“كوفيد 19 : عقابٌ مزدوج ينال الأسرى الفلسطينيين في الزّنازين الإسرائيليّة، وسُجناء الرّأي في العالم العربي”

اعتقال السجناء السياسيين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وسجناء الرأي في العالم العربي عقاب مزدوج في هذه الفترة، فخطر العدوى بفيروس كورونا أكثر ارتفاعا في هذه الفضاءات الضيقة وذات الكثافة السكانية العالية. أكثر من 150 شخصية من العالم العربي -من مفكرين، وفنانين، وناشطين في مجال حقوق الإنسان-، تنادي بالإفراج عنهم.

إنّنا نقدّر ما تمثّله الحريّة، في زمن الحجر هذا، من أهميّة للإنسان، ونَعِي مدى ما يسبّبه فقدان حريّة التّنقّل من عذاب يحول دون رؤية الأقرباء والأحبّاء واحتضانهم (بل وحتّى توديعهم الوداع الأخير). إنّ ذلك العذاب هو ما يعانيه الأسرى الفلسطينيّون يوميّا في الزّنازين الإسرائيليّة وسُجناء الرّأي في العالم العربي. غير أنّه بخلاف الحجر الذي نعيشه دون سياج وقضبان لحماية أنفسنا من فيروس كوفيد 19، فإنّ السّجن يظلّ سلاحَ الجبناء ضدّ النّساء والرّجال والأطفال ممّن لا ذنب لهم إلاّ الدّفاع عن الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة؛ وهو سلاح يستعمله الكيان الصّهيوني منذ عقود من أجل كسر إرادة الفلسطينيين في الدّفاع عن حقوقهم الثّابتة؛ غير أنّه يُجابَهُ دائما بصمودهم في مواجهة الاحتلال والفصل العنصري؛ وهو كذلك السّلاح المفضّل لدى الأنظمة الفاسدة و المنحرفة القابضة على العالم العربي، من أجل إسكات أيّ معارضة، بل حتّى مُجرّد النّقد.

وفي زمن الوباء هذا، يصبح السّجن عقابًا مزدوجًا: فإلى الحرمان من الحريّة ومن حقوق أساسيّة أخرى، تُضاف إمكانية الإصابة بفيروس كورونا شديد العدوى. إنّ الأسرى الفلسطينيّين في الزنازين الصّهيونيّة وسُجناء الرّأي في العالم العربي يعيشون متراصّين بأمكنة تكتظّ بهم وفي ظروف صحيّة كارثيّة في أغلب الأحيان، مع انتفاع محدود بالموارد التي تسمح بحدّ أدنى من السّلامة الصّحيّة، دون الحديث عن افتقاد الحدّ الأدنى من المواد الوقائيّة؛ فعلى امتداد العالم العربي من المغرب إلى العراق مرورًا بمصر (ربّما باستثناء تونس) يقبع الآلاف من السّجناء السّياسيين في ظروف تفاقم من انتشار العدوى.

في بداية هذه السّنة كان هناك حوالي 5000 سجينًا في الزّنازين الصّهيونية، منهم 431 رهن الاحتجاز الإداري، أي دون توجيه تهمة أو إصدار حكم، من بينهم 194 أحداث قُصَّرٌ، 30 منهم تقلّ أعمارهم عن 16 سنة؛ بالإضافة إلى 43 امرأة و6 أعضاء من المجلس التّشريعي الفلسطيني. وقد وجّه مرضى من الأسرى الفلسطينيين نداءً إلى جمعيّات حقوق الإنسان وإلى كل الأحرار في العالم، جاء فيه : “إنّنا نُطالِبُ بتطبيق ما بقي لنا من حقوق، في وقت يهدّد المرض كلّ يوم حياتنا دون أن تُتّخَذُ أيّ تدابير ملموسة أو اجراءات للحدّ من انتشار الوباء”... “لا تتركونا نموت على أسرّتنا ودون أن يتحرّك أحد لحمايتنا والحيلولة دون هلاكنا”. وفي يوم 17 أبريل/نيسان 2020، وبمناسبة “اليوم العالمي للأسرى الفلسطينيين” أطلق المجتمع المدني الفلسطيني ومنظّمات حقوق الإنسان الفلسطينية نداءا عاجلاً الإفراج الفوري عن الأسرى والأسيرات والمعتقلين/ات الفلسطينيين/ات من السجون الإسرائيلية، وخاصة من هم أكثر عرضة للإصابة بالوباء، كالمصابين/ات بالأمراض المزمنة، احترامًا لِحقّهم في الحياة وتأمينًا لسلامتهم. وقد طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتييريش بدوره حماية الأسرى والموقوفين الفلسطينيين في السّجون الإسرائيلية وسط الجائحة المستجدّة لفيروس كورونا.

إنّ رامي شعث المدافع المصري-الفلسطيني عن الحقوق الإنسانيّة ومنسّق الحملة الشعبية المصرية لمقاطعة إسرائيل (BDS مصر) ليرمزُ إلى وحدة قضيّة الأسرى الفلسطينيين والمساجين السّياسيين في العالم العربي، وهو يقبع اليوم، ومنذ تسعة أشهر، في سجن طرة سيّئ الذكر بالقاهرة. فقد أصدرت عليه محكمة مصريّة يوم 17 أبريل/نيسان 2020، بناءً على تهمة دون حجّة، حكمًا غيابيّا ودون حضور محامين، وعلى 12 شخصًا آخرين منهم النائب البرلماني السّابق زياد اللايمي، أحد الوجوه البارزة لثورة 2011، ويضعهم الحكم على اللاّئحة المصريّة للإرهاب مما يعني ذلك من حدٍّ لحقوقهم. وقد أدان المجتمع المدني والاحزاب والقوى السياسية المدنية في مصر في بيان مشترك إدراج زياد العليمي ورامي شعث على “قوائم الإرهاب” وطالبا الحكومة المصرية بالإفراج الفوري عنهما ورفع اسمهما من قوائم الإرهاب وإلغاء كل ما ترتب على ذلك من إجراءات، ووقف مسلسل الظلم والتنكيل الممتد بحقيهما. ولا تفتأ مصر الرّئيس عبد الفتّاح السّيسي تمارس الإيقافات والاعتقالات وأشكال التّعذيب، خنقًا لأيّ صوت مخالف مثلما يؤكّد ذلك 60 ألف سجين سياسي تحتسبها جمعيّات الدّفاع عن حقوق الإنسان في السّجون المصريّة.

وقد نادتمفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشال باشيلي بالتّسريح العاجل للموقوفين عبر العالم للحيلولة دون أن تسبّب جائحة كورونا كوارث داخل السّجون المكتظّة. وأصمّ الكيان الصّهيوني أذنيه عن هذا النّداء حيث اعتقل جيشه بين غرّة مارس و3 أبريل/نيسان ألفان وسبعة عشر فلسطينيّا، منهم ستة عشر طفلاً. كما طالبت منظّمات الدّفاع عن حقوق الإنسان الحكومات العربيّة بإطلاق سراح دون شرط جميع النّاشطين المدافعين عن حقوق الإنسان المعتقلين من أجل التّعبير بسلميّة عن آرائهم. ولئن أعلنت بعض الأنظمة عن تسريح مساجين وأطلقت فعلا سراح بعضهم، فإنّ الأمر لا يتعلّق بالسّجناء السّياسيين.

إنّنا نطالب بإطلاق السّراح العاجل غير المشروط لكلّ الأسرى الفلسطينيين المعتقلين في الزّنازين الصّهيونيّة وكلّ السّجناء السّياسيين في العالم العربي، ونعتبر نظام الفصل العنصري القائم في فلسطين والأنظمة الظّالمة في المنطقة، مسؤولةً على صحّة أولئك السّجناء وحفظ حقّهم الثّابت في الحياة.