قتلُ الآخرين وقتلُ الذات

هَجَمات باريس

يؤسِّس عنفُ مُرتَكِبي هجَمات باريس الشبان لهويَّةِ بطلٍ عصري تَرفَع من شأنِ حاملها، تتميَّزُ برومانسيَّةٍ حربيَّةٍ تُساهِم وسائلُ التواصُل الاجتِماعي بتشكيلِها في سياقٍ أوروبِّيٍّ من تَعَصُّب عُنصُري وانسِداد المُستقبَل أمامَ جيلٍ شابٍّ بكاملِه. هويَّةٌ يستردُّها تنظيمُ الدولَةِ الإسلاميَّة ويوظِّفُها لمصلحَتِه مقدِّماً لها فضاءً مَلموساً يُمكِّنُها أن تتجسَّد فيه.

الأكثرُ إرباكاً في المجازِرِ المُرتَكبَة في باريس أنَّها تصدرُ عن عُنفٍ حَميمي. هذا ما نَجهدُ في فِهمِه ويَشغلُنا. ومن شأنِ البحثِ عن شرحٍ يستنِدُ إلى اختلافٍ الآمرين أو المنفذين، موعِزاً بتغيير في استراتيجيّة منظَّمة الدولة الإسلاميّة أو في الصور النمطِيّة للمجرمين، أن يوجِّهنا في الاتِّجاه الخطأ.

من بابِ المفارقة، إنْ كانَ هناك دلالةٌ ما للأهدافِ المُنتقاة، فهي تكمنُ في انعِدام المعنى المسبَق لاختِيارها. فالأهداف لا تُحيلُ إلى أي غايةٍ تُفهمُ مباشرةً، مما يتعارَضُ مع فائضِ الأهدافِ التي تعتمِدُ منطقاً تمرُّدِيّاً أو “إرهابِيّا” أكثرَ تقليديَّةً: رموزُ الدولة، بنى تحتِيَّة استراتيجِيَّة، مواقِعٌ سياحيّة، أمكنةٌ يسهلُ ربطُها بطبقةٍ اجتماعِيَّةٍ مُعَيَّنة، أو منشآتٌ ترمزُ إلى حرِّيةِ التعبير، إلخ. هنا، للمفارقة، فالأهدافُ تصدمُ بعادِيَّتِها. هي تتعلَّقُ بحياةٍ يوميَّةٍ عاديَّة كانَ بوسعِها جيِّداً أن تكونَ حياةً المنفِّذين أنفسِهم. يجدرُ بالذكر أنَّ عدداً من الضحايا ينتَمون إلى طبقةٍ اجتماعِيَّةٍ هي نفسُها طبقةُ المنفِّذين. فأمكنةٌ مثل مدرَّجِ فرنسا ومَلهى الباتكلان، ومطعمٌ رائجُ الصيتِ دونَ تكلُّف، تجتذِبُ زبائنَ من الضواحي بقدرِ ما تجتذِب الباريسيّين، هذا إن لم نقلْ أكثر. وإن كانَت جادة الشانزيليزيه بمنأى عن الهجَمات، فقد تفسِّر مكانتُه الهجينةُ غيابَه عن لائحةِ الأهداف: فهوَ مقصدٌ رئيسيٌّ لأبناءِ الضواحي في نزهاتِهم الباريسيّة بقدرِ ما هو رمزٌ للدولةِ وموقعٌ سياحي. غيابٌ ليس من شأنه إلا أن يُعزِّز عبثيِّة الهجمات المُحيِّرة.

في العمق، إنَّهم القتلةُ يقتلون أنفسَهم. فهم يستهدِفون أمكنةَ استهلاكٍ رائجةٍ كانَ بوسعِها أن تكونَ أمكنتَهم في ظروفٍ أخرى، في “حياةٍ سابقة”. وهم يهاجمون منظومةَ قيمٍ كانت قيمَهم دونَ شك، قبل تطرُّفِهم الخاطفِ الذي يقودُهم إلى التمايُز، قبلَ كلِّ شيء، عمّا هو أليفٌ بالنسبة لهم. فجوهرُ الأمرِ إذاً يتعلَّقُ بعنفٍ عضويٍّ وانحِلالي، وليسَ “باستراتيجية” صمَّمَها أميرٌ ما في الشرقِ الأوسط. العنفُ هذا، الموجَّه من النظيرِ ضدَّ النظير، هو ما يولِّدُ شرخاً داخلَ المجتمع : يغدو كلُّ شيءٍ ممكناً في مستوى جُرِّدَ إلى هذا الحدِّ من السياسة، لا شيءَ فيه ليؤطّرَ الفعل.

“كما في فيلمِ”البرتُقالة الآليّة

ينجمُ عن ذلك صعوبةُ تكوينِ صورةٍ نمطِيَّة توضيحِيَّة عن منفِّذي الهجَمات، تزيدُ من القلقِ الذي تولِّده سِيَرُهُم العاديّة. وحدُها الصلةُ بتنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّةِ تشكِّل علامتَهم الفارِقة، يستحسِنُ تحليلُها على مستوى المُتخيَّلِ أكثرَ منها على المستوى العملِيّاتي، رغمَ تواجُدِ ذلك المستوى. إذْ إنَّ تنظيمَ الدولةِ الإسلاميَّة هو في الواقعِ مخلوقٌ متحوِّلٌ، يملكُ قدرةً مُذهلةً على تجسيدِ أمورٍ مُختلفةٍ بالنسبةِ لأشخاصٍ مُختلِفين. فهو على سبيلِ المثال، بالنسبةِ لبعضِ عناصرِ البعثِ العراقي، سبيلٌ لإعادةِ تدويرِ أنفسِهم بعدَ ما تعرَّضوا له من إذلالٍ وتهميشٍ طبقيٍّ وإفقار، على إثرِ غزوِ العراق سنة 2003. بالنسبةِ للعديدِ من المتطوِّعين المتحدِّرين من الضواحي الأوروبيَّة، يمثِّلُ تنظيمُ الدولةُ الإسلاميَّةُ بالأحرى إطارَ مُغامرةٍ رومنطيقِيّة. من السهلِ نسبيّاً الذهابُ إلى سوريا للالتِحاقِ بصفوفِ « جهاد » يأخذُ شكلُ مسألةَ بخياراتٍ متعدِّدةٍ للإجابةِ عليها. بوسعِ المرشَّحين مَلْء الخاناتِ التالِية : مظهرُ محارِب، كلامٌ فحوليّ ، إجادةُ استِخدامِ الأسلحة، صنعُ صورةٍ إيجابِيّة عنِ الذاتِ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، قلبُ الوصَمات المُعتادَةِ إلى رموزٍ وتحقيقٌ فورِيٌّ للذاتِ من خلالِ صورةٍ حديثةٍ جدّاً للبطولةِ على الرغمِ من المرجعيَّةِ السطحِيَّة لنبيِّ الإسلام.

هذه الهويّةُ الجديدةُ الجاهزةِ للاستِخدام الفوري، مقرونةً بألعابِ الفيديو وتلفزيون الواقع، تتشكِّلُ في سياقِ شَهْوَنة للعنفِ يبدو تنظيمُ الدولةِ الإسلاميّةِ نتاجَه أكثرَ منه مصدرَه. تَظهَر هذه البورنوغرافيا نفسُها مثلاً في تَبْجيلِ الأمنِ الذي يتَعمَّقُ في الدائرة الثقافِيّة والسياسيّة الأميركيّة، حيث يتمُّ ربطُ مفاهيمِ العدالةِ والحقِّ والدفاعِ والمصلحةِ القوميَّةِ أكثرَ فأكثرَ بأجسادٍ منفوخةِ العضلاتِ وخطاباتٍ محقونةٍ بالتسترون وأسلحةٍ تستندُ إلى استيهامٍ وعربدةٍ للعنفِ يُفترضُ بها أن تحلَّ كلَّ شيء. لقد أضْحى تفحيلُ السياسةِ الداخليّةِ والخارجِيّة، على ما يبدو، ظاهرةً مُعديةً ووباءً شاملاً .

قدَّمَ تنظيمُ الدولةِ الإسلاميَّة فضاءً ملموساً يستطيعُ فيه العنفُ البورنوغرافي أن يعبِّر و يبحثُ عن نفسِه ويتَفلَّت من كوابِحِه ويتعاظمُ قوَّةً. فليس من بابِ الصدفِ أن يكونَ المسلمون الجُددُ الأوروبيّون محرِّكيه الرئيسيِّين. بحكمِ افتقادِهم إلى تجربةٍ عسكريَّة وتنشئةٍ دينيّة وإلى مقوِّماتٍ لغَوِيَّة عامَّة، فهُم حدَّدوا قيمتَهم الإضافِيَّة بفائضٍ من العنفِ يُحيلُنا إلى فيلمِ ستانلي كوبريك “برتقالةٌ آلية” بسادِيَّته، التي يتمُّ استعراضُها بمواهبِ تَواصُلٍ غريزيَّةٍ بين أفراد تَكوَّنوا مع عصرِ الفيسبوك.

هذا طابعٌ مِحوَرِيٌّ للمغامرةِ الجهادِيّة الرومنطيقيّة للشبابِ الأوروبّيِّ من المسلِمين الجُدُد : بحكمِه مندمِجاً نسبيّاً في بلدِ المنشأ، هو لا ينخرطُ فعلاً على الأرض. بالمقابل، هو يبقى على اتصالٍ وطيدٍ ببيئتِه الأصليَّة الحقيقيَّة، أي بهوامشِ المدنِ الكبرى، في إطارِ جهادٍ “لاسلكي” حيث إطلاقُ تغريداتٍ على تويتر يعادلُ ما يطلَقُ من رصاص. ليسَ من المفاجئ إذاً أن يُعادَ انتاجُ إيروسِيَّة العنفِ في بلدِ المنشأ.

شرقٌ شديدُ الدنُوِّ

المخيفُ في المسألةِ هو مدى اتِّساعِ حركةِ الذهابِ والإياب. يتمُّ الكلامُ عن آلافِ المتطوِّعين الأوروبيّين الذين يكتَسِبون في سوريا والعراق تجربتَهم الملموسةَ الأولى في القتل، ويُنَمّون صورةً سامَّةً عن الذاتِ ويُبدونَ قدرةً في تغذيةِ حركةٍ غيرِ مسبوقةٍ في تهريبِ الأسلِحةِ الحربية. فلا شكَّ أنَّ هجماتٍ بهذا الحجمِ محكومةٌ بالتكرار.

أرادَت أوروبّا معالجةَ الصراعات العراقية والسورية كما لو كانَت تجري بعيداً على الكرةِ الأرضيَّة. باتَ عليها أن تفهمَ كم نحنُ معنيّين بهذه الصراعات، في فضاءٍ متوسطيٍّ جامعٍ لم نستطِعْ يوماً أن نشكِّلَه سياسيّاً، لكنَّه يتشكَّلُ بنفسِه على أيّةِ حال. تطرحُ هذه الهجماتُ تساؤلاً حولَ التنقُّلِ الحرِّ للأشخاصِ والممتلَكات والأفكارِ بحدّةٍ شديدةٍ لدرجةِ أنه يسعُها الإطاحةَ بفضاءِ دول الشنغن. يغدو الشرقُ الأوسط ُ عاملاً في صعودِ أحزابِ اليمين المتطرِّف، والذي هو أساساً بِغِنى عن التغذِيَة. وليسَ من شأنِ وصمِ الجماعاتِ المهاجِرةِ إلّا تقويَةُ جاذبيّةِ تنظيمِ الدولةِ الإسلامية لمن نأسرُهم في هويَّةٍ مُسلِمة كاريكاتوريّة.

تبدو ردودُنا العسكريَّةُ غيرَ ملائمةٍ فعلاً للتعاملِ معِ هذه التحدِّيات. لا مبرِّرَ للاستغرابِ هنا : لمشكلةِ الشبابِ الأوروبيِّ المتبطّلِ تشعُّباتٌ معقَّدَةٌ في نظامٍ اجتماعِيٍّ ـ اقتِصاديٍّ وسياسيٍّ مُفلِس. نجدُ نفسَ القدرِ من التشعُّباتِ لمشكلةِ تنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّة، في شرقِ أوسطٍ تنهارُ فيهُ البُنى الموجودَة. فلنأخذْ فرضِيَّةَ تدميرِ تنظيمِ الدولةِ الإسلامِيَّة: فليكن، لكن بماذا نستبدِلُه؟ بميليشيات شيعيَّة ونظامٍ سوريٍّ ساهمَت ممارساتُه في بروزِ هذا التنظيم؟ أن نحيدُ عنه شبابَنا: فليكن، لكن، أيَّةَ بدائلَ نقدِّمُ لهم في مجتمعاتِنا التي تُنتِج القليلَ من الوظائفِ وعدداً أقلَّ من الثوابتِ القيميَّة؟

من المرجَّحِ أكثرَ أن يتفاقَمَ الهرج والمرج، ما يعودُ بالفائدةِ على اللاعِبين من أصحابِ الخطابِ الثُّنائي، ومن بينِهم الأحزابُ السياسيَّة لا سيَّما الأكثرَ شعبَوِيَّة منها ، وتنظيم الدولة الإسلامية. كالعادة، يتغذَّى تطرُّفُ هؤلاء من تطرُّفُ أولئك.

في الشرق الأوسط، يستدرِجُ تنظيمُ الدولةِ الإسلاميَّةِ عنفَ أعدائهِ المفترَضين لتدميرِ النسيجِ الاجتِماعيِّ المحلِّي، وهو أمرٌ لا يستطيعُ القيامَ بهِ بالكفاءةِ نفسها. في أوروبا، يُخشَى تطبيقُ المنطقِ نفسه، على مستوى رمزيٍّ أكثرَ مِمَّا هو سِياسي. وجدَ تنظيمُ الدولةِ الإسلاميّةِ للتوِّ ورقةً رابحةً : بوُسعِ البارانويا والوصمِ في باريس وبروكسيل أن يَتسبَّبا بخرابٍ يساوي ما تتَسبَّبُ به الضرباتُ العمياءُ التي تدمِّر العراق وسوريا. على هذا النحو، أولئك أنفسُهم الذين يعمَلون من أجلِ تحقيقِ التجانسِ المستحيلِ للمجتَمعِ الفرنسي هم من دونِ ريبٍ أكثرُ من يساهمُ في تعميقِ الشروخ. تلكَ هي استراتيجيَّة الدولةَ الإسلامية، إن تواجدَت.

ترجمة زكي بيضون