معاداة السامية، حملة منظمة ضد جيريمي كوربين زعيم حزب العمال البريطاني

منذ عدة أشهر، يواجه جيريمي كوربين قائد حزب العمال البريطاني، حملة تتهمه بمعاداة السامية. تأتي السهام إلى كوربين من يمين الحزب ممثلا في ورثة توني بلير، ومن الأوساط الموالية لإسرائيل، واللذَين يستهدفان في الوقت نفسه كلا من الخط اليساري الذي يتبناه كوربين ودعمَه لحقوق للشعب الفلسطيني.

أمام رئيس المعارضة البريطانية جيريمي كوربين الكثير من التحديات. فعليه تحميل حكومة أقلية محافظة المسؤولية عن فيض من القضايا عالية الأهمية. ولكنه يمضي سحابة وقته في إخماد النيران، ففي داخل حزبه كما في خارجه، يتعرض للانتقاد بسبب عدم مهاجمته لمشكلة معاداة السامية المزعومة لدى أعضاء حزب العمال.

في نهاية الشهر المنصرم، نظمت حركات يهودية كبرى مسيرة حاشدة نحو البرلمان، تحت شعار “طفح الكيل”، بمشاركة أعضاء برلمان بارزين من حزب العمال، وذلك لاتهام كوربين بالوقوف في صف معادي السامية. ردّاً على المسيرة، أصدر كوربين بياناً يعترف فيه بـ “ظهور مشكلة معاداة السامية داخل الحزب العمالي” وقدّم اعتذاراً ووعد “بمضاعفة الجهود لإنهاء هذه الوضع المقلق”. لكن يبدو أن مشاكله لن تنتهي قريباً. ففي السابع عشر من نيسان/أبريل، كان عليه تحمل استعراضٍ غريبٍ لمناظرة برلمانية حول معاداة السامية دعت إليه الحكومة المحافظة، أمضى خلاله أعضاء من حزبه ساعات في توبيخ حزبهم، وانتقاد كوربين نفسه بصفته رئيس الحزب.

هجوم صحفي

في الواقع، قبل هذه الحادثة بثمانية عشر شهراً، لم تجد الهيئة البرلمانية البريطانية للشؤون الداخلية “أي دليل موثوق وملموس” عن حضور مشكلة معاداة السامية في حزب العمال أكثر من حضورها في التشكيلات السياسية الأخرى. لكن لا بدّ من فهم هذه الاتهامات ضمن سياق أوسع، أي كردة فعل لوجود كوربين على رأس حزب العمال. فمنذ انتخابه المفاجئ من قبل أعضاء الحزب، قبل حوالي ثلاث سنوات، أصبح هدفاً لهجمات لا تهدأ من قبل وسائل الإعلام البريطانية، ومن بينها ال بي بي سي وصحيفة الجارديان اليسارية.

ويبدو أن “خطأه” الأساسي هو الانتماء لحقبة ما قبل مارجريت تاتشر، أي الفترة التي سبقت فرض نيو ليبرالية أرثوذوكسية على الوسط السياسي البريطاني من قبل رئيسة الحكومة المحافظة، وهو ما دفع حينها بحزب العمال الذي كان يرأسه طوني بلير، إلى إعادة تكوين نفسه تحت اسم حزب العمال الجديد، متخلياً عن جذوره الاشتراكية وعن الاشتراكية الديمقراطية حتى. إثر انتخاب كوربين لرئاسة الحزب انضم إليه سيل من الأعضاء الجدد، ما يجعله اليومأكبر حزب سياسي في أوروبا الغربية. ولكن أعضاء البرلمان، وهم في أغلبهم من بقايا حقبة طوني بلير، دخلوا في تمرّد شبه دائم، حتى أنهم طالبوا بانتخابات جديدة لرئاسة الحزب عام 2016، فاز بها جيرمي كوربين دون منافسة تذكر.

ورغم حملات التشهير واستطلاعات الرأي السلبية، فقد صدم رئيس حزب العمال منتقديه أثناء انتخابات حزيران/يونيو 2017 حين أوشك على قلب الغالبية المحافظة في البرلمان. وحصد أكبر عدد من الأصوات لحزب العمال منذ فوز بلير الساحق في عام 1997.

ثغرات في الرواية

شلَّ الذهول ألسنة منتقدي كوربين لفترة من الزمن، البرلمانيين العماليين منهم و وسائل إعلام على حد سواء. ولكنهم في الأسابيع الأخيرة أعادوا إحياء موضوع معاداة السامية بشكل عدائي.

ما لم يبح عنه في “أزمة معاداة السامية” المزعومة هو أنها متعلقة بدعم كوربين للقضية الفلسطينية منذ زمن بعيد، وبمعارضته الشرسة للحروب الإمبريالية، وتعاطفه التاريخي مع حركات التحرر في العالم الثالث. تصريحات منتقديه مبهمة في الغالب، فلا نفهم منها إن كانت نظرة كوربين للعالم قد أيقظت معاداة للسامية كانت موجودة أساساً في الحزب، أم أن كوربين يشجع سراً كراهية اليهود، رغم سجله الحافل والمعروف في مجال محاربة العنصرية.

لا شك في أن هناك حالات فردية من معاداة السامية بين أعضاء حزب العمال، كما هو الحال في أي مجموعة بشرية، إلا أن ادعاءات منتقدي كوربين تتجاوز هذه الحالات، فهم يؤكّدون على أن معاداة السامية تجتاح حزب العمال بشكل خاص تحت رئاسة كوربين. إلا أن هناك العديد من الثغرات في “رواية” معاداة السامية منذ البداية. فمعظم الأمثلة المزعومة التي كُشف عنها، حدثت قبل استلام كوربين للرئاسة. وقد تم تسليط الضوء عليها من قبل أشخاص نقّبوا في حسابات المؤيدين لكوربين على مواقع التواصل الاجتماعي، مركزين غالباً على فترة هجوم إسرائيل الفتاك على غزة في نهاية عام 2014، حين بلغ التوتر ذروته على الانترنت.

ما يغفل معظم المنتقدين ذكره، هو أن نسبة كبيرة من الذين علقت عضويتهم مؤقتاً أو فصلوا بسبب معاداة السامية، من قِبل بيروقراطية حزب العمال التي مازال يتحكم بها تيار بلير المعادي لكوربين، هم أعضاء يهود أو لهم أصول يهودية، مثال جاكي والكر وتوني غرينستاين وسيريل تشيلسون وغلين سيكر. ومن بينهم أيضاً موشي ماشوفر، وهو أكاديمي يهودي إسرائيلي يحظى باحترام كبير، وجد نفسه ذات يوم مفصولاً من الحزب، إلا أن موجة الاستنكار العالية أجبرت الحزب، على مضض، على إعادة ضمه إلى صفوفه. كافة هذه القضايا التي تداولها الإعلام بشكل واسع يجمعها رابط وحيد، هو أن جميع الذين واللواتي وضعوا على منصة الاتهام ينتقدون علناً إسرائيل

زلَة ليفنغستون

أهم ضحايا جدال معاداة السامية هو كين ليفنغستون، عمدة لندن السابق، الذي يعتبر رفيق كوربين الأيديولوجي. يجب التنويه على أن ليفينغستون كان مكروهاً من تاتشر إلى درجة أنها ألغت مجلس لندن الأعظم عام 1980، الذي كان يرأسه، بهدف التخلص منه.

تم تعليق عضوية ليفنغستون في حزب العمال حتى إشعار آخر، ويطالب عدد كبير من الأعضاء بفصله. إن قضية ليفنغستون تشكل منعطفاً في “أزمة معاداة السامية” في حزب العمال، ما يلزمنا بالتعمق فيها أكثر. ليفنغستون رجل سياسة عفوي ومستقل بطبيعته، ولا يمكن القول إنه يمثل الحالة العامة لحزب العمال. ولكن حتى في هذه الحال، فإن الهجوم الذي تعرض له يظهر الاضطراب الأيديولوجي، إن لم نقل سوء نوايا أولئك الذين يزعمون أن هناك “أزمة معاداة سامية” في حزب العمال. ففي أيار/ مايو 2016، في مقابلة إذاعية حول معاداة السامية، غامر ليفنغستون بالخوض في حقل ألغام تاريخي قائلاً: “حين فاز هتلر في الانتخابات عام 1932، كانت سياسته حينها تقضي بإرسال اليهود إلى إسرائيل. وكان يدعم الصهيونية قبل أن يفقد عقله ويقتل ستة ملايين يهودي” هذا التصريح المتهور يتضمن عدداً كبيراً من الإشكالات. فالتاريخ الدقيق بداية هو عام 1933، ولم يكن لإسرائيل وجود حينها، بل فلسطين فقط، واستخدام تعبير “فقد عقله” يعني ضمناً أنه يمكن اعتبار سياسة التهجير الداخلي التي اتبعها أدولف هتلر سياسة عاقل. عدا أنه لا يجوز لأي سياسي محنك أن يبدي ملاحظة من هذا النوع، يعلم أنها ستستغل للنيل من كوربين، وضرّ القضية الفلسطينية.

ولكن ما سبّب المتاعب لليفنغستون لم يكن خليط عدم الدقة وسوء التعبير في ملاحظته المرتجلة، بل تأكيده على أن “هتلر كان يدعم الصهيونية”. على الفور، أعادت وسائل الإعلام صياغة أقوال العمدة السابق لتصبح: “هتلر كان صهيونياً”. مع أنه من البديهي أن ذلك لم يكن فحوى ما قاله ولا ما قصده. ففي الإنجليزية، جملة “هتلر كان يدعم الصهيونية” تقبل التأويل، وتعني إما أن هتلر كان يحب الصهيونية أو يتعاطف معها، أو أنه كان يساعد أو يسهل تحقيق أهداف الصهيونية دون أن يقصد ربما. التمييز بين المعنيين هام، لأن العديد من مؤرخي تلك الفترة المعتبرين يتفقون مع التأويل الثاني، لكن لا يكاد أحد منهم يتفق مع الأول. ولا شك في أن التأويل الثاني ليس دليلاً على معاداة الصهيونية. إلا أنّ الاطلاع على الروابط الإشكالية والموثقة بين النازية في مراحلها الأولى وبعض أطياف الحركة الصهيونية، لم تثر اهتمام أحد في وسائل الإعلام أو من بين منتقدي كوربين. مع أنه مفتاح فهم ملاحظة ليفنغستون.

نشوب شجار مسموم

أمر جيريمي كوربين بفتح تحقيق داخلي في حزيران/ يونيو 2016 آملاً بوضع حدٍ للجلبة المتعالية حول معاداة السامية. استخلص المحامي شامي شاكرابارتي أن معاداة السامية “لا تكتسح” الحزب كما ادّعى المنتقدون، وإنما هناك “أجواء مسمومة في بعض الأحيان” يجب التخلص منها.

إلا أن هذه الأجواء المسمومة طغت على المؤتمر الذي أعلنت خلاله نتائج التحقيق، بدأ الشجار هذه المرة روث سميث، عضوة برلمان يهودية من حزب العمال، حين هرعت خارجةً من المؤتمر وهي تبكي، بشكل جد لافت للنظر. اتهمت سميث أحد مؤيدي كوربين، مارك وادسورث، وهو مناضل أسود ومؤسس التحالف ضد العنصرية، باستخدام “نظريات مؤامرة دنيئة ضد الشعب اليهودي” خلال المؤتمر حين اتهمها بتسريب معلومات للصحافة اليمينية بهدف إيذاء كوربين. أكّد مارك وادسورث أنه لم يكن يعرف أن سميث يهودية، ولكن رغم ذلك تم تعليق عضويته بتهمة معاداة السامية. ما يدفع إلى استنتاج أن روث سميث تعتبر أي اتهام لشخصها، نظراً لأنها يهودية، هو معاداة للسامية حكماً. وقررت إقحام كوربين في المسالة على سبيل الاحتياط، قائلة إنه “لم يبد أي ردة فعل ولم يفعل شيئاً[...] حزب عمال برئاسة كوربين لا يمكن أن يكون مكاناً آمناً لليهود البريطانيين”. ثم ادعت أنها استلمت 2500 رسالة شتم على الانترنت، غالبها عن طريق تويتر، خلال الأيام التي تلت الشجار الذي نشب حول نتائج تحقيق شاكرابارتي إلا أن اتحاد أمن الجاليات، وهي مجموعة ضغط يهودية بريطانية، أجرى دراسة في آذار/ مارس 2018 تدحض هذه الادعاءات. حيث أن الدراسة عثرت على 1500 تغريدة معادية للسامية في كل بريطانيا خلال فترة اثني عشر شهراً، تتضمن شهر حزيران/ يونيو 2016. مع ذلك، عقب جلسة حضرتها سميث، محاطة وبشكل استعراضي بعشرين برلمانياً عمالياً مهمتهم حراستها الشخصية، تم فصل وادسورث بتهمة " الضر بسمعة الحزب".

المشكلة تكمن في أن معارضي كوربين التفوا حول قضية معاداة السامية، وذلك لأنهم يعرفون خير المعرفة أن الأعضاء سيترددون في الدفاع عن المتهمين اتهاماً بهذه الخطورة. ويبدو أن وسائل الإعلام لم تتوانى عن التواطؤ معهم.

وبحسب مؤيدي كوربين، فإن مجموعات الضغط اليهودية الرئيسية داخل الحزب، وخاصة حركة العماليين اليهود، المنظمة الشقيقة لحزب العمال الإسرائيلي في بريطانيا، تخشى مستقبلاً يترأس فيه كوربين حكومة، قد تكون أول حكومة في أوروبا تعطي الأولوية لفلسطين لا لإسرائيل. والفئة المهيمنة على البرلمانيين البليريين، تخشى أن تخسر الحزب لصالح شخص تعتبره ديناصوراً سياسياً، وتهديداً للنظام السياسي والاقتصادي الذي تدافع عنه. مجموعتا المصالح هاتان تختلطان غالبان. بالإضافة إلى أن حوالي 80 عضواً عمالياً في البرلمان ينتمون لمنظمة أصدقاء إسرائيل العماليين. يبدو أن هذه الشكوك تأكدت في وثائقي من أربع حلقات عن دور اللوبي الداعم لإسرائيل في بريطانيا، بُثَّ على قناة الجزيرة القطرية في بداية العام الماضي. الحلقات الثلاثة الأولى ناقشت دور اللوبي داخل الحزب العمالي، أما الرابعة فأماطت اللثام عن جهود السفارة الإسرائيلية للإطاحة بوزير في الحكومة المحافظة، ألان دنكن، لانتقاده الحاد للمستوطنات الإسرائيلية.

كشف صحفي قناة الجزيرة المتسلل عن وجود علاقات وطيدة بين قادة مجموعتي حزب العمال المفتاحيتين، وهما حركة العماليين اليهود و أصدقاء إسرائيل العماليين، وسفير إسرائيل في لندن شاي ماسوت. كلا المنظمتين التين عبرتا مراراً عن عدائيتهما لكوربين، كانتا في طليعة الحملة التي تدعي أن حزب العمال بقيادة الرئيس الجديد يعاني من مشكلة معاداة السامية. شاي ماسوت يقدم نفسه كدبلوماسي بسيط، إلا أن هناك أدلة قوية تشير إلى أنه يعمل في وحدة سرية تابعة لوزارة الشؤون الاستراتيجية في إسرائيل. وبحسب الإعلام الإسرائيلي، فإن هذه الوحدة مسؤولة عن القيام بحملات تشهير بالناشطين المتضامنين مع فلسطين في الخارج، وخصوصاً أولئك المشاركين في حملة “مقاطعة إسرائيل” التي تزداد قوتها مع الزمن.

وظهر أيضاً أن رئيسة حركة العماليين اليهود، إللا روز، التي عملت سابقاً في سفارة إسرائيل، كانت تتباهى بعلاقتها القوية بماسوت.

صدام في مؤتمر الحزب

الغريب هو أنه لم يكن لوثائقي الجزيرة تبعات حقيقية. فقد تم إبعاد ماسوت من قبل إسرائيل، ولكن لم يتم فتح أي تحقيق من قبل حزب العمال حول نشاطات حركة العماليين اليهود، وأصدقاء إسرائيل العماليين. استحواذ حركة العماليين اليهود على الصوت اليهودي في حزب العمال دون أي منازع، دفع عدداً من الأعضاء اليهود إلى تشكيل مجموعة جديدة منشقة، مؤيدة لكوربين، في مؤتمر الحزب الذي عقد في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تحت اسم صوت يهودي لحزب العمال. لكن سرعان ما تم اتهام المجموعة بتشجيع خطابات كراهية أثناء المؤتمر.

قسم من الموفدين عبَّر عن مشاعر حقد عامة تجاه حركة العماليين اليهود، بسبب دورها في الحملة التي شنت ضد كوربين الذي كشف عنه وثائقي الجزيرة. حتى أن بعضاً منهم طالب بفصل الحركة من الحزب. إلا أن هذا السياق غيّب تماماً في التغطية الإعلامية للمؤتمر، التي اكتفت بذكر أدلة إضافية تشير إلى وجود مشكلة معاداة سامية في الحزب.

في قلب الخلاف الذي نشب بين حركة العماليين اليهود وصوت يهودي لحزب العمال، حاولت الأولى توسيع مفهوم معاداة السامية ليشمل “حمل معتقدات” يمكن أن “ينظر إليها” على أنها معاداة للسامية. فحذر مؤيدو كوربين ـ وآخرين غيرهم ـ من أن إجراء كهذا قد يعني المحاسبة على “جرائم تفكير”. كانت الحركة تأمل أيضاً تضمين تعريف مثير للجدل لمعاداة السامية في قانون الحزب الداخلي، وهو التعريف الذي صاغته هيئة حكومية دولية تسمى ائتلاف ذكرى المحرقة الدولي.

اضطرت الحركة إلى الكسر من حدة اقتراحها نظراً إلى المقاومة التي واجهتها من قبل وفود المؤتمر. ووجدت حركة صوت يهودي لحزب العمال نفسها متهمة من جديد بمعاداة السامية، كذلك الحال بالنسبة لداعميها، ومن بينهم المخرج كين لواس الحائز على العديد من الجوائز. كان السبب هذه المرة معلومات تفيد بعقد اجتماع مواز، أيد فيه أحد المتكلمين جواز التساؤل حول ما إذا كانت الهولوكوست وقعت أم لم تقع. مزاعم بدت في غاية الخبث هي الأخرى، حيث أن هذا الخطاب لم يلقى أثناء حدث منظم من قبل صوت يهودي لحزب العمال، ولا يوجد تسجيل له. والأهم، هو أن المتكلم المذكور ليس ناشطاً عمالياً، بل هو ميكو بيليد، وهو إسرائيلي معروف جداً وابن أحد أشهر ضباط البلد.

مصادقة اليهود “السيئين”

رغم ذلك، سمح هذا الجدال بتوضيح الرهانات للكثير من الناس المعنيين. جوناثان فريدلاند، أحد محرري صحيفة الغارديان الرئيسيين، ضم صوته إلى صوت حركة العماليين اليهود، قائلاً إن التعريف التقليدي لمعاداة السامية (كراهية اليهود لكونهم يهود) محدود جداً. بينما هو في الواقع، وفق ما أكد، مزاج لا يدركه إلا ضحاياه، حتى إن لم يستطع الأشخاص غير اليهوديين إيحاد دلائل واضحة عليه. بعبارة أخرى، وفق فريدلاند، فإن كل هجوم يستهدف الهوية اليهودية هو معاداة للسامية. وبما أن إسرائيل اليوم مركزية في هوية معظم اليهود، فإن مهاجمة إسرائيل يمكن أن تكون بدورها دليلاً على معاداة للسامية.

تبعات حجج فريدلاند بانت بوضوح في بداية الشهر. أمل كوربين أن يخفف التوتر الذي ساد منذ المسيرة نحو البرلمان، وتناول السيدر (وجبة من طقوس عيد الفصح اليهودي) مع مجموعة جوداس، وهي مجموعة يسارية يهودية (وتهوى السخرية) تنتقد إسرائيل بحدة. وكانوا من بين هؤلاء الذين حذروا من أن مظاهرات معاداة السامية الأخيرة في لندن كانت “تلاعباً كلَبياً” بالمؤسسة اليهودية. وتعالت جوقة الاتهامات ضد كوربين من جديد، فقد اعتبر منتقدوه زيارته للجوداس دليلاً إضافياً لتساهله مع معاداة السامية، على ما يبدو، كوربين يصادق اليهود السيئين.

انتقاد الرأسمالية وكاريكاتير الصيارفة

إلى أين ستؤدي “أزمة معاداة السامية” هذه بحزب العمل؟ آخر الهجمات التي استهدفت كوربين وجرته أكثر حتى إلى قلب المعمعة يمكن أن تعطي فكرة عن المستقبل. في أذار/ مارس الماضي، اتهم كوربين بكشف معاداته للسامية الشخصية عام 2012 عن طريق منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، دعم فيه الفنان مير وان، حين كانت لوحته الجدارية اللندنية على وشك أن تزال، إثر شكاوى قدمت للسلطات المحلية. أكد كوربين بداية رغبته بالدفاع عن الفن العام وحرية التعبير. إلا أنه، ولأول مرة، اضطر إلى التراجع أمام متهميه والاعترف بأن الجدارية كانت معادية للسامية، وقدم اعتذاراً عن منشوره السابق ووعد ببذل المزيد من الجهود للقضاء على معاداة السامية في الحزب. بحسب وسائل الإعلام الكبرى التي غطت القصة، من المفروغ منه أن الجدارية معادية للسامية، وهي تصور “صيارفة يهوداً” جالسين حول رقعة ألعاب شبيهة بالمونوبولي، جالسين فوق ظهور عمال. الفنان مير وان أصر على أن عمله ينتقد الرأسمالية بشكل جذري وأن “الصيارفة” الذين صورهم فيها، رسوم كاريكاتورية لشخصيات رأسمالية حقيقية، معظمها غير يهودي.

وسرعان ما تبينت فائدة فضيحة الجدارية لمنتقدي كوربين: يمكن استغلالها لشن هجوم جديد أوسع نطاقاً على برنامجه السياسي، وترسيخ التحالف بين أشد مؤيدي إسرائيل في حزب العمال والبليريين النيولببراليين.

في مقالة من صفحتين في المجلة الليبرالية نيوستيتسمان، حاجج أكاديميان جامعيان أن قسماً من اللغة التقليدية التي يستخدمها اليسار الجذري لانتقاد الرأسمالية والإمبريالية هي في الواقع لغة مشفرة لستر معاداتها للسامية. وعلى ما قالوا، فإن سبب وقوع كوربين في فخ دعم اللوحة الجدارية هو “الأسس النظرية المنغرسة في عمق نقد اليسار للرأسمالية، ومعاداة السامية هي نتيجة طبيعية لها.” أما بالنسبة للاشتراكيين أو أفراد حركة أوكوباي، فهم حين يتحدثون في معرض انتقادهم للعولمة عن “نخبة عالمية” أو “نظام متلاعب به” أو “الواحد بالمئة الطفيليين” فهم لا يتهمون الطبقة الحاكمة فحسب، وفق ما أورد الكاتبان، بل هم يرددون أصداء كتاب بروتوكولات حكماء صهيون وهي وثيقة مزورة ذائعة الصيت ادعت (عام 1901) أن اليهود كانوا يسيطرون على النظام المالي الدولي. لا داع لذكر الفوائد التي يعود بها خط الهجوم هذا على طبقة رأسمالية تسعى للاحتفاظ بامتيازاتها. فالآن كل جهد تبذله الاشتراكية لوضع برنامج تغيير جذري، أصبح بحكم الطبيعة عرضة للطعن بتهمة بمعاداة السامية.

دانيال فين، رئيس تحرير نيو ليفت ريفيو (مجلة اليسار الجديد) قام باستعراض الرهانات الحالية مؤخراً. الهدف الأول للبليريين واللوبي الإسرائيلي في حزب العمال ـ ومعارضيه في قلب المؤسسة البريطانيةـ هو “تدمير كوربين”. وإن فشلوا في هذا، فالهدف الثانوي هو دفعه إلى التخلي عن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين. بكلمات دانيال فين: “إن لم نستطع الحفاظ على خط الدفاع عن موقف كوربين شديد الاعتدال بخصوص فلسطين، فلن نكون في حالة تسمح لنا بمقاومة الضغوط اللاحقة بكل تأكيد”. باختصار، الانتقادات داخل الحزب وخارجه تهدف إلى دهس كوربين أو على الأقل تطويعه. “أزمة معاداة السامية” التي لا تنضب تشق طريقاً يؤدي إلى أحد هذين الحلين.