نقاطُ التَقارُب المُلفِتة بين إيران وأميركا في العراق

في ظلِّ صراعٍ مُتجذِّر تاريخيًّا

قد تكون العلاقة العراقيّة الإيرانيّة من أقدم العلاقات التصارُعيَّة بين حَضارتَيْن مُتجاوِرتَيْن، امتازَتا بتبادُليَّة التأثيرِ منذ أيّام الحضارة السومريّة البابليّة وخضوع إيران للإمبراطوريّات العراقيّة الأولى، وتأثُّرِ إيران العميق بالديانات العراقيَّة ما قبل التوْحيديّة. بعد ذلك ظهرت الإمبراطوريّة الفارسيّة، واحتلَّت بابلَ عام 639 ق.م، إلى حين مجيء الإسلام وفتح العراق (في العام 636)، ومن ثَمّ إيران، وصولاً إلى الإمبراطوريّة العباسيّة وعاصمتها بغداد. ثم انتَهى الأمر إلى ظهورِ الدوْلة الصفويّة بعد 15011 التي تبادلَت مع العثمانيّين احتِلالَ العراق. حدث هذا قبل تشكُّلِ العراق الحديث، وفي فترة كانَ فيها غيابه ككِيان يُشبه غيابَه الحاليّ، مع الفارق في الأسباب والشروط.

فتراتُ انقِطاع حضاريّ

تَحكُم العراقَ قاعدة مُضلِّلة للمراقبِ من خارجِه. فهو، ولأسباب تَكوينيّة، يَتميَّز بحالات “انقِطاع حضاريّ” ناجمة عن تعقيد وحساسيَّة بُنيَتِه. تتطلَّب تلكَ البنيَة شبكةً عاليَةَ الإحكام من نواظِم الإرواءِ والسدود، ورقابةً صارِمة لضِفافِ نَهرَيِّ دِجلة والفُرات. إذ أنَّ دَوْرات المدِّ والانحِسارِ لكِلَيْ النهرَين لا تَتناسب مع الدوْرات الزراعيَّة على ضِفافِهما، وقد يَكونان شديدَيْ التدميرِ عندَ الفيضان. ما يَتطلَّبُ تَوازُناً دَقيقاً على مُستوى العلاقةِ بين إطارِ الحكم من أعلى، والمُجتَمع المُساواتي المُنتِج والمحارِب والمستَقِلّ، في الأسفل.

فإنْ اختلَّ هذا التوازُن، انهارَت قاعِدة البنيَة الحضارِيّة وسادَت الفوْضى وعمَّ معها الاحتِرابُ الداخليّ. وكانَ الوضعُ كذلك إبّانَ حكمِ الصفَوِيّين والعثمانيّين، حينَ بدأ العراقُ يخرجُ من دَورةِ الانقِطاع الثانيَة التي حلَّت بهِ على إثر سُقوط بغداد على يَد هولاكو ( 1258) واستمرَّت حتّى القرن السابع عشر، يوم بَدت مَلامح المُجتمع الجديد بالظهور، بصورة اتِّحادات قبَليَّة، كان أوَّلها وأهمُّها “اتِّحاد قبائل المنتَفِق”.

وثمَّة خصوصيَّة تَكوينيَّة أخرى لم تَخضع للمراقبةِ البحثيَّة والتاريخيَّة، وذلك بفعل طُغيان الإيديولوجيا، أَلا وهي أنَّ العراق بدأ يتشكَّلُ من جنوبِه الحالي ، بفعل تَمركُز الآليّاتِ الحضاريَّةِ المحفِّزةِ هناك. بدأ تشكُّلُه في الدوْرَةِ الحضارِيَّةِ الأولى السومريَّةِ /البابليَّةِ من سومر في أقصى الجنوب، وقبلَها من حضارةِ العُبيديين قُرب البصرة الحاليَّة (تاريخ) . امتدَّ بعد الفتح الإسلاميِّ إلى البصرة والكوفة وأرض السواد، دونَ أن يَمتدّ إلى بغداد. فخِيار بغداد فرضَ نَفْسه في إطار هروب من المحيط المشاعيٍّ المعادي للدَّولة.

تتميَّز بغداد بِسِمات مُنفصِلة وَسط مُجتمَعات إنتاجيّة مَشاعيّة لا تقبَل سلْطة مُنفصِلة ليست نِتاجَها الداخلي. فالحكم العبّاسيّ الذي تأسَّس في الكوفة، قرَّر تَغيير مَكان الحكم بسبَب الانتِفاضات الّتي واجهَها هناك. فذهَب مؤسِّسوه إلى الرمادي، ولم تُلائمْهم. ثُمَّ اختاروا مِنطقة في الفُراتِ الأوسَط اسمُها “الهاشميّة”، فإذْ بها قريبةٌ من مَصدر الاحتِجاج والعِصيان. مِمّا دفعَهم للذهاب شمالاً ، باتِّجاهِ بغداد.

واليومَ أيضاً، في الدوْرة الحضاريّة الثالِثة، يعودُ العراق ليتحرَّكَ منَ جنوبِه، وتَحديداً من المكان نَفسه الذي تَكوَّنت فيه الحَضارَة السومريّة، في “المُنتَفِق” أَو “ذي قار” وِفقاً للتسمِية الرسميّة.

العُقدةُ الإيرانيّة

يُعاني الإيرانيّون، والفرس منهم، من عُقدة فشل مُزدوِجة: فشلُهم في إضْفاء ثقافتِهم على المِنطقة، وآخرُ في عَدم احتِفاظهم بها لأنفسِهم، بدلاً من التخلّي عنها لمصلحةِ منجَزٍ روحيّ وثقافيّ عربيّ هوَ الإسلام. فالمُنجَز العربيّ الإسلاميّ أجهزَ على حُضورِ الثقافة والديانات الفارسيّة وأضعفَ مكانةَ اللُّغة الفارسيّة. يَجدر أن نَذكرَ هنا أنّ الفرسَ أقاموا تاريخيًّا امبراطوريّةً قويَّةَ وَصل نفوذُها إلى اليونان، إلا أنّهم هُزِموا في التنافُس الثقافيِّ والدينيّ، على مَرِّ الاحتِلالاتِ والاحتِلالاتِ المُعاكِسة.

تَحكم هذه الإشكاليّةُ النزْعاتِ الفارسيّةَ المُترسِّبة لدى بعض الإيرانيّين، فتتجلّى أحياناً في ازدواجيّة لا حلَّ لها : من جهة، ضرورةُ التعبير عن ذواتِهم وَطنيًّا عن طريق الإسلام، الذي هو استِعارة من ثقافةِ ومُنجَزِ غيرهم ؛ ومن جهة أخرى، نُزوعُهم الإمبراطوريّ، وتَعظيمِهم لماضٍ كانَ لهم فيه امبراطوريّة واندحَر تاريخيًّا.

ولأنَّ العراق هو الأقربُ والأقدر على مُنافسة إيران، فقد ظلَّت العلاقة شديدةَ التعقيد بين البلدين. يَسعى كِلا الطرفَين في هذه العلاقةِ لإخضاعِ الطرف الآخر وإضعافه، وكأنَّ تلكَ مهمَّةٌ لا يستقيم من دونِها نهوضُ كلٍّ منهما. ففي عام 1921 مثلاً ، امتنَعت إيران، دونَ دوَل العالمِ أجمع، عن الاعتِراف بالدوْلة العراقيَّةِ التي أقامَها الإنكليز في العراق، ولم تُقدِم على ذلك إلاّ في 1929. غير أن إيران تتقبّل بحماس العراق الحاليّ بعد الاحتِلال الأمريكي، وتقيم معه أوْسع ما يُمكن من علاقات. إذ أنّه لم يَعد للعِراق وجودٌ أَو واقعٌ كدوْلةٍ وطنيَّة، بمعنى أنَّ الدولةَ الحديثة التي أُقيمت عام 1921 قد زالت على يدِ الاحتِلال الأمريكي، لصالحِ حالة تسودُ فيها قوى تحت-دولانية، وبمقدِّمتها الطوائف.

ويطولُ البحث في الأسبابِ التي أفضَت لغيابِ العراق المتَصوَّر، أو في دوافع ومحرِّكات الحضور الإيرانيّ وحساسيّاته، بالأخصِّ مع استِمرار النفوذ الأمريكيّ. كما أن إيران تتخوَّف من أن تعمَل الولايات المتَّحدة على تَنميَة وطنيَّةٍ عراقيَّة ما، تُعيدُ حضورَ العراق في صيغةٍ أو أخرى، على غِرارِ ما حدثَ عام 1921 على يدِ الإنكليز. وذلك ما رَفضته إيران آنذاك.

لا يُمكن النكران بأن غيابَ العراق الحاليّ كان أكبر هديَّة قدَّمتها الولاياتُ المتَّحدة الأمريكيَّة لإيران. فالغرب فرضَ عقوبات اقتِصاديّة على إيران، ومنحَها في الوقت نفسه رِئة اقتصاديّة في العراق. إذْ بلغ حجمُ التبادل التجاريّ بين البلدين المتجاورَيْن 18 مليار دولار لصالحِ إيران، وهو سائرٌ للتصاعد الى 20 مليار على الأرجح. قد يكون هذا الجانبُ أكثرَ وجوه الحرصِ الإيرانيّ على توطيدِ العلاقةِ مع عراق تتجلّى حالةُ غيابِه أكثرَ التجلّي في المجال الاقتِصاديّ والإنتاجيّ. فيَغدو العراقُ الشريك التِّجاري الأوَّل والأضعف، وأهمَّ مَصدر للحياة الاقتِصاديَّة الإيرانيَّة في ظلِّ العقوباتِ المطبَّقة بحقِّها.

ولا تجدُ إيران وضعاً أفضلَ مِن الّذي أقامَته الولايات المتَّحدة في العراق، وبالذات حين مَنحت القوى التحت-دولانية فرصةً للانتِعاش والغلَبة. فعلاقةُ إيرانَ مع الطائفةِ الشيعيّة العراقيّة تَحصيلٌ حاصل في بلدَيْن هما الوحيدَان في العالمِ اللَّذَان تتمتَّعُ فيهما الطائفة الشيعيّة بالأغلبيّة السكانيّة. ومن شأنِ هذه العلاقة، إذا ما أضفْناها إلى استِقرار الوضعِ الإيرانيّ على مُستوى الحكم (ناهيك عن وزنِ إيران وضخامتها مساحةً وسكَّاناً)، أن تزوِّدَ إيران بقدر غيرِ عاديٍّ من الحضور والأرجَحيّة. وهو حضور يفرضُ نفسه، ولَئِن كانَ مقيَّداً بالمراقبة الأمريكية، وبالمزاجِ الشعبيّ العراقيّ التاريخيّ المُعادي لإيران، حتّى بينَ أوساط الشيعة.

ولايةُ الفقيه مُقابلَ الاجتِهاد

إلّا أنّ كلَّ تلك الامتِيازاتِ لم تُتِح لإيران إمكانيّة مُمارسةِ حضور حرٍّ من أيِّ قَيْدٍ واحتِراز في العراق، وذلكَ رغمَ حالةِ العراق الاستثنائيّة اليوم. ومن الملاحَظ أنَّ القوى العراقيّة أو الميليشيات تَتحاشى، لا بل تمتَنِع عن التصريحِ جهاراً بأنها تتبنّى مبدأَ ولاية الفَقيه . فليس لهذه النظريّة أيَّة شعبيّة لدى الشيعة العراقيّين، وبالأخصّ لدى المرجِعيّة النجفيّة، والمَرجِع الحاليّ، علي السيستاني. فهذا الأخير لا ينفكُّ يأخذُ مواقِف دفَعت بالصحافة الأوروبيّة إلى حدِّ الإشارة إلى أنه يُعبِّر عن “وطنيّة شيعيّة عراقيّة”2. واقعُ الأمر أنّه يتَّبِع تقليداً نجفيٍّا راسخاً، سبقَه إليه المرجعُ الأسبق أبو القاسم علي أكبر الخوئي، الذي واضبَ على رفضِ ولايَةِ الفقيه حينَ كانت في أَوْجِ انتِصارها على يد الخُميني.

نشأت مرجعيّة النجف بتعارضٍ كلّي مع التشيُّع الإيرانيّ. فالتشيُّع العراقيّ الحاليّ حديث، نشأ في حدودِ القرن الثامن عشر في سياقٍ سياسيّ مُختلِف كلِّيًّا ، أَوجَدته ضروراتُ الحقبةِ الثانيةِ الدينيّة من التشكُّل الوطنيّ العراقيّ الحديث، باتِّجاه التجديد. فبعدَ حقبةٍ أولى كانت قبليّةً، قامَت فيها النجف بحركةِ تشييعٍ للبحر العشائريّ المحيط بها في أرض السواد، والذي كان بغالبيَّتِه سنِّيًّا. في المقابل، اتَّسمَت النجفُ بطبيعةِ وتكوينِ العشائر التشاركيّة المساواتيّة، مُستنسِخةً شكلَ علاقاتِها الداخليَّةِ اللاسلطويَّةِ الانتِخابيَّة. فنهضت كدَولةــ مدينة (“لا دولة”) مقدَّسة، لا تحتكِرُ وسائلَ العنف، وترتبط الوحدات المساواتيَّة المحاربةُ فيها بقوَّةِ العقيدة. ومن أجل تكريس التلاحم بينَها وبين محيطها، استَكشفت “الاجتهاد” و“التقليد” و“الحوزة”، وابتكرَت نظاماً لاسلطويًّا يخالف كلِّيًّا المُمارَسات الصفويّة.

فالدوْلة الصفويّة توظِّف رجال الدين، وذلك منذ أيام مؤسِّسها الشاه طهماسب ابن إسماعيل شاه في القرن السادس عَشر. وقد قام هذا الأخير وقتئذٍ باستِقدام المحقِّق الكركي من جبل عامِل اللبناني، ليَضْطَلِع بالدوْر الروحيّ تحت سلطته. مِمّا استَدعى ردًّا من النجف أتى في كتاب على يدِ عالِم ديني هو القُطيْفي، يَرفض فيه عَمل رجال الدين الشيعة تَحت سلطة الحاكِم، ولَوْ كان شيعيا.

ترى مَرجعيّة النجف في ولايَة الفَقيه الخمينيّة اليوم نَسخة عن تَشيُّع الصفويّين، وتَرفضها من المُنطلَق عينه. يَجدر الذكر أنَّ مرجعيّة النجف تاريخيًّا أضحَت نموذجاً في للتشيُّع على مُستَوى العالم، في الاجتِهاد كما في التقليد والحَوْزة ، وباتت مُعتمَدة حتّى من مدينة قُمْ نفسِها، وهي مَركز التشيُّع الإيرانيّ. واستمرَّت حتّى بعد سقوط الدَولة الصفويّة (1743). وهذا يُعيد للأذهان مرّة أخرى انتِصار النموذَج العراقيّ العربيّ، ويَدلُّ على التبايُنات البنيَويَّة الحادَّة بين البلدين.

ظاهِرةُ التيّارِ الصدريّ

لَيست المرجعيّة العُليا وحيدة في رفضِها للتشيُّع الإيرانيّ ووِلايَة الفَقيه لصالح التشيُّع العراقيّ بمُكوِّناته الوطنيَّة الحديثة. فالتيّار الصدريّ هو الآخر، على سِعَته وتمثيلِه للفقراء والشبيبة الشيعيَّة، يَعتدُّ بتراثه العراقيّ ممثَّلاً بالمُفكِّرين الإسلاميَّيْن الكبيرَيْن محمّد باقر الصدر، وصادق صادق الصدر. يُمثِّل هَذان المُفكِّران ضمنَ التشيُّع العراقيّ نَقلة تجديديَّة ظهرَت في الخمسينات من القرن الماضي، تنامَت على ضوئها حرَكات إسلاميَّة شيعيَّة خارج المرجعيّة التقليديّة وأحياناً باتِّجاهٍ مُغاير لمواقفِ المرجعيّة.

في مقدِّمة تلك الحركات، نَكتَفي بذِكرِ حزب الدعْوَة الإسلاميّة الذي ينتمي له ابراهيم الجعفَري ونوري المالِكي وحيْدر العبادي، ثلاث شخصيّات سياسيّة تَعاقبت غلى مَنصب رئاسة وزراء العراق منذ 2006 حتى الآن. في الآونة الأخيرة، وأثناءَ التظاهرات المطالِبة بالإصلاح والتي تَصدَّرها التيّار الصدريّ، سُمِع دَويُّ شِعار “إيران برَّه برَّه” ردَّدَه عشراتُ الآلاف من المُنتَسِبين إلى هذا التيّار. وهوَ أمر ليس عارِضاً وينطَوي ولا شكَّ على دَلالات عَميقة ليس أقلُّها حدَّة الصراع حَوْل مَوقع المرجعيَّة الدينيَّة والطائفيَّة السياسيَّة في الدَولة الحديثة.

إزاءَ مناخ كهذا، تضطرُّ إيران إلى اللّجوء لأجهزة الاستِخبارات واختِيار العمل السرّي، والتعويل عليه. وقد ذكرت تقارير بهذا الخصوص أنَّ الاستِخبارات الإيرانيّة تُقيم 18 مَكتباً لها في العراق تَحت مُسمَّيات مُختلِفة، مثل الجمعيّات الخيريّة لتوزيع المال على الفقراء وتنظيم الرحلات لزيارة العَتَبات المقدَّسة. وِفقاً لبعض التقديرات، هناك 5700 وِحدةٍ سكَنيَّة مُستأجَرة لِتَسهيل عمل الاستِخبارات الإيرانيّة في العراق، وكما أنَّ إيران تَرصد لهذا العمل ما مِقدارُه 100 مليون دولار. وتقوم إيران بتَزويد العراق بالأسلِحة والعَتاد، لا سيَّما مُنذ عام 2014، بَعد دخول تَنظيم الدوْلة الإسلاميَّة إلى الموصل واحتِلاله لمُحافَظات عراقيَّة.

لكنَّ هادي العامري، رئيسَ مُنظمَّة بدر المقرَّبة من إيران والمسلَّحة من قِبَلِها3 صرَّح أنَّ الحكومة العراقيَّة تَدفع ثمنَ الأسلِحة الّتي تُقدِّمها إيران كاملة. ويَلفت النظرَ في هذا المجال تصريحٌ أدلى به مُدير المخابرات العراقيّة محمَّد الشهْواني، ذكر فيه أنَّ إيران اعتَرضَت على فَتح مَكاتب لجهازِه في جنوب العراق، بداعي أنَّ تلكَ المكاتِب قد تَتسبَّب بالضرَر للأمن القوميّ الإيرانيّ.

وتتخفّى خِطابات المليشيات القريبة من إيران، كمُنظَّمة بدر أَو الأصغر شأناً كعَصائب أَهل الحقِّ أَو حزب الله العراقيّ، وراء كَونها قِوى مُقاوِمة للاحتِلال الأمريكيّ وتُطلِق على نَفسها اسمَ “المُقاوَمة العراقيّة”. وحجَّتُها أنَّ إيران هي الجِهة الوحيدة التي تُناهض الاحتِلال الأمريكيّ وتُساعِد من يُريدون مقاومَته، إلّا أنَّ تلك الميليشيات لا تَجدُ مَنفَذًا سانِحا للتعبير علناً حتّى عن هذا الرأي. إذ أنَّ إيران نفسَها تَتفادى تقديمَ أدلّة تُثبت مساعدتَها لمنظَّماتٍ مسلَّحة مناهِضة للأمريكيين.وهيَ تَحسُب هذا الأمر بدقَّة في سِياق العلاقة الحسّاسة بين طهران وواشنطن، والغرب عموماً.

تِجارة مُزدهِرة تحتَ الحصار

وقد تكون العلاقات التجاريّة الإيرانيّة مع العراق الأقلَّ حراجة من بين وجوه العلاقات الأخرى. ففي هذا الميدان، يَتصرَّف الإيرانيّون بقدرٍ أقلَّ من الحذَر، ولا يُخفي مَسؤولوهم الإعلانَ عن حَجم التبادُل التجاريِّ بين البلدين. وهذا ما فعلَه الملحَق التجاريّ الإيرانيّ في بغداد في مؤتمَر صحفيٍّ عَقدَه في العاصِمة العراقيّة يومَ 22/6/ 2015، حيث أَعلن أنَّ حجم التبادُل التجاريّ بين البلدَيْن بلغَ 18 مليار دولار، مِنها 6 مليارات من السِّلَع غَير النفطيَّة، وأنَّ شركاتٍ إيرانيَّة تؤدّي 80 %من الخدَمات التقنيَّة والهندسيّة في العراق، وتوقَّع أنْ يَبلُغ حجم التبادُل بين البلدَيْن 20 مليار دولار.

وَقد قَفز التبادُل التجاريّ بين إيران والعراق من 1.5 مليار دولار عام 2006، الى 8 مليارات دولار عام 2010، بينما استمرَّ اختِلال ميزان التبادل لصالح إيران، لا بل وتزايَد. فالعراق يُصدِّر لإيران التمور والجلود والكبريت، وإيران تُصدِّر لَه السيّارات والوقود والإمدادات الطبيّة وموادَّ البناء. يَعكِس هذا الوضع مَدى الانهِيار الذي لَحق بالاقتِصاد العراقي، مُنذ زَوالِ دَولته بفِعل الغَزْو الأمريكيّ. فالبلاد غارِقة في الشلَل الكُلّيّ، كما أنَّ أغلب البُنيَة التحتيَّة والمصانِع ومَرافق الإنتاج مدمَّرة، والإنتاجيّة العراقيّة تُقارِب الصفر.

ويعبِّر بعض المسؤولين العراقيّين المُوالين لإيران عن تعاطُفِهم مع الجمهوريّة الإسلاميّة المحاصَرة من قِبل الغرب والوِلايات المتَّحدة، حتّى أنَّهم يُشبِهون وَضع إيران اليوم بوَضع العراق أيّام كان يُعاني وَطأةَ الحصار في 1991ــ 2003.

في المحصِلة، لا يَجوز احتِساب حجم النفوذ الإيرانيّ الحاليّ في العراق دون العَودة إلى الظرف العراقيّ الاستِثنائي: فالبلد يَكاد يَكون غَير مَوجود، وبُنيتُه مفكَّكة. مِمّا يُتيح لإيران تَوسيعَ نُفوذها، وإن كان هذا النفوذ مقيَّداً ببَعض الاعتِبارات4. فإيران لا تَجهل أنَّ الوَضع العراقيّ الحاليّ لن يَدوم إلى الأبد. ولئن كان العراق اليومَ مَعنيًّا بَداهة باستِعادة بُنيتِه الوطنيّة، فالجمهوريّة الإسلاميّة على يَقين أنَّها لَيست قادرة على ابتِلاعه: فهوَ بلد يُقارِب تَعدادُ نفوسه 40 مليونًا، سبق و دخلَ معها في حربٍ هي الأطوَل بين دولتَيْن بعد الحرب العالميّة الثانية (1980 ــ 1988) رجَح عليها فيها، في وَقت كان تَعداد نفوسِه ثُلُثَ تَعداد نفوسها.

إدامَة الفَوضى في العِراق

لكلِّ هذه الأسباب، تَهدف الاستراتيجيّة الإيرانيّة إلى إبقاءِ الوَضع العراقيّ كما هو عليه الآن. تجلَّت هذا الاستراتيجيّة خلالَ مَوجة التظاهرات والاعتِصامات المُطالِبة بالإصلاح مُنذ الصيف الماضي. فقد عملَت إيران بكلِّ طاقتِها على مَنعِ أيِّ تَغيير في شكل السلطة، وبالتحْديد في طابعها الطائفيّ المحاصَصاتيّ. وقد ساعدها تَلاقي مَوقفِها مع المَوقف الأمريكيّ على مُمارَسة الضغطِ على النوّاب وقادة الكُتَل النيابيّة، والأحزاب المُتنَفِّذة. إذْ أنَّ المَوقف الأمريكيّ جعلَ من بقاء رئيس الوزراء الحالي، الدكتور حيدر العبادي، أقربَ الى الخطِّ الأحمر. ولعلَّ هذا ما دَفع الأمريكيّين للموافقة أخيرًا على تَحرير مَدينة الفلوجة من يَدِ داعش مؤخَّراً، بعد أن كانوا مُتحفِّظين على ذلك. فاعتَبروا أنَّ ذلك قد يَمنح العبّادي ورقةَ انتِصار قويَّة تعزِّز مَوقِعه، وتُشتِّت حركة الاحتِجاج والتظاهُر في الشارع. وفي هذه النقطة أَيضاً، تَتلاقى مَواقف الإيرانيّين والأمريكيّين على رعاية شَكل الحكم، أي الترتيب الطائفيّ المُحاصَصاتي الحاليّ. فبقاء العراق كَسيحاً وممزَّقاً مَطلب وهدف مُشترَك للجانبَيْن.

تَتحرَّى مُتابعتُنا الجانب الأساسيّ من شبكةِ العلاقةِ العراقيَّة الإيرانيَّة الغزيرة بالتفاصيل. أحدُ هذه التفاصيل قضيَّة زيارة الإيرانيين للعتَبات المقدَّسة في النجَف وكربلاء. فالإيرانيّون يَدخلون بدون تأشيرة وبالملايين أثناءَ مَواسم زِيارة العتَبات المقدَّسة، مُخترِقين المَنافذ الحدوديَّة، مِمّا يَحرُم الميزانيَّة العراقيَّة من مَصدر دخل مُهِمّ. ويَبقى الهاجِس العراقيّ الأهمّ اليَوم، هو ما إذا كانت الوطنيّة العراقيّة متَّجهه نحْوَ التبَلْوُر وإعادة البناء من جديد، وكيف؟ وماهي الوُجْهة الّتي سيتَّخِذها احتِمال كهذا؟ وهل ستضطَلِعُ النجف أو قوى علمانيَّة عابِرة للطوائفِ بمثلِ هذه المهمَّة التي يَبدو أنَّها ستستغرِقُ وقتًا طَويلاً وستأخذ مسلكاً مُتعرٍّجًا وصَعبًا، عِلماً أنها ستجري بالتضادِّ مع ثقلِ الحضور الإيرانيّ والأمريكيّ؟ يَجدر بالذكر أنَّ القناعة تَتزايد أنَّ لا طريق آخر غير التعدَّد والتوحُّد كَفيل بأنْ يؤمِّن للعراق عَودته لفعالِيَّتِه التاريخيَّة وللحياة.

مثلُ هذا الاحتِمال سيعني في الأغلَب بُروز نَموذج مُختلِف، قِياسًا بنموذجَيْ العلمانيّة وتجارِبها المستَعارة المعروفة حتى الآن في المِنطقة، أَو النماذج الدينيّة. وسيوجِّه ذلك طعنةً لنموذجَيْ الخمينيّة والوهّابيّة في آن معاً. وقد يكون المناخ ملائماً لبروز بوادر مثل هذا النموذج. فالمرجعيّة النجَفيّة، والتيّار الصدري، والقِوى المدنيّة، تَتقارب أكثرَ فأكثر، مُشكِّلة جبهةَ عمل واحتِجاج واحدة ضدَّ الفساد والنهب. وهي ترفض بشدَّة دَولةَ المحاصَصة والطوائف المُتناحِرة.

1الدولة الصفوية أصولها اذربايجانية، أسَّسها المتصوِّف صفيّ الدين الأردبيلي، بخلاف ما يروِّج السلفيون.

2نشر موقع ORIENT XXIفي 3 آذار /مارس 2016 مقالاً بعنوان “”السيستاني ناطقٌ باسم وطنيّة شيعية" لروبين بومين، والعنوان واضح الدلالة برغم آنيّته وغلبة الطابع الصحافي عليه وافتِقاره للخلفية التاريخية.

3أنشئت منظَّمة بدر أصلاً في إيران أبّان الحرب العراقيّة – الإيرانيّة.

4يتجاوَز بحث العوامل التاريخيّة والبنيويّة التي أدّت إلى انهيار الدولة العراقيّة بفعل الغزوِ الأمريكيّ 2003 نطاق البحث الحاليّ. تخصّ ملاحظتُنا الجانب المتعلِّق بالغزو ِودلالتِه غير المسبوقة في علاقات الهيمَنة الغربية في العالم الثالث.