يَقظةُ أثيوبيّي اسرائيل

من العنصريّة تُجاه الفلسطينيّين إلى العُنصريّة تُجاه الزنوج

من يهتَمُّ بإسرائيل، ولو قليلاً، يعرفُ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وغالباً ما يعرفُ أيضاً أن الأقلِّيّة الفلسطينيّة في إسرائيل – أولئك الذين أُطلِقت عليهم لمدَّة طويلةٍ تسمِيةُ “العرب الإسرائيليون”- تخضعُ لتمييز هيكلي. إلّا أن قلّيلين على دِراية بالانقسامات والتّمايُزات التي يعاني منها المجتمعُ اليهودي نفسُه داخل إسرائيل.

يتمتَّع المواطن الإسرائيلي اليهودي بامتيازاتٍ لا يَحْظى بها باقي المواطِنون، وذلك تِبعاً للقانونِ الأساسي الذي بِحُكمِه تُعرَّف إسرائيل على أنَّها “دولةٌ يهودية”، وذلك بمعزلٍ عن الموقعِ الاجتماعي والانتماء العرقي. هذا واقعٌ ينصُّ عليه بِوضوح عددٌ محدودٌ من القوانين، وراسخٌ في مُمارساتِ المؤسَّسات الحكوميّة التي ما زالت تضعُ نصبَ عينَيها تقويةَ إسرائيل كدولةٍ “يهودية وديمقراطية”، رغمَ مرورِ ستّين سنةٍ تأسيسها.

إلّا أنَّ الامتيازاتِ التي يحظى بها اليهودُ داخلَ “الدولة اليهودية” ليست موزَّعةً عليهم بالتساوي. يصنِّف تقريرُ منظمةِ التعاونِ والنموِّ الاقتصادي -OCDE إسرائيل في المرتبةِ الثانية بين البلدان الصناعيّة فيما يتعلّق بالفجوةِ بين الأغنياء والفقراء. ويَقضي هذا التصنيف على صورةِ إسرائيلَ المتداوَلةِ على أنها بلدٌ نموذجيٌّ -لا بل اشتراكي- من حيثِ العدالةِ الاجتماعيّة والمساواة... إذ تميَّزَ هجومُ بنيامين نتنياهو النيوليبرالي في الثمانينات، بوحشيَّة لا مثيلَ لها في الدوَل الصناعيّة. وتغدو مارغريت تاتشر مقارنةً به، وكانت آنذاك وزيرةً للمالية1، بصورة الأم تيريزا.

يعاني المجتَمعُ الإسرائيلي من شقاق اجتماعي واثني، وكلاهُما يتقاطَعان في معظمِ الحالات: فأكثرُ الإسرائيليّين يسراً هم من أصولٍ أوروبيّة، وأكثرُهم فقراً من أصولٍ “إفريقية- آسيويّة”، حسبَ تعبيرِ المكتبِ المركزي الاسرائيلي للإحصاء. وفي أسفل السلَّم، يتواجدُ الإثيوبيون.

العنصريّة الإسرائيليّة اليَوميّة

في بداية السبعينات، كان بإمكانِ غولدا مائير أن تردِّدَ أن “اليهودي الحقيقي” يتكلّم اليَديشِيّة حتماً، قبلَ أنْ تأتي ثورةُ “الفهود السوداء” – بلاك بانترز-2 وتصاعُدُ اليهود الشرقيين الآتين من البلدان العربية ومحيط البحر المتوسط لوضعِ حدٍّ لخطاباتٍ كهذا، رغم أن التمييزَ هذا لم يتبدَّدْ أبداً. أمّا أنْ يتواجدَ يهودٌ زنوج؟!

عل أيّام غولدا مائير، بعضُ السُّمرة على سُحنةِ امرئ كانَ كافياً ليشارَ إليهِ بالإصبعِ وبازدراءٍ على أنّه “شفارتز”( أسود)؛ فما بالُكم إذا كانَ هذا المرءُ من أثيوبيا أو أريتريا؟ ذلك يعني أن تضربَهُ الشرطةُ باستمرار في أحياءِ تل أبيب الجنوبيّة، خاصةً من قِبل شرطة الحدودِ والوحدةِ الخاصَّة المعنيَّة بملاحقةِ “المُتسلِّلين”. وكيفَ لشرطيٍّ عنصريٍّ أن يميِّزَ بين اثيوبيٍّ يهوديٍّ ومهاجرٍ من إيريتريا أو من جنوبِ السودان3؟ “كلُّهم زنوج”! فليسَ من الصدفةِ أن يكونَ التنديدُ بعنفِ الشرطةِ هو السببُ الأولُ لتجمُّعاتِ الأثيوبيّين الاحتِجاجِيَّة خلالَ الأشهر الأخيرة.

وفي تقريرِه لعام 2013 ، يُعطي المراقب العام لشؤون الدولة يوسيف شابيرا حصالة الفروقات الاجتماعية:
-  18 %من الإثيوبيّين يُعانون من البَطالةِ (نسبةُ البطالة في إسرائيل % 5.6 )
-  65 %من الشبابِ الإثيوبيّين يَعيشونَ تحتَ خطِّ الفُقر
-  أغلبُ التلامذةِ لا يحصلون على الشهادةِ الثانويَّة العامة
-  أكثرُ من 20 % لا يؤدّون الخدمة العسكرية لأن إدارةَ الجيش تعتبرُ تصرُّفاتِهم “سيِّئة للغاية”. وإنْ كانت الحكومةُ قد وضعَت مجموعةَ آليّات لتحسينِ الوضع، خاصّة في المدارس الثانويّة، فخلاصةُ المراقب العام واضِحةُ: كلّ الآليّات باءَت بالفشل.

يَعملُ عددٌ كبيرٌ من الأُثيوبيّين في شرطةِ الحدودِ ودوائرِ السجون، وهي مِهنٌ لا تتطلّبُ مستوى تعليميّاً، وذلك من تناقضاتِ المجتمعِ الإسرائيلي، على أنَّنا نجدُ ذلك أيضاً في دولٍ أخرى. ومع ذلكَ، ورغمَ البدلةِ التي يلبِسونَها والتي من المفروض أنْ تُساهم في فرضِ هيبتِهم، فهم يتعرَّضون للاعتِداءِ على نقاطِ التفتيش وفي السجون، لا سيَّما وأنَّهم نَحيلو الأجْساد. أتذكَّر أنا شخصيّاً المعتَقلين في سجن “ماسياهو” الذين كانوا ينادون حارسَهم قائلين: “تعالَ هنا، يانيغرو4 ولتبدأ الحفلة”!

المساواة صراع

ولكنَّنا نشهدُ مُنعطفاً منذُ عدَّةِ سنوات، مع الجيلِ الجديدِ الذي وُلِد وشَبَّ في إسرائيل، وخدمَ في جيشها، وأكثرَ من ذلك، اكتَسبَ أدواتٍ للمطالَبةِ والنضال. أضحى التعاملُ معَهم بازدراءٍ أخفَّ مِمّا كانَ عليه مع أهاليهم. ورغم تعلُّقِهم الشديد بتقاليدِهم، فالإثيوبيّات والإثيوبيّون الشباب يعتَبِرون أنفسَهم إسرائيليّين، ويريدون أن يتُمَّ التعامُلُ مَعهم على هذا الأساس. وليسَ من محْضِ الصدف أنْ يكونَ شعارُ “نحن يهود!” منَ الأكثرِ شيوعاً في تظاهراتِ تل أبيب في 3 أيار / مايو 2015: بعضُهم لم يتورَّعْ عن إضافةِ “ولسنا عرب”. غالباً ما يركِّزُ هؤلاء الشبابُ الإسرائيليّون من أصولٍ أثيوبيّة – هكذا يريدون أن يعرَّف بهم – على خدمتِهم في الجيشِ الإسرائيلي، ويشيدونَ حتّى بـ “إنجازاتِهم العسكريّة” في الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة. وكان تعرُّضُ جنديٍّ إسرائيليِّ من أصلٍ إثيوبيِّ للضربِ أحد العوامل التي أدَّت إلى الاحتجاجاتِ الأخيرة. لوْ كانَ لدى هؤلاءِ أدنى معرفةٍ بإسرائيل، لعَلِموا من الدروزِ والبدو أنَّ الخدمةَ في الجيشِ الإسرائيلي لا تشكِّلُ ضمانةً لتَفادي التمييزَ العنصري. المساواةُ صراعٌ، إنْ داخلَ إسرائيل أمْ خارجَها، حتى ولو كانَ المرءُ يهوديّاً في “دولةِ اليهود”.

“يعاملونَنا وكأنَّنا عرب”

قمعَت الشرطةُ المُظاهرات بعنفٍ ندرَ مثيلُه فيما يخصُّ مظاهراتٍ يقومُ بها يهود. وكان المتظاهرون يردِّدون على مَسمَعِ أوَّل أذنٍ صاغِيَةٍ : “لقدْ تَعاملوا مَعنا وكأنَّنا عرب”. واقعُ الأمرِ أنَّ المتظاهرين أنفسَهم لم يتصرَّفوا كملائكةٍ ولم يتورَّعوا عن الهجومِ على الشرطة لتخليصِ أحدِ رفاقِهم، كاسِرين بذلكَ الصورةَ النمطيَّةَ للأثيوبيِّ المِسكين.

وفيما كانَ ردُّ الشرطةِ أنْ أدانَت المتظاهرينَ المُعتَقلين بتهمةِ الاعتداءِ على قوى الأمن، بادرَت الحكومةُ من جهتِها إلى تعيينِ لجنةٍ مهمَّتُها تقديمُ طروحاتٍ لتحسينِ ظروفِ عيشِ الإثيوبيّين. في هذهِ اللّجنَة، تمَّ تعيينُ وُجهاءَ منَ الجالية الأثيوبية، ومن بينِهم حاخامات أثيوبيّون ...لا تَعترِفُ بِهم الحاخاميَّة الكبرى في إسرائيل.

من المُستبعَدِ أنْ يرى الجيلُ الإثيوبيُّ الناشئ في هؤلاءِ الوجهاءَ مُمَثِّلين لهم، وكلُّ المؤشِّرات تفيدُ أن احتجاجاتِهم مُستمرَّة. فاستئصالُ العنصريّة تُجاهَ الزنوجِ من المُجتمعِ الإسرائيليِّ، وبدايةً من شرطَتِه، صراعٌ طويلُ الأمَد، ولا يمكنُ فصلُه عن صراعِ فلسطينيّي إسرائيلَ من أجلِ العدالة. عادةً، يُعتَبَرُ تَقاطعُ النِّضالاتِ منْ أجلِ العدالةِ ضرورةً. يبدو هذا التقاطعً في إسرائيل ثورياً.

1كان بنيامين نتنياهو وزيراً للمالِيّة في حكومةِ شارون من 28 شباط/ فبراير إلى 9 آب/ أغسطس 2005.

2كانَت حركةُ “الفهود السود” الاسرائيليّةُ حركةَ احتجاجٍ ضدَّ التمْييز العنصريِّ تُجاهَ اليهودِ الشرقيّين (“مزراييم”). تأُسَّست هذه الحركةُ عام1971 في القدس، على نَموذجِ حركةِ “الفهود السود” الأفرو-أميركيّة

34غالباً ما تُستعمَل كلمةُ “الفَلاشا” للإشارةِ إلى الإسرائيليّين من أصلٍ اثيوبي. إلا أنَّ هذا التعبيرَ ليسَ محبَّذاً لدى المعنيِّين بالأمرِ الذين يعتبِرونَه مهيناً ويفضِّلونَ تعبيرَ “بيتا إسرائيل” (بيت إسرائيل). وحتى هذا التعبيرُ الأخير بدأَ يختَفي لصالحِ تعبيرِ “يهود اثيوبيّون” أو مجرَّد “أتيوبيم” (أثيوبيّون).

4تسميةٌ بالإنكليزية للزُّنوج وتعتَبَر مهينةً إذ تذكِّ بفترةِ العبوديّة، تمَّ استبدالُه بالأميركيين-الأفريقيين أو ألـ”أفرو-أميركان“.