في الزمنِ غابراً ، فنجدُها تنطبِقُ في الحروب التي نَشبت بين المدنِ السومرية في الألفيَّة الثالثة قبل المسيح. على أنَّ مسارَ المفاوضة يفترِض اكتِمال شروط ثلاثة كي يؤدّي إلى نتيجة: أن يتمَّ جمع الفرقاء، وأن يتمَّ التأكُّد من إرادتهم السياسيّة بالوصول إلى حلَّ، وان يكون في اليد بنودٍ مُمكِنة لاتِّفاق ما.

يبدو الشرط الأوَّل صعبَ التوفير بحكم الطبيعة الجديدة لنشوبِ النزاعات. فهي تولِّد أشكالاً جديدة من مُجتمَعات حربٍ تعتاشُ من ديمومةِ الاحتراب. في وقتٍ ما من الزمن، تجد كلُّ دولةِ مصلحةً ما في إيقاف حرب تقليديّة تَغدو مُكلِفة دون أن تَدُرَّ الأرباحَ المُرتَقبة. بالمقابل، فالميليشيات التي تَستديم من الاحتراب وتَهدف إلى استِنهاض أنصارِها أكثر ممّا تسعى إلى السلطة بحدِّ ذاتِها، فهي لا تجدُ أيَّة مصلحةٍ لإنهاءِ الحرب بشكلِها الحالي. هؤلاء هم “مُقاولو العنف” ويشكِّلُ تنظيمُ الدولةِ الإسلاميّة نموذجَهم الأصليّ، يهدِفون إلى احتِراب يحلمون بتغذيتِه عن طريقِ استِفزاز القوى الغربيَّة التي تَنساقُ إليه بسذاجة. لا يَخطُر على البالِ دعوةُ تنظيمِ الدولة على طاولةِ المفاوَضات، ولكنَّ التنظيمَ نفسّه لا يفكِّر بالموضوع. فهل يمكنُ لمفاوَضات مَنقوصةِ المعطيات ومُختلَّةٌ توازناتُها أن تأتي بنتيجة ؟ الجوابُ بلا إنْ كان الهدفُ منها سلماً شاملاً ؛ إنَّما إن كانَ الهدفُ تبسيطَ الصراع، فالجوابُ بنعم، على أنْ يتمَّ توضيحُ هكذا هدف.

ويُشكِّل الشرط الثاني، أي الإرادة السياسية لدى الفرقاء للتوصُّل إلى ترتيب ما، فصلاً أكثر تعقيداً. فأيّة مفاوضة كانت تستمدُّ محفزَها من قدرة كلِّ فريقٍ على تعزيزِ وضعِه في المساومة. لذلك فالمفاوضةُ لا تنفصلُ أبداً عن الصراع، لا بل وببساطة تعزِّزه. فلا تنجعُ المفاوضات إلّا إذا وضعَ مختلفِ الفرقاء نفسَ الإرادة في لجم اقتِتال يرون في وقفه مصلحةً مُماثلة. في الحالةِ المعاكسة، نكونَ دخلنا في منطقِ استِسلام... يبدو توازنُ القوى المسلَّحة مُختلّاً بين الفرقاء، والسلطاتُ الغربيّة وقَعت في الفخِّ الذي نصبته بنفسِها: فقد رفضَت المفاوضةَ مع بشار الأسد في بداية الحرب، إذ راهَنت على رحيلِه الوشيك. وها هي تذهبُ الآن إلى طاولةِ الحوارِ في وقتٍ تعزَّزت في كلُّ فرصِ الرئيس السوري لكسبِ المعركة على الأرض، لا سيَّما بدعمِ حليفه روسي. مما يُعطي الثنائيَّ الرابح مجالاً للمُماطلةِ وإعطاءِ الأولوِيَّة للمعركةِ، مضيِّقةً بذلك هامشَ المفاوضةِ لدى الفرقاء الآخرين.

دبلوماسيّة القوَّة

هنا تدخلُ الديبلوماسية، لتأتي من خلفِ الكواليس بذلك الذي يُراهِن على القوّةِ إلى نقطة تجعلُه فيها يفضِّلُ المفاوضة. كان هذا الأسلوبُ دارجاً في حقبةِ الاستقطاب (مما يفسِّر النجاح النسبيِّ للمفاوَضة حينذاك): كانت القوّتان الأعظم تقومان بهذه الوظيفة، إذْ إن مصلحة كِلَيهما آنذاك كانت تَقضي بالحؤول دونِ تدهْورِ الصراعات. فقدَت تلك الفضيلةُ من فاعليَّتها في أيَّامنا: وكما رأينا، فالكبيرُ فقد قدرتَه على إقناعِ الأصغر؛ وأهمَّ من ذلك، فالدبُّ الروسيُّ يهدف إلى تثبيتِ قوَّتّه أكثرَ مما يهدفُ إلى تهدئةِ لعبةٍ فقدَت من زخمِها الدراماتيكي الغابر. هنا يظهرُ عاملان مجهولان مُهمّان يرتبِطُ بهما مُستقبلُ المفاوضات. العاملُ الأوَّلُ يَحملُ تساؤلَيْن: سيحوِّل بوتين سلطةَ سياسيَّة-عسكريَّة تمَّ تثبيتُها إلى سلطةٍ ديبلوماسيَّة عليه إظهارُها؟ هل حصلَ الغرب على العِقابِ الموعودِ أو أنَّه وجبَ عليه أن يتحمِل الإهانةَ مرّةً أخرى؟ والعاملُ الثاني أكثرُ إثارة للقلق: هل تبني موسكو لعبتَها على حلفٍ من الواضح أنّه رابحٌ في الشرق الأوسط (روسيا، إيران، نظام دمشق، حزب الله) في مواجهةِ غرب لا حليفَ له عمليّاً، أم أنّ هدف موسكو الأوّل هو الإحاطةُ بخطرٍ إسلاميٍّ تريدُ التخلُّص منه؟ من المؤسف أن يبقى الشرق الأوسط دائماً وأبداً رهينةَ استراتيجيّات آتيةٍ من الخارج. والطريقُ ضيِّقةٌ أمامَ القوى القديمة التي لا تزالُ تفترِضُ وجودَها ضروريّاً لعقد السلام، والتي لا تعرف إلّا أن تتنازَعَ في تلك المنطقة، ممّا يُعقِّدُ اللعبة باستِمرار. فدورُ الوسيط يفترِض نوعاً من نُكرانِ الذات الذي لا يتّفقُ لا مع المفاخرات ولا مع الاصطِفافات المُسبَقة: إلّا أنَّ القوى الغربيَّة دخلَت في هذه اللعبة دونَ سابقِ تفكيرِ وهدرَت كلَّ أوراقِها الرابِحة في أيّام قليلة.

ضرورةُ ترتيبِ الأولويّات

الشرط الثالث يجد هنا أيضأ ما يقوِّضُه بشدَّة. تكون ظروفُ الدخول في مفاوضة ما مؤاتيةً حين ينطلقُ المزادُ من بدايةٍ معقولة. لذا فالقولُ، منذُ البداية، إنَّ لا شيءَ ممكنٌ دونَ رحيلِ الديكتاتور يُعقِّد الأمور إلى أقصى حدّ. وكأنّنا نجعلُ من نتيجة مُحتَملة شرطاً مُسبقاً يُجمِّد المفاوضات ويَجعلها دونَما غرض تتمُّ المساوَمة حوله. كما أنَّ لا أحدَ يفكر بجدٍّ بإمكانيَّة إعادةِ تقسيمِ المنطقة: فزمن سايكس-بيكو وتقسيمُ الهند ببركةِ اللورد ماونتباتن قد ولّى3. وحين يَبقى كلُّ من الفرقاء في إطارِ خارطة ثابتة ويُعلن كلٌّ منهم أحقِّيَّتَه في إحداث تطوًّرٍ داخل النظام، فهم يَحرمون أنفسَهم من الحطبِ الذي على نارِه تُطبخ أيَّةُ مفاوَضة كانت. ممّا يقودُ الجميع، بردَّة فعلٍ هي الأخرى من إرثِ الحربِ الباردة، إلى الأملِ أنَّ التقاربَ الروسي- الأميركيِّ سيُولّد بحدِّ ذاتِه الطاقةَ اللازمةَ لحلٍّ وسط يكونُ ذا مضمون.. إلّا أنَّ هذا الزمن يرجعُ هو الآخر إلى ماضٍ قد ولّى: فالفاعلون المحليّون يحتفِظون بأساسِ المبادرة.

أمّا من شيءٍ ننتظره إذاً من هذه المفاوضات؟ فلنتجنّب اللِّحاق برِكابِ المُتشائمين. في ظروفٍ استَدارَ فيها الرأيُ العامُّ عن الشأن السوريّ لانشِغاله بأمورِ الفيفا وفسادِها، اعتمدَ مجلسُ الأمن في الأمم المتحدة في كانون الأوّل الماضي قرارَيْن متعلِّقَيْن بسوريا. لطالَما كانت تلك الخطوةُ محطَّ انتظارِ وعجزُ مجلسِ الأمن محطَّ انتِقاد بعدَ أربعةِ أعوامٍ من بدايةِ الصراع في سوريا: وعليهِ، ليسَ من نافلِ الأمور أن يُصبحَ المجتمعُ الدولي قادراً على التعبير عن رأي. علينا ألا نُقلِّل من بدايةِ الديناميكية السياسيّة هذه. بشرطِ أن نحترمَ احتِياجات المُفاوَضات الحقيقية. والأهمُّ من ذلك أن نفتحَ عيونَنا على ماهيّةِ العلاقاتِ الدوليّة الجديدة، وعلى العالم الذي لم يعد مُمكِناً حبكُه خلف كواليس مؤتمر فيينا4.

عن الفرنسية، ترجمة هناء جابر

1(1656) على إثر حرب إسبانيا (1656-1659).

2ختمت معاهدة وستفاليا (1648) حرب الثلاثين عاماً ، وهي مجموعة حروب مزقت أوروبا بين 1618 و1648، لأسباب اجتماعية ودينية.

3كان اللورد لويس ماونتباتن المندوب السامي البريطاني في الهند حين تمَّ تقسيمها عام 1947.

4مؤتمر جمع في فيينا ممثِّلي القوى الأوروبيّة الكبرى ، على إثر هزيمة نابوليون، من 18 أيلول/ سبتمبر 1814 إلى 9 حزيران/ يونيو1815 ، من أجل صياغة وتوقيع معاهدة سلام يتمُّ على إثرها تحديدُ نظام أوروبي سلم.