مُثلَّثُ حَلايِب، قُنبلةٌ مَوقوتةٌ بينَ مصرَ والسودان

هل تخلَّت المَملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ عن الخرطوم؟

من المرجَّحِ أن يتضمَّنَ الاتِّفاقُ الذي تمَّ توقيعُه بينَ الرِّياض والقاهِرة فيما يخصُّ ترسيمَ الحدودِ البحريَّة، اعتِرافاً ضمنيّاً بالسيادة المصريَّة على مِنطقة حلايب، وذلك على حِسابِ المطالب السودانيّة. ملفٌّ شائكٌ قد يؤدّي إلى تَفاقمِ التوتُّرات الإقليميّة.

يَتنازعُ كلٌّ من السودانِ ومصرَ منذُ سنَواتٍ مُتطاوِلةٍ على تَبعِيَّةِ مُثلَّثٍ حُدوديٍّ يَحمِلُ اسمَ حلايب. تَضعُ مصرُ عليهِ يدَها بالفعلِ إدارةً وحُكماً، وتُغدِقُ على أهلِهِ الخدَماتِ ولا تُقصيهِم عن صناديقِ الانتِخابات، بينما يَقفُ السودانُ مُتَستِّرًا خلفَ لُغةٍ دبلوماسيَّةٍ وحقِّ تَكفُّله، كَما يَقولُ، الوَثائقَ مُنذُ عهدِ الاستِعمارِ البريطانيِّ الذي رَزَحَ البلدان تحتَ سَطوَتِه، قبلَ أن يَتحرَّرا في مُنتَصفِ الخمسينات من القَرنِ الماضي.

ويَقعُ مُثلَّثُ حلايب في أقصى المِنطَقةِ الشماليَّة الشرقِيَّةِ للسودانِ على ساحلِ البحرِ الأحمرَ، وتُسكنُ المِنطقةَ قبائلُ البِجا السودانيَّة المَعروفَة.

ويتنازعُ السودانُ ومصرُ السيادةَ على المُثلَّث، الذي فَرضَت مصرُ سَيطرتَها عليهِ منذُ العامِ 1995، والذي يضمُّ ثلاثَ بَلداتٍ كُبرى، هي: حلايب وأبو رماد وشلاتين.

ورغمَ نزاعِ البلدين على المِنطقة منذُ استِقلال السودان في عام 1956، إلا أنَّها كانَت مَفتوحةً أمام حَركةِ التجارةِ والأفرادِ من البلدين، دونَ قيودٍ من أيٍّ منَ الطرَفَين، وذلك حتّى عام 1995، حينَ دخلَها الجَيشُ المِصريُّ وأحكَمَ سيطرَتَه عليها. وتَفرِضُ السلطاتُ المِصريَّةُ قُيوداً على دخولِ السودانيّين من غيرِ أهلِ المِنطَقةِ إليها، سواءً من داخلِ مِصرَ أو مِنَ الحدودِ السودانيَّة.

ورغم أن البلدين يحرصان في كلِّ مناسَبةٍ على تأكيدِ العلاقاتِ الأزليَّةِ والتاريخيَّة التي تربطهما، وأن ملفَّ حلايب لن يكون بأيِّ حالٍ مناسبةً أو سببًا لتعكيرِ صفو الوَشائجَ القديمة، إلا أنَّ كثيرًا من التَطوُّراتِ خلالَ العامينِ الأخيرَينِ تُشيرُ إلى أنَّ النزاعَ الحُدوديَّ الجاري بين البَلدَين بات “قنبلةً مَوقوتةً” في طريقها للانفجارِ بأيِّ وَقت، لا سيِّما بعدَ الاعترافِ الضِمنيّ من المملكةِ العَرَبِيَّة السُعودِيَّة يتبعيَّة المُثلَّث لمصر، وهي التي التمس السودانُ وساطتَها لحَسمِ النِّزاع.

والسودان المَشغُول منذُ استقلالِه بسِلسلةِ حُروبٍ طال أمدُها وامتَدَّت في جَنوبِه الذي استقلَّ كدَولةٍ مُنفَصِلةٍ بالعام 2011 لعشرين عامًا، لا يَكتَرِثُ في الوَقتِ الرَّاهِن على ما يبدو لنزاعه مع مِصرَ حولَ مُثلَّثِ حَلايِب. فالبلد الَّذي يَحكُمهُ الرئيس عمر البشير مُنذُ قُرابَةِ الثلاثةِ عُقُودٍ لا زال يَخُوضُ وَيلاتِ حَربٍ ضَرُوسٍ في إقليمِ دارفور، وكذلك في مِنطَقتَيْ النِّيلِ الأزرَق جَنُوب كُردُفان. وتَتَنازَعُ الحُكومةَ المَركَزيَّةَ في الثلاثِ جَبَهاتٍ تلك حَرَكاتٌ مُتمَرِّدةٌ ائتَلفَت مؤخرًا في ما بينها، وباتَت تُقلِقُ مَضجَعَ الحُكومةِ دون أن يكونَ هناك جدوى لِمفاوضاتٍ ووساطاتٍ افريقيّةٍ ودوليّة، لا تكادُ تَنقَطِعُ إلا لِتَبدَأَ مِن جَدِيد.

الرياض تغيِّرُ موفقَها

وفي خِضَمِّ الأزمةِ الداخليِّةِ التي يواجهُها السودانُ بسبَبِ الحربِ وبسبَبِ مُعضلةٍ اقتصاديَّة بالغةِ التَّعقِيد، تَجِدُ الحكومةُ السُّودانيِّةُ نفسَها مجبرةً إلى حدٍّ كبيرٍ على تَجاهُلِ نِزاعِها مَع مِصرَ حَولَ المُثلَّثِ الحُدوديّ. فالوَضعُ الدَّاخليُّ والتغيُّراتُ الإقليميَّةُ والدوليَّةُ لا تصبُّ في مَصلحَتِها، مُقارَنةً بالآلةِ الإعلاميَّةِ الضَّخمةِ الّتي يَتميَّزُ بها النظامُ المِصريّ، والتي ما تفتأ تُذَكِّرُ يَوميًّا بأحقيةِ مِصرَ في حَلايِب. يُواجِهُ هذه الآلةَ صمتٌ إعلاميٌّ سودانيّ، أو رُبَّما عَجزٌ كامِلٌ عن مُجاراةِ التصرُّفاتِ المِصريَّة، تُقَوِّيهُ لا مبالاةُ الخرطوم حِيالَ المَوقِف، باستِثناءِ تصريحاتٍ مُتَباعِدَةٍ عن ثقةٍ عَمياء في سودانيَّةِ حَلايِب، وشَكوى تقولُ الحُكومةُ السودانيَّةُ أنها تُجدَّدُ سنويًا في أضابير الأممِ المتَّحِدَة.

وَوَسطَ كلِّ ذلكَ الشَدِّ والجَذب، بَرَزَ مؤخَّرًا تَرسِيمُ الحُدودِ البَحَريةِ بَينَ مِصرَ والسعودِيَّة، والذي أعيدَت بمُوجَبِهِ جَزيرَتَا تِيران وصَنافير إلى حُضنِ المَملكةِ العَرَبِيَّة السعودِيَّة. وأصدَرَ مَجلِسُ الوُزَراءِ المِصرِيُّ في التاسِعِ من نيسان/إبريل الماضي بَيانًا تَوضيحيًّا حَولَ اتفاقيةِ تَرسيمِ الحُدودِ البَحَرِيَّة مَعَ السعودِيَّة بَعدَ تَوقيعِها، أكَّدَ فيها ضِمنًا أن المُفاوَضاتِ التي سَبَقَتها شَمَلَت مِنطَقة حلايِب المُتَنازَع عَلَيها مَعَ السُودان. وهو ما أكَّدَهُ رئيسُ الوُزَراءِ المِصريُّ شريف اسماعيل بشكل رَسمِيّ حينَ قالَ إن ترسيمَ الحُدودِ البَحَرِيَّةِ مَعَ السعودِيَّةِ “يُعَيِّنُ الحُدودَ البَحَرِيَّةَ لِمِصرَ حتَّى خَطِّ عَرض 22 جَنوباً، وليس فَقَط في خَليجِ العَقَبة أو مِنطَقةِ جَزيرَتَي تِيران وصَنافير”، وهُوَ ما يُؤكِّدُ شُمولَها مُثلَّثَ حَلايِب المُتَنازَعَ عَلَيهِ مَعَ السودان.

لَكِنَّ المُثيرَ في هَذهِ الخُطوَةِ هُوَ أنَّ الرَّئيسَ عُمَرَ البَشير طَلبَ في وَقتٍ سابقٍ مِن خادِمِ الحَرَمَينِ الشَّريفَين التَوَسُّطَ لَدَى الحُكُومةِ المِصريَّة في حَلِّ نِزاعِهِ مَع مِصرَ حَولَ المُثلَّث، وَأكَّدَ أنَّ السعودِيَّةَ، بثِقَلِها وَتاريخِها ودَورِها المُتَمَيِّز، مؤهَّلةٌ للقيامِ بِهَذا الدَّور. وشدَّد عَلَى أن السُّودانَ لم يُفكِّر يَوماً في التَنازُلِ عَن حُقوقِه التاريخيِّةِ في المُثلَّث، وَأنَّ بِلادَهُ مُتَمَسِّكةٌ بِالشَّكوَى الَّتي قَدَّمَها لِمَجلسِ الأمنِ عامَ 1958، بِشَأنِ أحَقِيَّتِهِ في حلايِب، ويُجَدِّدُها سَنَويًّا تأكيدًا لِحَقِّهِ التَّاريخيّ في المِنطَقة.

لكنَّ الرِياض، على ما يَبدو، لَم تُعِر الالتِماسَ آذانًا صاغِية، ومَضَت تَبحَثُ عن مصلَحَتِها الخاصَّة، وتَمَكَّنَت بعد مُفاوَضاتٍ شاقَّة من إعادِة جُزُرِها إلى سِيادَتِها.

ردُّ فعلٍ رَخوٌ في الخرطوم

وانتَقَد خَبيرُ القانونِ الدَّوليّ الدُكتور فَيصَل عَبد الرَّحمن علي طَهَ، في مَقالٍ نَشَرَه قبلَ أكثرِ من عامٍ، مَوقِفَ الخرطوم المُتَراخي حِيالَ المَسألة، وتقاعُسَها عنِ الرَّدِ عَلى الخُطُواتِ السعوديةِ المِصرِيَّة. وَقالَ: “كانَ يُتَوَقَّعُ تَحرُّكٌ دِبلوماسيٌ سريع من السُّودان، كَأن تطلُبُ وزارةُ الخارِجيَّةِ مَثَلاً توضيحًا من المَملكةِ عن الحُدُودِ الَّتي يَجري التَفاوُضُ بِشأنِها مَع مِصر، وَما إذا كانَت تَشمَلُ إقليمَ حَلايِب، والتحَفُّظُ عَلى الإعلانِ المِصريّ لأنَّهُ مؤسَّسٌ عَلى فَرَضِيَّةِ أنَّ مِنطَقةَ حَلايِب تَخضَعُ للسِّيادةِ المِصريَّة، والتحَفُّظُ كَذَلِكَ وَرَفضُ نَتائِجَ أيِّ مُفاوَضاتٍ سُعودِيَّةٍ-مِصرِيَّة تَقومُ عَلى أساسِ الاعترافِ بالسِّيادةِ المِصريَّةِ عَلى حَلايِب. وَمِن ثَمَّ تَضمينُ المَوقِفِ القانونيّ في مُذكِّرةٍ أو مُذكِّرات، وإيداعُها لَدَى الأمانةِ العامَّةِ للأُمَمِ المُتَّحدَة، وطَلَبُ تَعميمِها على الدُّوَلِ الأعضاءِ ونَشرِها”.

وأورَدَ القانونيُّ السودانيُّ ردًا منَ المُتَحِّثِ الرَّسميّ لِوَزارةِ الخارِجيَّةِ وَقتَها خالد موسى دفع الله، قالَ فيهِ أن “مَوقِفَ السُّودان في القَضيَّةِ معلومٌ ومُوَثَّقٌ في أضابيرِ الأمَمِ المتَّحِدة”. وأكَّد أنَّ أيَّ اتِّفاقٍ ثُنائيّ لا يَدحَضُ مَوقِفَ السُّودان في النِّزاعِ القانونيِّ القائمِ حولَ خَطِّ 22. وقَطعَ خالد موسى بأنَّ “أيَّ اتِّفاقٍ بين دولتين ليست له سلطةُ نفاذٍ على طَرَفٍ ثالثٍ مُجاوِر”.

لكنَّ دكتور فَيصل قال أن مُجرَّد وجودِ احتمالٍ “بِأن تَمَسَّ معاهدةٌ ما حُقوقَ طَرَفٍ ثالِث، فإنَّه يَنبغي على هذا الطَّرَفِ الثالِثِ أن يتدخَّلَ لِتأكيدِ حُقوقِهِ أو الحِفاظِ عليها، وذَلِكَ بالاحتِجاجِ لَدى الدَّولَتينِ المَعنِيَّتين، وتسجيلِ موقفِهِ لدى الأمانةِ العامَّة للأمَمِ المتَّحدة. فلا مجالَ للسُّكوتِ أو عَدَمِ الاحتِجاج في ظَرفٍ يستوجِبُ ردَّ فِعلٍ إيجابيٍّ للتَّعبيرِ عنِ الاعتِراضِ أو الدِّفاعِ عنِ الحُقوق. فالقُبولُ الضِّمنيُّ والإذعانُ يَنشأُ من السُّكوتِ أو عَدمِ الاحتِجاج، عندما يَكونُ الاحتِجاجُ أو التَدخُّل َضروريًا بل واجِبًا لحِفظِ الحُقوق”.

وَلَم يَكَد السُّودانُ يَنهَضُ من صَدمتِهِ حِيالَ تَصرُّفِ السُّعودِيَّةِ ذاك، حتَّى باغَتتهُ الإماراتُ بإعلان إحدى شَرِكاتِها الحُكوميَّةِ التَبرُّعَ بمَحطَّاتٍ للطَّاقةِ الشمسيَّة تُركِّبُها الحُكومةُ المِصريَّةُ في حَلايِب. وهذا يَعني الاعتِرافَ الإماراتيَّ بتَبعيَّةِ حلايِب لمِصر، وتَجاهُل السُّودان، رغمَ أنّها الدَّولةُ الوَحيدةُ من خارج مجلس التعاون الخليجي الَّتي تُرسلُ قُوَّاتٍ برِّيَةٍ للقِتالِ ضِدَّ الحوثيين في اليَمَن.

وفي مَطلَعِ هذا العام 2016، قَطَعَت الخرطوم علاقاتِها الدبلوماسيَّةِ مَع إيران، تضامُنًا معَ السُّعوديَّةِ في مواجَهَةِ ما أسمَتهُ المُخَطَّطاتِ الإيرانيَّةِ، على خَلفيَّةِ الاعتِداءاتِ الَّتي تَعرَّضَت لها سِفارةُ المَملكةِ السُّعوديَّةِ بطَهران.

حَقٌّ الأقوى

تَزايدَ الضَّغطُ الإعلاميُّ، وارتفَعَت موجةُ الانتقاداتِ المُوَجَّهةِ للحُكومةِ السُّودانيِّة بسبَبِ صمتِها الواضِح، وعَزفها عنِ اتِّخاذِ أيِّ إجراءٍ بعدَ ترسيمِ الحدودِ البَحَرِيَّة بين مِصرَ والسُّعودِيَّة. فأصدرَت وَزارةُ الخارِجيةُ السُّودانيَّة بَيانًا في مُنتَصَفِ نيسان/ إبريل الماضي، تقولُ فيهِ إنَّها تعكِفُ على المُتابَعةِ الدَّقيقةِ لتَفاصيل الاتِّفاقِ المُوقَّعِ بَينَ مِصرَ والمَملكة، والَّذي أُعيدَت بموجَبِهِ جَزيرَتي تيران وصنافير لسِيادةِ المَملكة، والتأكُّد من أنَّ تلك الخطوةَ لا تمسُّ الحُقوقَ التاريخيَّةَ والسياديَّةَ والقانونيَّةَ للسُّودان في مُثلَّثِ حلايب المُتنازَعِ علَيهِ مع مِصر.

وحَثَّ البَيانُ القاهرةَ للجُلوسِ والتفاوُضِ المُباشرِ بِشأنِ النِّزاعِ على المُثلَّثِ الحُدوديّ، أُسوَةً بما تمَّ مع السُّعوديَّةِ في النِّزاعِ على الجزيرَتين، أو اللُّجوءِ للتَحكيمِ الدَوليّ، امتثالاً للقَوانين والمَواثيق الدَوليَّةِ باعتبارِها الفَيصلَ في الحالاتِ الشَّبيهة.

وبَعدَ يومَينِ من تلكَ التصريحات، سارَعَتِ القاهرةُ إلى رَفضِ طلبِ الخرطوم التَّفاوضَ المُباشِرَ حولَ حلايِب وشلاتين، أو اللُّجوءَ إلى التَّحكيمِ الدَوليّ. وقال المتحدِّثُ باسمِ وَزارةِ الخارجيَّةِ المِصريَّةِ أحمد أبو زيد، في بَيانٍ مُقتَضَب، إنَّ “حلايِب وشَلاتين أراضٍ مِصريَّة، وتَخضعُ للسِّيادةِ المِصريَّة، وليس لدى مِصرَ تعليقٌ إضافيّ على بَيانِ الخارِجيَّةِ السُّودانيَّة”.

الخُلاصةُ تُشيرُ إلى أنَّ الخرطومَ لا تَتعامَلُ مع مَلَفِّ حلايِب بالقَدرِ الكافي من الجِدِّية، خَشيَةَ أن تفتَحَ على نَفسِها بابًا جديدًا من الصِّراعِ رُبَّما يَجُرُّها إلى جَبهةٍ عَسكرِيّةٍ جَديدة. فَهيَ غيرُ قادرةٍ بكلِّ المَقاييس على مواجَهةِ تلكَ التَّبِعات. لكنَّها تتباطأُ في حقِّ الدِّفاعِ عنِ المُثلَّثِ المُتَنازَعِ عليهِ بالطُّرُقِ الدبلوماسيَّة، ربَّما لتَعقُّدِ مَوقِفِها في ما يَخُصُّ التَعامُلَ معَ المَملكةِ العربيَّةِ السُّعودِيَّة، الَّتي باتَت حَليفًا مُهِمًّا. فلم تَستطِع استِدعاءَ سفيرِها لإبلاغِه أيَّ احتِجاجٍ على خُطوةِ التَّرسيمِ مع مِصر، كما لم تَتمكَّن مِن حَذوِ ذاتِ الخُطوةِ معَ السَّفيرِ المِصريّ. رغم أن العُرفَ وواقعَ الحالِ كانَ يَستدعي أن تقومَ بتلكَ الخُطوة، على الأقلِّ حِفاظًا على قَدرٍ مِن ماءِ الوَجه، في ظلِّ التَّعدِّي الصَّارِخِ من الدَّولتَينِ على المُثلَّثِ الحُدوديّ الَّذي طالما تَقولُ الخرطوم أنَّهُ من حقِّها وفقًا لوَثائِقَ تاريخيَّة.

غيرَ أنَّ كُلَّ المؤشِّراتِ تَمضي في اتِّجاهِ أن الملفَّ لن يَبقى حَبيسًا بأيدي الدِّبلوماسيِّين في البلَّدين. فقَد أعلنَ وزيرُ الخارجيَّةِ السُّودانيُ السَّابق مصطفي عثمان إسماعيل، خِلالَ حِوارٍ صَحَفيٍّ نُشِرَ في يومِ الجُمُعةِ 27 أيار/مايو الجاري، أنَّهُ سَبقَ وتقدَّمَ بمُقترَحٍ للرَّئيسِ المِصريِّ السَّابقِ حُسني مُبارَك بِأن تَكونَ مِنطَقةُ حلايِب مكانًا للتَّكامُلِ بَينَ البلدَين. لكنَّ مقترَحَهُ قوبل برَفضِ الجيشِ المِصريّ، وهوَ ما يَعني بالكاملِ أنَّ الملفَّ تَحوَّلَ بامتيازٍ إلى الجِهاتِ الأمنيَّةِ في مِصر، الَّتي لن تُساوِمَ عَليهِ تَبعًا لِذلكَ بالوَسائلَ الدِّبلوماسيِّةِ الَّتي تَجنَحُ إليها الخرطوم مُضطَّرة.