عشرُ وَصايا مُوجَّهةٌ للحُكَّام من أجلِ القَضاءٍ على تَنظيمِ الدولَة

أخذَت الحربُ ضدَّ الإرهابِ أهمِّيَّةً مركزيَّة في الغربِ ولا سيَّما في فرنسا التي تعرَّضت لتفجيراتٍ كبيرةٍ مرَّتين خلالَ العام الماضي. وفرضَت نَفسَها على الجداوِل الإعلامِيَّة. فهي تستحوِذُ أيضاً على الجَدَلِ السياسي، من فرضٍ لحالة طوارئ ومراجعات للدستورٍ ومشاريعَ قوانين. فهل ستدفعُنا الدولةُ الإسلامِيَّة إلى التصرُّفِ بطريقةٍ تخلو من العقلِ والمنطِق؟ فلنتمَعَّن قليلاً في التجربة وفي أخطاءِ الماضي، كي نستخلِصَ منها عِبَراً يتحتَّمُ علينا تذكُّرُها إن أرَدنا القضاءَ على هذه المجموعةِ الإرهابية.

1. عَدمُ تضخيمِ حَجمِ الخطَر

ليس الترويعُ هدفَ الإرهابيّين النِّهائي. فالقاتِلُ يَقتل، وكذلِك الإرهابِيّ. إلّا أنَّ الإرهابِيَّ لا يَقتل إلّا ليُثيرَ الانتِقامَ والرعب. حين نَنصاعُ لهذا الرعبِ، نُساهِم بنجاحِ الإرهابيّين. فالخوفُ ليسَ خيرَ مُرشِد. يتوجَّبُ على الحكَّام الانتِباهُ إلى عدمِ تَضخيمِ رُدودِ فِعلِهم كي يَتفادوا الوقوعَ في فخِّ الإرهابيَّين. ممّا يَفترِض تحكُّماً أفضلَ بنوعيَّةِ الخِطاب واستِعمالاً مَدروساً للقوّة.

2. لا تأمَلوا القَضاء على تنظيمِ الدولةِ بالقذائف

لاشكَّ أنَّ الحملةَ الجويَّةَ الّتي أَطلَقها التحالُفُ الدوليَّ قادرةٌ على تَدميرِ مُعسكراتِ تدريب، وقتلِ مَسؤولين وتشويشِ تَحرُّكات التنظيم. إلا أنَّه ما من مَجموعةٍ إرهابِيَّةٍ أتى أجَلُها بالقَصف. ففي عام 1998، دمَّر الغربُ للمرَّةِ الأولى مُخيَّماً للجهاديّين في أفغانستان (ومَصنعاً في السودان، على إثرِ تَفجيراتٍ ضِدَّ السفارةِ الأميركيَّة في شرقِ إفريقيا).منذُ ذلكَ الوقتِ، لم تَنْتَهِ عمليَّاتُ القصف هذه، ولا بَل إنَّها تسارَعَت دونَ رادِع. هل شهِدنا خلالَ العُقودِ الثلاثةِ الفائتةِ تراجُعاً في الإرهابِ الجهاديَ؟ بالعَكس، لَقد ساهَمت عمليَّاتُ القصفِ بتدهوُرِ البُنى المَحلِّيَّة، وتسبَّبَت لا مَحالةَ بقَضاءِ ضَحايا مدنيّين، مِمّا دفعَ بالمُجتَمَعات والأجيَالِ التالِيَةِ إلى التطرُّف.

3. خُذوا حَذرَكم من أصدِقائكم

الكلُّ يُعلِن استعدادَه لمحاربةِ تنظيمِ الدولة، إنَّما كلٌّ لغايةٍ في نفسه. فالمَمالِكُ السُّنِّيَّة أكثرُ توَجُّساً من إيران مِنها من تنظيمِ الدولة، وإيران أكثرُ تَوجُّساً من الممالِك السنِّيَّة. الأكرادُ يرَون في الحربِ على تنظيمِ الدولة فرصةً لكسبِ إقليمٍ يَحظَى بإدارةٍ مَحلِّيَّةٍ مُستقِلَّةٍ، وهذا ما تُريدُ تركيا أن تَتفاداه بأيِّ ثمن. روسيا تَسعى لتمكينِ مَوقِعها الاستراتيجيّ في المِنطَقة. ما من أَولَوِيّات مُشترَكة بين أيٌّ من الفاعلين المَذكورين، فيَضعفُ هذا “التحالف” بحكمِ الخلافاتِ التي في داخِله.

4. لا تَجعَلوا من الخِطاب الدينيِّ هاجِساً

يَلجأ تَنظيمُ الدولةِ إلى الخِطاب الدينيِّ ليُبرِّرَ أعمالَه، وذلك بإلحاحٍ مَشبوهٍ به. صحيحٌ أنَّ للدينِ أهمِّيِّةً لدى بعضِ أعضائه، ولكنَّ الدينَ أيضاً، وإلى حدٍّ ما، قِناعُ السياسة : واقتِباساً لقولِ أوليفييه روا Olivier Roy، نحنُ نشهَدُ أسلَمةَ العُنفِ الشديدِ بقدرِ ما نَشهدُ تطرَّفَ الإسلام. بدايةً، أدّى الإهمالُ السياسيُّ والاقتِصاديُّ والاجتِماعيُّ لشرائحَ سنِّيَّةٍ في سوريا والعراق إلى خلقِ تُربةٍ خَصبةٍ للتطرُّف. زَجَّ القمعُ العنيف الشرائحَ الذي تَعرَّضَت لَه حين طالَبت بحقوقِها في دوّامةٍ من العنف، يَستفيدُ منها اليومَ تنظيمُ الدولةِ للتجنيد، فيَطرحُ نفسَه عرّاباً وحامِياً. في البلدانِ حيثُ الحروب، تُرتَكَب المجازِر. في بلادِنا، نَقوم بالوَصمِ والتفرِقة. تَتفاوَتُ دَرجاتُ الإقصاءِ، إلّا أنّ النتيجةَ واحِدة. وفي كلِّ الأحوال، يكونُ المسلمون هَدفاً، وتَنظيمُ الدولةِ يَسعى لجمعِهم.

5. أوقِفوا قناعتِكم بفضائلِ الأنظِمةِ الاستبداديَّة

يبدو وكأنَّ الثورةَ المضادَّة الحاليَّة أعادَت إلى الواجِهة خطابَ الديبلوماسيّين الذي كانَ سائداً قبلَ “الربيع العربي”: “ربّما تكونُ سمعةُ الحكّام العربِ المُستبِدّين سيِّئة، إلا أنَّهم على الأقَل، يشكِّلون حاجِزاً فعّالاً ضدَّ الإرهاب”. في هذا الموقفِ خطأٌ فادح. فالأنظِمة المُستبِدَّة تُسيطِرُ على مُجتمَعاتِها بفعل الضغطِ المُحكَمِ والإقفال. ما أن تَختَفي تلكَ الأنظمةُ حتَّى تظهرُ كلُّ الأحقادِ وأشكالِ الحِرمان المُكدَّسةِ على مَدى عقودٍ، وُصولاً إلى العنفِ السياسي.

6. لا تَخلِطوا بينَ النتيجة والسّبَب

كمثلِهِ من المجموعات المُتَطرِّفة، تنظيمُ الدولةِ إشارةٌ أكثرَ منه سبباً لما يَتعرَّضُ له الشرقُ الأوسطُ من وَيلات. فمُحاربةُ تنظيمِ الدولةِ دونَ مُعالجةِ الأسبابِ السياسيَّة والاجتِماعيَّة والاقتِصاديّة الّتي أدَّت إلى صعودِ نجمِه هي عمليَّةٌ خاسِرةٌ سلَفاً. فالعُنفُ والتسلُّطُ والطائفيَّةُ وأشكالُ التمييزِ هيَ وُقودٌ للإرهاب.

7. لا تدحَروا التنظيمَ إلّا وبأيديكم بدائلُ تَقترِحونها

تُعلِّم المدارسُ الحربيَّةُ أنَّه لا جَدوى من احتِلالِ أرضٍ إن لم تتوفَّر الإرادةُ والإمكانِيّاتُ للسيطرةِ عليها فيما بَعد، وإلا سيتحوَّل انتِصارُ الفتحِ إلى هزيمةِ الاحتِلال. فالمشروعُ السياسيُّ يجب أن يواكِب، لا بل أن يستبِقَ العمليّاتِ العسكريَّة. وحتى إن انهارَ التنظيمُ اليوم تحتَ تأثيرِ العملِيّات العسكرية، فانهيارُه لا يَعني بالضرورةِ انتِصاراً. وفي غِيابِ مشروعٍ سياسيّ، تسودُ حالةٌ من الفوضى تفسَح مجالاَ في غضونِ ستَّة أشهر، في غضونِ سنة، لمجموعةٍ لا تقلُّ تطرُّفاً عن تَنظيمِ الدولة.

8. خفِّفوا من حدّةِ التوتُّر الشيعيِّ/ السنّيّ

تتغذّى التوتُّرات الحاليَّة من مشاعرَ متبادلةٍ بالمظلومِيّة، ورَغباتِ انتِقام، ونظرةٍ للآخرِ متخايَلةٍ ومَصحوبةٍ بشعورٍ بالاضطِهاد. فتنظيمُ الدولةِ هو إلى حدٍّ ما جوابُ العالمِ السنّي على عالمٍ شيعيٍّ يُنظَرُ إليه كفاتِح. ومن شأنِ ظهورِ كُتلتَين مُتوازِيَتين، إحداهُما حولَ المِحوَرِ الإيرانيِّ الروسيِّ والأخرى تَجمعُ الغربَ والقوى السَّنِّيَّة، إدامَةُ التوتُّر وتعزيزُ وضعِ تنظيمِ الدولة.

9. لا تَدعوا الأزماتِ تتَفاقَم

لا بدَّ من اتِّفاقيَّةِ سلامٍ في سوريا. كما أنَّه يتوجَّبُ أن يكونَ لكلِّ العراقيّين تمثيلٌ في مؤسَّساتٍ عادِلةٍ تحتَوي جميعَ مُكوِّنات المُجتَمع. طبعاً، يَجب إعادةُ السلمِ في اليمن وليبيا. فالحروبُ والأزماتُ في العالم الإسلامي تشكِّلُ بؤرةً رائعةً للإرهاب والتطرُّف. فكلُّ الصراعاتِ تبدأ مَحلياًّ، ولكنَّ الصراعَ إن تجذّر، يأخذُ بعداً دولياً يَجعل من الصعب التوصُّل إلى حلّ. وأبعدُ من الشرق الأوسط، لا تَنسَوْا بلدانَ الساحلِ و جنوبِ الصحراءِ الكبرى.

10. فكّروا بالسلم الأهلِيّ قبلَ التفكيرِ بالحرب

لا شك أنَّ الحملةَ العسكريَّة تُعطي نَتائجَ مُباشرَةً، وذلك بكسرِ الهالةِ التي تُحيطُ بسُمعةِ التنظيمِ على أنَّه لا يُقهَر. إلّا أنَّ القضاءَ على مَجموعةٍ إرهابيَّةٍ لا يُمكنُ أن يَنبثِقَ إلّا من عمليَّةٍ سياسيَّة قد تمتَدُّ لِسنوات. بالمقابِل، يتسبَّبُ الإرهابُ بشروخٍ مباشَرةٍ في مجتمعاتِنا، كما ظهرَ من تفجيراتِ السنةِ الماضيَة. لذلك يَغدو تَمكينُ الجبهةِ الداخليَّةِ ضرورةً مُلحَّةً لا تحمِلُ انتِظارَ تفكيكِ تنظيمِ الدولة. يَتمُّ ذلكَ عن طريقِ وقايَةٍ فعّالةٍ من التفجيرات، وإنَّما أيضاً عن طريقِ تَمكينِِ التماسُكِ الوَطنيِّ، والالتِفافِ حولَ قِيَمِه. فَلنرفُضْ سياسةَ الخوف.