ليبيا: التدخُّلُ العَسكريُّ سيقوّي تَنظيمَ الدولةِ الإسلامِيّة

بعد سنتين من طرحِه دورِيّاً من قبل كلٌّ من وزيرِ الدفاع الفرنسي وأركانِ جيشِه والأتباع الفرنسيّون لإيديولوجية المحافِظين الجددِ الأميركيّين العائدة لحقَبَةِ جورج بوش الابن، ها هو احتمالُ التدخُّل العسكريِّ في ليبيا يعود على طاولةِ النقاش. هدفُه المُعلَن هو القضاءُ على تنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّة في ليبيا، علماً أن قدرةَ هذا التنظيمِ على الترسُّخِ باتَت محدودة. من شأنِ هذا التدخُّلِ إن حصلَ أن يُهمِّشَ المسألةَ الرئيسيَّة وهي إعادةُ بناءِ دولةٍ حاضنةٍ وذاتِ شرعيَّةٍ، وأن تُعقِدَ المَشاكلَ أكثرَ من أن تساهِمَ في حلِّها.

عاد احتمالُ التدخُّل العسكريِّ في ليبيا إلى طاولةِ النقاش، بعد أن طرحَه على مدار السنتين الأخيرتين كلٌّ من وزيرِ الدفاع الفرنسي وأركانِ جيشِه والأتباع الفرنسيّون لتيّارِ المحافِظين الجددِ الأميركيّين العائد لحقَبَةِ الرئيسِ الأميركيِّ جورج بوش الابن. ولم تَكُن مُطالباتُ العسكريّين الفرنسيّين المُنخرِطين في عمليّة بارخان في الساحل الإفريقي بتوسيعِ حقلِ تدخُّلِهم على الجنوب الليبي، ولا مآسي غرقِ اللاجئين الآتين من ليبيا، المُحفِّز لإعادةِ النظرِ في هذا الاحتمال. بل إنَّ تفجيراتِ 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في باريس هيَ التي أعطَت دفعاً لفكرةِ التدخُّل في ليبيا مُجدَّداً. ورغم أن كلَّ مُنفِّذي عمليَّةِ باريس كانوا فرنسيّين أو بلجيكيّين وأنَّ أحداً منهم لم يُقِمْ في ليبيا ولم يَعبُرْ حدودَها ، إلا أنَّ ليبيا باتَت مَشمولة في “الحربِ ضد الإرهاب” الجديدة، تلكَ التي أعلنَها رسميّاً الرئيسُ هولاند Hollande عشيَّةَ التفجيرات. حربٌ لم يَعد الهدفُ مِنها حمايةَ المدنيّين وإسقاطَ نِظام القذّافي، بَل القضاءَ على الميليشيات التي أعلنَت الولاءَ لتنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّة. وهذا ما صرّحَ به مانويل فالز Manuel Valls في 1 و4 كانون الأول/ ديسمبر 2015:“لا شكَّ أن الملفَّ الليبيَّ سيكونُ الأهمَّ في الأشهرِ القادمة... سنضطَرُّ غداّ لمحاربةِ داعش هناك”. تَتهيَّؤ فرنسا للأمر وتُعلِنُ عنه. وقبلَ ذلك بأيام، أي عشيَّةَ الجولةِ الثانيةِ من الانتِخابات النيابيَّة، كانَ المكتبُ الإعلاميُّ لقصرِ الإيليزيه قد أعلنَ عن جولاتِ استطلاعٍ قامَت بها في 21 و23 تشرين الثاني/ نوفمبر، طائراتُ رافال أقلَعَت من حاملةِ الطائراتِ شارل ديغول ضدَّ أهدافٍ لتنظيمِ الدولةِ الإسلامِيَّة. منذُ ذلكَ الحين، لم تكفُّ وسائلُ الإعلامِ الكبرى تُقطِّرُ مَعلوماتٍ تُفيدُ بصعوبةِ تَفادي تَدخُّلٍ جديدٍ في ليبيا، نقلاً عن “مُستشارين لدى وزارةِ الدفاع” أو عن “ديبلوماسيّين رفيعي المستوى”. وتنكبُّ هيئاتُ الأركانِ البريطانيَّة، والفرنسيَّة، والإيطاليَّة، والأميركيَّة على صياغةِ السيناريو الأمثَل، وهوَ أن تقدِّمَ حكومةُ الوِفاقِ الوطنِيِّ طلبَ دعمٍ، وذلك بحكمِ المعاهدةِ التي تمَّ توقيعُها في 17 كانون الأوَّل / ديسمبر في سخيراط بضغطٍ من القوى الغربِيَّة. أمَّا القاعِدةُ القانونيَّةُ لطلبِ التدخُّلِ هذا، فيوفِّرُهُ القرارُ 2259 الذي تمَّت صياغتُه من قِبلِ المملكةِ المُتَّحدةِ وتمَّ التصويتُ له في 23 ديسمبر، والذي بحكمِه أصبحَت حكومةُ الوِفاق الوطنِيِّ المتَّفقُ عليها في معاهدةِ سخيراط “الحكومةَ الشرعِيَّةَ الوحيدة في ليبيا”. وفي حالِ لم تتمكَّن حكومةُ الوفاقِ الوطَنيِّ من العودةِ سريعاً إلى ليبيا بسببِ القوى الرافِضَةِ لها، فالخطَّةُ البديلةُ تَفترِضُ التدخُّلَ دونَ غطاءِ حكومةٍ محلِّيَّةٍ شرعِيَّةٍ. ستقتصِرُ آلِيَّاتُ العملِ المتوقَّعَةِ على قصفِ أهدافِ تنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّة وتأمينِ الحمايةِ من قبلِ القوّاتِ الخاصَّةِ لمواقعِ البترول.

ولكن، ما الذي نعرفُه عن خصائصِ تنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّة في ليبيا، ونقاطِ القوَّةِ والضعفِ في بنيتِه، بعيداً عن الخطابات الرسميَّة؟ ولئنْ كانَ جلِيّاً أنَّ تواجدَه في ليبيا يشكِّلُ ركيزةَ الاستراتيجيَّة الإعلاميَّة لتنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّة، ولئن لم يُخفِ هدفَه بالحلولِ دونَ بناءِ دولةٍ، إلا أنَّه يُستحسَن تحليلُ قدرتِه على الترسُّخ والامتِداد في هذا البلد، اعتماداً على الخصائصِ الليبية التي تَختلِف كثيراً عنها في العراق وسوريا. يبلغُ عددُ أعضاءِ تنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّة في ليبيا ما يقاربُ 3500 رجلاًوذلك تبعاً لتقديراتِ الأمم المتحدة التي تعتمدُ بدورِها على أرقامِ “الدول الأعضاء”. أمّا السلطاتُ الرسميَّةُ في طرابلس، فتَحكي عن حوالي 1500 نفرٍ مُتواجِدين في مدينةِ سريت ومحيطِها، ومحيطِ مدينةِ درنا، وبعضِ أحياءِ بنغازي.

جُغرافية التحالُفات المحلِّيَّة

لم تكن قد مرّت أربعةُ أشهرَ على احتلالِ تنظيم الدولةِ للموصلِ في حزيران، أي 2014 في 3 تشرين الأول/ أكتوبر، حتى أعلنَ مجلسُ شورى شبابِ الإسلامِ ولاءَه رسميّاً لتنظيمِ الدولة، وهوَ مجموعةٌ جهاديَّةٌ محلِّيّةٌ في درنا. بعدَ ذلكَ بشهرٍ ونصف، أخذَ التنظيمُ علماً رسميَّا بهذا الوَلاء ، واعتبرَ محافظةَ Cyranéïque أحدى ولاياتِه، تحتَ تسميَةِ ولايةِ برقة، إسوةً بولايةِ العراق والشام. وفي شباط/ فبراير 2015، سقطَت مدينةُ سيرت تحتَ سيطرة التنظيمِ الذي أعلَنَها عاصمةً لولايةِ طرابلس.

بداية، يأتي ترسُّخ تنظيمِ الدولةِ الإسلامِيَّة في مدينةٍ أو في منطقةٍ ما في ليبيا تلبيةً للاعتباراتٍ محلِّيَّةٍ، تعكسُ تنوّعَ الإشكاليّاتِ والمسائلِ المحلِّيَّةِ تبعاً للمدنِ ولمناطقِ تواجده. منذ بدايةِ الثورةِ والحربِ الأهلِيَّة في 2011، تميزّت الحالةُ الليبيَّة على أنَّها غايةً في التجزؤِ الجغرافيِّ، مع أولويَّةِ للعواملِ المحلِّيَّة على المنطقِ الوطَني والمواقِف الإيديولوجيَّة. وتأتي التحالفاتُ مع هذا الفريقِ أو ذاكَ تلبيةً لوجهٍ من أوجُهِ المنطقٍ الذي يسري في وضعٍ محلِّيٍّ بعينِه: تحالُفٌ مع حزبٍ أقوى لحمايةِ فئةٍ أقلِّيَّةٍ أو للتحكيمِ بينَ مجموعاتٍ متنافِسةٍ في غيابِ سلطةٍ محلِّيَّةٍ تملكُ ما يَكفي من القوَّةِ أو بسببِ تفكُّكِ النسيجِ الاجتماعيِّ، تضامنٌ مع فردٍ في عائلةٍ ما أو في عَشيرةٍ ما ، كَريزْما خاصَّةٌ بأحدِ زعماءِ الميليشيات أو أحدِ خُطباءِ الجوامع، منطقُ اصطِيادِ الفُرَص.

وقد تمَّ تحريرُ درنه، أوَّلِ معقلٍ لتنظيمِ الدولة الإسلاميَّةِ في تاريخِ ليبيا، والتي كانَ يُحكى قبلَ سنةٍ عن صعوبةِ استرجاعِها، تمَّ تحريرُها على يدِ الميليشيات المَحلِّيَّة دونَ أدنى دعمٍ من نواةِ الجيش الوطنيِّ الليبيِّ الذي كانَ الجنرال حفتر مُسيطراً عليه والمكوَّنِ بأغلبيتِه من قبائلَ مُنافسةٍ لقبائلِ درنه.

في بنغازي، يقودُ مسلَّحو التنظيمِ معاركَهم ضدَّ جيشِ الجنرال حفتر والميليشياتِ المَحلِّيَّةِ التابعةِ له، على جبهتَين من أصلِ سبعِ جبهات. وعلى الرغمِ من وجودِ تحالفاتٍ عرَضيَّةٍ مع الميليشيات الثوريَّةِ الكبرى ذواتِ الاتِّجاهاتِ الإسلامويَّة والتابعةِ لمجلسِ الشورى لثوّارِ بنغازي، بغرضِ مواجَهةِ جيشِ الجنرال حفتر ، إلّا أنَّهُ غالِباً ما تحصلُ تَوَتُّراتٌ بينَ الفريقيَّن.

مدينةُ سِرت، التي تصِفُها دَوريّاً وسائلُ الإعلامُ الغربيَّة على أنَّها “الرقة الليبية” (تيمُّناً بالعاصمةِ السوريَّة للتنظيم)، هي إذاً المدينةُ الوحيدةُ التي نجحَت ميليشياتُ التنظيمِ بالترسُّخِ فيها. ويُعطينا تاريخُ المدينةِ واجتماعُها بعضَ التفسيراتِ. فسِرت هي معقلُ قبيلةِ العقيدِ القذّافي، وقد أوَت آخرَ عناصرِ مقاومتهِ في 2011، وفيها عاشَ الرئيس الليبي المخلوع آخرَ أيامِهِ. وظلَّت المدينةُ حتّى اليومِ خارجَ ليبيا الجديدة، هي التي وصفَها سكّانُها على أنَّها المرادفُ الليبيَّ لمدينةِ “دريسدن” الألمانيَّة، في تلميحٍ إلى الدمارِ الذي خلَّفَهُ القصفُ عام 2011. نُبِذت قبائلُها، وتمزٌّق نسيجُها الاجتماعيُّ بحكمِ الدمار ونُزوحِ السكان. كما أنَّه لم تَبرز أيَّةُ ميليشيا محليَّة ذاتِ شريعةٍ ثوريَّةٍ بعدَ سقوطِ النظام. فالميليشيات التي تُعنى بالحفاظِ على الأمنِ في سرت هي من مصراطه ، وتتصرَّفُ على أنَّها ميليشياتُ احتلالٍ مع السكَّانِ المحليّين الذين يَنظرونَ إليها بنفسِ المِنظار. ويجدرُ بالذِّكرِ أنَّ كتيبةَ الفاروق، التي تُشكِّل العمودَ الفقريَّ للتواجُدِ العسكريِّ في سرت، هي كتيبة من مصراطه. وكتيبةُ الفاروقِ مكوَّنةٌ من جهاديّين شبَّان كانوا قد أعلَنوا ولاءَهم لأنصارِ الشريعةِ قبلَ أن يُعلِنوا ولاءَهم لتنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّةِ في نهايةِ عامِ 2014. وقد استعانت تلكَ الجماعاتُ التي تسيطرُ بالرعبِ والترهيبِ والمالِ على مجتمعٍ محلِّيٍّ هشٍّ يتوقُ للأمنِ والنظام، بمجنَّدين غُرباءَ ضَمَّتهم في صفوفِها (حيث باتَ مؤكَّداً وجودُ صوماليّين وتونسيّين وجزائريّين وموريتانيّين وماليّين ومصريّين)، كما استطاعَت أن تستقطِبَ أفراداً من الجالِيَةِ المحلِّيَّة، وأن تستغِلَّ الانقِساماتِ بين الفصائلِ المحلِّيَّة لتفرضَ نفسَها. وبحكمِ موقعِ المدينةِ الجُغرافيِّ ، في قلبِ مِنطقةٍ صحراوِيَّة، تَتقاطعُ فيها منطقَتا نفوذٍ برلمانَيْ طبرك وطرابلس، استفادَ التنظيمُ كثيراً من الصراعِ الناشِبِ بين الإدارَتَين المُتنافِستَيْن. فقد أولَت الإدارتان الأهمِّيَّةَ الأكبرَ للصِّراعِ من أجلِ السيطرةِ الوطنِيَّة، وحالَ هذا الصراعُ دونَ عملٍ مشترَكٍ ضدَّ تنظيمِ الدولةِ الإسلامِيَّة. ومدينةُ مصراطه نفسُها منقسِمةٌ بينَ من يَدعو لمحاربةِ التنظيمِ ومن يدعو لحمايةِ العاصِمةِ طرابلس.

تغذِيةُ الانقِسامات

ويدلُّ ما حدثَ في مدينةِ درنه، حيثُ تمكَّنَت فئاتٌ مسلَّحةٌ مُتنازِعةٌ من دَحرِ مُسلَّحي تنظيمِ الدولةِ الإسلاميَّة، أنَّ استعادةَ ما كسِبَهُ التنظيمُ ليسَت أمراً مستحيلاٍ إن تواجدَت بدائلُ محلِّيّةٌ أو إقليمِيَّة. وبالمقابل، يشيرُ ما حدثَ في سِرت إلى أنَّ التنظيمَ يترسَّخُ حيثُ لا تتواجدُ قوَّةٌ محلِّيَّةٌ قادرةٌ على مقاومتِهم.

يبدو أنَّ نظيمَ الدولةِ على درايةٍ أنَّهُ لن يستطيعَ فرضَ سيطرتِه العسكريَّةِ على رقعةٍ جغرافيَّة أوسعَ، كما فعلَ في العراق وسوريا، فاتَّبعَ استراتيجيَّةً تعتمِدُ على تعميقِ الشقاقِ بين الأطرافِ المُتنازِعة، بهدفِ منعِ تشكيلِ حكومةِ وحدةٍ وطنيَّةٍ مهما كانَ الثمَن. وتُترجِمُ هذهَ الاستراتيجيَّةَ بعضُ العمليّاتِ الإرهابِيَّةِ ضدَّ أهدافٍ ذاتَ دلالةٍ رمزيَّةٍ لكلٍّ من الطرفين. كما أنَّ تنظيمَ الدولةِ الإسلاميَّة ينفِّذُ عملِيّاتِ هجومٍ على حقولِ النفطِ التي تسيطرُ عليها قوّات حرسُ المُنشآتِ النفطيَّةِ التابِعة لابراهيم جضران، بهدفِ تخريبِ تلكَ المنشآتِ أكثرَ منهُ بهدفِ السيطرةِ الفعلِيَّة عليها. ويبدو أخيراً أنَّ تنظيمَ الدولة الإسلاميَّةِ، ولعدمِ تمكُّنِه من التوسُّعِ نحوَ الشرقِ أو نحوَ الغربِ، يطوِّرُ عملَه انطِلاقاً من سِرت، حيث يوسِّعُ سياسَتَه باتِّجاهِ صحراءِ الساحلِ الإفريقيِّ، ويجنِّدُ عناصرَ من الطوارق، كما تدلُّ على ذلكَ الرسائلُ التي تمَّ بثُّها مؤخَّراّ باللُّغةِ التمشُّقِيَّة .

إجماعٌ على إدانةِ العمليّات الانتِحاريّة

إلّا أنَّ تفجيرَ الشاحِنةِ المُفخَّخةِ في 8 كانون الثاني/ يناير 2016 ضدَّ معهدٍ للشرطةِ في مدينة زليتن، والتي أسفرَ عن أكثرَ من 65 ضحيَّةٍ بين المُجنَّدين الشباب، والعمليَّاتِ الانتِحاريَّةِ ضدَّ منشآتٍ نفطيَّةٍ في راس لانوف، تشيرُ إلى استِياءٍ مُحتمَلٍ في وضعِ تنظيمِ الدولة. فقد أدَّت تفجيراتُ راس لانوف مباشرةً إلى بدايةِ تحالفٍ تكتيكيٍّ بينَ ميليشياتِ مصراطةَ التابعةَ لفجرِ ليبيا من جهة، وقوَّاتِ حرسِ المنشآتِ النفطيَّةِ التابعةِ لابراهيم جضران من جهةٍ أخرى، وهما فريقين كانا، حتى أواخرِ 2014، على صراعٍ حولَ ميناءِ سدرةَ النفطي. وأسفرَ التحالفُ التكتيكيُّ هذا عن تجهيزِ غرفةِ عمليَّاتٍ مشترَكةٍ، ونقلِ الجرحى من بينِ حرس المنشآت النفطية إلى مُستشفَياتِ مصراطة، ووضعِ طيَّاراتٍ من مصراطة تحتَ تصرُّفِ قوّاتِ ابراهيم جضران ضدَّ التنظيم. أما عمليَّةُ زليتن الانتِحاريَّة، فقد أثارَت بشاعتُها شجَباً عامّاً في كُلِّ ليبيا. وأثارَت صوَرُ الانتِحاريّين صدمةً كبيرةً على الشبكاتِ الاجتِماعيّةِ الليبيَّة، إذْ نشرَ التنظيمُ صوراً تُظهِر وجوهَ شبانٍ أصولُهم من الساحلِ الإفريقيّ أو منَ القرنِ الإفريقي. وقد أثارَت صورةُ أحدِ “الشهداء” ضجَّةً في عائلاتٍ ليبيّة عديدة، فاسمُ الفتى عبد المنعم دويلا وعمرُه 15 سنة، كانَ قد فرَّ من بيتِه في طرابلسَ ليقاتِلَ مع التنظيمِ في سرت، وتدلُّ سيرةُ اعتناقٍه للجهادٍ التي نٌشِرت على نطاقٍ واسعٍ في ليبيا،على قطيعةٍ جديدةٍ بين الأجيال. تَحكي هذه السيرةُ أنَّه ولدٌ من عائلةٍ مُتديِّنة سجَّلَتهُ في مدرسةٍ قُرآنيَّةٍ تابِعةٍ لإحدى الطرقِ الصوفيَّة، ابتعّد تدريجيّاً عن الصوفيَّةِ ليدخلَ في الجِهادِ العسكري مُتأثِّراً بأحدِ خطباءِ الحيِّ.

لأوَّلِ مرَّةٍ منذُ سقوطِ نظام القذافي إذَن، أدَّت مأساةُ زليتن، بعدَ حدوثِها ببِضعةِ أيّام، إلى إدانةٍ جَماعيَّة للتفجيرِ من قِبَلِ كافَّةِ الفئاتِ المُسلَّحةِ المتنافِسة. كما أنَّ سيرةَ الفتى الجهاديِّ قد نبَّهَت الأهلَ والعائلاتِ حولَ مَخاطرِ دُخولِ أوْلادِهم في الأصولِيَّة أبنائهم.

دميةٌ في يدِ الغرب؟

وعليه، فإنَّ من شأنِ أيِّ تدخُّلٍ عسكريٍّ جديدٍ في ليبيا، أكانَ بطلبٍ من حُكومةِ وِفاقٍ وطنيِّ أم لا، أن يُعقِّد المشاكلَ بدلاً من أن يَحلَّها، إن تجاهَلَ مسألةَ السيادةِ الليبية. ولئن ارتفعَت بعضُ الأصواتِ الليبية، مطالِبةً بتدخُّلٍ أجنَبِيٍّ جديد، فالأغلبِيَّةُ الساحِقةُ في ليبيا ترفضُ ايَّ تدخُلٍ على الأرضِ، أكانَ هذا التدخّلُ غربيّاً أم عربِيّاً.

في حال تدخُّل غربيٍّ في ليبيا، سيصبحُ احتِمالُ انتصارِ تحالفٍ ليبيٍّ داخليٍّ على تنظيمِ الدولة بعيدَ المنال، بالإضافةِ إلى أنَّ حكومةِ الوِفاقِ الوطنيِّ ستَفقدُ مِصداقيَّتها، وتَظهرُ للعَلن على أنَّها لعبةٌ في يدِ الدولِ الغربِيَّة. كما أنَّ أيَّ تدخُّلٍ سيُغذّي الضغينَةَ لدى العديدِ من الليبيّين: فهؤلاء، وإن لم يكونوا على كَراهِيةٍ للغرب، إلّا أن حساسيَّتَهم تُغذِّي قابليَّتهم للأخذِ بنظريات المؤامرة ، وهي إحدى حُجَجِ الفاعلين السياسيّين الأكثر راديكاليّة في الشرقِ كما في الغرب. وإحدى تلك النظريات تقولُ إنَّ “الغربَ اختلَق تنظيمَ الدولةِ الإسلاميّةِ ليستخدمَهُ ذريعةً للتدخُّلِ في العالم العربي”.

لذلك، فـ “نضال” مانويل فالز في ليبيا لن يُسفر عن علاجٍ للجذورِ السياسِيَّة والاجتماعِيَّةِ لتواجُدِ التنظيم في تلكِ الدولة، لا بل على العكس. فالعلاجُ يَفترِض أوّلاً وضرورةً، إعادةَ بناءِ دولةٍ شرعيَّةٍ تضمُّ أكبرَ عددٍ مُمكِنٍ من الفاعِلين السياسيّين- العسكريّين المحليّين في ليبيا.