ماذا بعد تحرير الموصل ؟

متى تنتهي متاهة السنة في العراق

​بعد ثمانية أشهر من هجوم عسكري دموي لا هوادة فيه، يوشك الجزء الغربي من مدينة الموصل الواقع تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على السقوط اليوم أمام هجمة القوات العراقية. وقد أدت هذه المعركة إلى تفتيت عميق للمجتمع العراقي، وأثرت بوجه خاص على السنة العرب الذين يعانون من الحرمان، حتى لو لم يكن بالإمكان اختزال الصراع الى مجرد مجابهة بين السنة والشيعة والأكراد.

لقد أبرز صعود التنظيم الدولة الإسلامية وما تلاه من أعمال عنف نزعات الانطواء الطائفي في البلاد التي اتخذت شكل “جدران” داخلية بكل معنى الكلمة. والانقسامات التي تحتدم حيال إعادة تعريف الوطن العراقي هي أعمق بكثير مما تبدو للوهلة الأولى، وهي بالغة الحدة داخل الطائفة السنية نفسها. وإن اجمع المراقبون المطلعون على أن تطبيع وضع العرب السنة هو شرط لا بد منه لعودة الأمن والاستقرار في العراق وإعادة بناء دولة ومفهوم للمواطنة بمنأى عن التشرذم الحالي، إلا أن الأمر لا يبدو يسيراً ولا مؤكداً. فالظروف التي رافقت صعود تنظيم الدولة الإسلامية سنة 2014 وسط احتجاجات واسعة في المدن والمحافظات العربية السنية لم تتغير أساسا. ما زالت حالة الريبة أو العداء تجاه النخب المهيمنة على السلطة قائمة، كما ثمة تساؤلات حول عمق الإحساس بالانتماء الوطني لدى السكان المحليين، في المقام الأول. فأوضاعهم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي بائسة، تتفاقم مع عمليات النزوح الجماعي الناجمة عن تأثير الصدمة الجهادية، ومازال الاحساس بالتهميش أو الخذلان ماثلاً بقوة خاصة لدى الشباب.

انقسامات أينما توجهت الأنظار

يختلف العرب السنة في الرأي حول إمكانية أن يكون لهم حقاً مستقبل مشترك مع سائر الأهالي في الوطن الواحد، سيما أن العراق يعيش حالة من التحلل العضوي الرهيب. وقد أدت سطوة تنظيم الدولة الإسلامية خلال أشهر طويلة إلى تفاقم الاختلافات وبروز منطق الانتقام وكل نزعات الأخذ بالثأر التي كانت كامنة في النفوس . وفي الوقت الذي تفقد فيه الجماعة الجهادية كل معاقلها ستكون هذه الديناميكيات أكثر وحشية سواء بين الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة والقبائل والعشائر وكذلك المدنيين الباحثين عن الثأر والعدالة. ويمتد هذا الوضع إلى قلب العائلات التي انضم بعض أعضاؤها إلى صفوف الجماعة الجهادية. ولا بد من تسليط الضوء على حالة التشتت هذه فهي تطرح أسئلة حيوية.

لقدعولجت التطورات الخطيرة لسنة 2014 في غالب الأحيان بنهج صحافة الإثارة عبر تغطية إعلامية تهتم أكثر ما تهتم بآنية الحدث، لا بعمقه التاريخي. في حين تتطلب الظروف التي سرعت من سقوط الموصل في هذه المرحلة ضرورة مراجعة الماضي ؛ فعلينا أن نحلل الحقبة التي شارفت على الانتهاء والمرحلة القادمة على حد سواء، في الوقت الذي يستعر فيه القتال بين الجهاديين والقوات العراقية وقوى التحالف.

ونجد أنفسنا هنا أمام روايتين شائعتين طبعتا الأزمة بطابع التبسيط والتسطيح : أولهما مسألة “الحرب الخاطفة” التي يقال أن تنظيم الدولة الإسلامية خاضها، في حين أنها دارت في حقيقة الأمر خلال فترة زمنية أطول. والرواية الثانية هي تلك التي تتحدث عن الدعم الخالص الثابت الذي قدمه العرب السنة للجهاديين وعلى الخصوص في الموصل. في حين تشير الوقائع الميدانية إلى أن الأمور كانت وما زالت أكثر تعقيدا. لقد استخف رئيس الوزراء الشيعي الأسبق نوري المالكي بقدرة تنظيم الدولة الإسلامية على استقطاب فئات واسعة من الجمهور عبر مشروعه التوحيدي للمسلمين كما تمادى في الاستخفاف بقابلية التنظيم على منازلة القوى الفدرالية. وبعد رحيل المالكي، تجاهلت الطبقة السياسية العراقية، بدءاً بخلفه حيدر العبادي، حقيقة أن العرب السنة لم يحتفوا جميعا بالتنظيم الجهادي. فعلى العكس لقد انقسم سكان الموصل فور دخول الجهاديين، بين داعمين ناشطين وسكان محايدين أو غير مبالين ومعارضين معلنين.

وتعكس هذه المواقف المتباينة خلافات ما تزال قائمة إلى اليوم. فكثير من السنة الرافضين لتنظيم الدولة الإسلامية فروا، متهمين الجيش بالتخلي عنهم أو حتى قيامه “ببيع” مدينتهم. وقد بقي بعضهم في المدينة بسبب الخيبة أو عدم القدرة على إيجاد ملجأ آخر وأيضا لضمان احتياجات ذويهم بسبب عدم وضوح الأفق وتوجسهم من أوضاع لاتطاق.

الجذور المحلية لتنظيم الدولة الإسلامية

بغض النظر عن تقلب الظروف يبقى تنظيم الدولة الإسلامية ظاهرة متجذرة محليا وعلينا ان لا أن نفاجأ بقدرتها على البقاء، فالخسائر العسكرية والبشرية التي تعرضت لها لم تزعزع سوى جزئيا موقعها وعزمها على إزالة حدود الدولة العراقية. وقد سمح تجذر الجهاديين هذا بإقناع جزء من السنة بمشروعية “الخلافة” وعلى الخصوص لدى شباب محروم أغراهم الخطاب الثوري. ويأتي في الطليعة المقاتلون العراقيون الذين لعبوا إلى جانب أبو مصعب الزرقاوي1. دورا مركزيا في تشكيل المجموعة. فالتركيبة الاجتماعية للحركة شديدة الوضوح: في 2017 يشكل “العناصر المحليون” 90 % من الأعضاء بمن فيهم الحلفاء والمتعاطفين. فعملية إضفاء “الطابع العراقي” على تنظيم الدولة الإسلامية ابتداء من 2005 لم تترك أبدا المجال لتشكيل مجموعة من المقاتلين الأجانب. ولم تكن المجموعة الجهادية يوماً مجرد تمرد، بل واقعا اجتماعيا سياسيا قائما بذاته في العراق.

وهناك عدة عوامل تفسر هذه القابلية للاستمرار منها تشرذم المجموعة العربية السنية وأزمة القيادة داخلها. وهذه المعطيات تفسر الى حد بعيد لجوء البعض الى اعتبار الانشقاق الجهادي بديلا للفراغ. ففي غياب أي خيار سياسي آخر تبقى الطوباوية التوحيدية لتنظيم الدولة الإسلامية قادرة على الاستقطاب خاصة الشباب العراقي الذي لم يعش في فترة العهد البعثي. وتعترف السلطات الأمريكية والعراقية بهذا البعد الشبابي وبكون تنظيم الدولة الإسلامية قد قام على ظاهرة الفقر والبطالة وانعدام التعليم لدى الشباب. وهذا الجيل هو أيضا نتاج لمسار طويل من التهميشالاجتماعي الذي بدأ خلال عشرية الحصار واستمر تحت الاحتلال الذي جعل من العنف أمرا عاديا بل وكرسه كشبه قاعدة.

فكثير من هؤلاء الشباب السنة ينحدرون من قبائل بايعت تنظيم الدولة الإسلامية. فمثلا في حزيران يونيو 2015 ارتبط آل الجميلي بالفلوجة بصفة علنية بالتنظيم مبرزين رفضهم التدخل الأمريكي والتمييز المستمر الذي تنتهجه بغداد ضد العرب السنة وعلى الخصوص لاجئي الرمادي.

وَمِمَّا أثر في هذه المبايعة دخول الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران والمتواجدة ضمن قوى الحشد الشعبي خضم المعركة. كما أن هناك قبائل سنية رضخت للجهاديين خوفا من أن تشهد بدورها مصير المعارضين على غرار عشيرة ابو نمر التي أعدم المئات من أبنائها دون أية محاكمة في نهاية 2014.

وقد سمح هذا التجذر، بما في ذلك في المعاقل التي انتزعت منه منذ 2015 (تكريت، الرمادي، الفلوجة...)،لتنظيم الدولة الإسلامية بمواصلة استراتيجية الحرب الأهلية. وأججت السنوات التي مارس فيها السلطة على مساحات كبيرة من التراب العراقي التوتر الطائفي. وفي هذا الصدد كان للتطرف المتزايد للجهاديين تطرف مقابل للأطراف العسكرية وشبه العسكرية الشيعة. اما الميلشيات التي تحركها نزعة طائفية ضد أهل السنة فلقد تسببت في انتهاكات ضد المدنيين السنة وفي غالبية الأحيان في ظل غياب كلي للعقاب. وليست هذه الدوامة بجديدة حيث تقاتلت الميليشيات والجهاديين لمدة طويلة خلال العشرية الأخيرة، لكن ما يميز المرحلة الحالية هو الزيادة الرهيبة في أعمال العنف والأعمال الشنيعة المقترفة.

تجدر الإشارة إلى أنه كان من المفترض أن لا تشارك هذه الميليشيات في الأعمال القتالية في سهول نينوى وكانت ومعارضة السنة لذلك شديدة للغاية. وكما هي الحال بالنسبة لأطراف أخرى فهذه الميليشيات لا تعمل وفق أجندة عراقية بحتة بل لمصالح انتهازية وبهدف توسيع مجال نفوذها، وقد برز بعضها كمنازع للدولة في الأراضي التي استعيدت من تنظيم الدولة الإسلامية. كما توغل من جهة أخرى الأعضاء الأكثر تطرفا من الميليشيات في وحدات للقوات النظامية مدخلين فيها نزعتهم الطائفية. وقد تم إضفاء الطابع المؤسساتي على قوات الحشد الشعبي إلى جانب الجيش العراقي في نوفمبر 2016 عبر قانون مثير للجدل صودق عليه في البرلمان.

أي دولة لفترة ما بعد الجهاديين ؟

يعيش السكان المحليون هذا التوغل في مناطق كانت بعيدة كل البعد تاريخيا عن النفوذ الشيعي على أنه توغل خطير لا يُطاق . وفي كل مكان وطأته أقدامها واجهت ميليشيات الشيعة غضب العديد من المدنيين، وتشكل الموصل في هذا الصدد قنبلة موقوتة تنتظر خروج آخر الجهاديين لتنفجر. فالوجود الشيعي في هذه المناطق كاد يكون معدوماً على مر التاريخ. وثمة ذهول حقيقي حيال تعاظم المد الشيعي السياسي بعد 2003. وكلما ازداد تأثيره كلما مالت الأطراف السنية إلى الارتداد عليه بما في ذلك تلك التي تتعاون مع القوى العراقية والتحالف. والعراق ليس بغريب عن هذه التحالفات الظرفية التي هي بطبيعتها هشة. في العموم لا يثق العرب السنة في هذا “التحرير” الجديد الذي يوعدون به ولا بقدرة بغداد على ضمان أمنهم من “المحررين المزعومين”. فالضغينة القوية السائدة عند السنة بسبب انتهاكات الجيش والميليشيات فضلا عن الدمار الناجم عن قصف مناطقهم جعلتهم في كثير من الحالات يلجأون الى دعم تنظيم الدولة الإسلامية.

وكما هي الحال في كل حرب أهلية، فإن هذا العنف المتراكم يوفر فرصاً سانحة للجماعة الجهادية التي تعمل على إعادة تشكيل نفسها، فالشكاوى والمطالب التي عرف التنظيم استغلالها لضمان دعم فئات من السكان ما زالت هي هي بل وتفاقمت اليوم نتيجة الأزمة الإنسانية.

في 2014 بنى تنظيم الدولة الإسلامية جزءا كبيرا من نجاحه على فقدان ثقة العرب السنة في النظام السياسي. وقد وعد أولئك الذين التحقوا بصفوفه بدولة جديدة تعالج تقصير المؤسسات والفساد وغياب الخدمات العامة وأيضا ممارسات الجيش. فقد كان سكان الموصل يحتجون على التجاوزات وحالة التقشف المنظمة من طرف الحكومة. ولقد كانت التزامات الجهاديين عديدة في هذا الصدد: تحسين ظروف المعيشة واسترجاع النظام العام وإعادة السلطة لأولئك الذين كانوا يرون أنها انتزعت منهم على الخصوص العشائر. ومن العبرة بمكان أن تكون مباني مجلس محافظة نينوى من أولى المباني التي تم غزوها في الساعات الأولى من سقوط المدينة في الوقت الذي كان فيه المحافظ أثيل النجيفي يلوذ بالفرار.

لم تكن وعود تنظيم الدولة الإسلامية جديدة فابتداء من خريف 2006 كانت الجماعة الجهادية متجهة كلياً نحو إنشاء دولة سنية منشقة. فكثير من العرب السنة الذين كانوا يشعرون بأن السلطة لا تمثلهم باتوا ينظرون اليها على أنها بين أيادي الأحزاب الشيعية الموغلة في الطائفية ولقد رأوا في هذا المشروع إمكانية لاستعادة السلطة وتعويضاً جماعيا. ومن الواضح أن العمليات القتالية بالموصل وأجزاء أخرى من البلاد لم تهدأ حتى يومنا هذا بالرغم من خطاب الانتصار المعلن من طرف بغداد والتحالف، فالآثار الفادحة لحكم تنظيم الدولة الإسلامية ما زالت ماثلة للجميع. ويشهد السكان الذين عاشوا تحت نيره لأشهر طويلة على إدارة ضاغطة شرسة. أما أولئك الذين أرادوا الإيمان بهذه الدولة فلقد خبا كثيرا حماسهم فاسحاً المجال للخيبة والارتباك والشعور بهول المصيبة.

وفي ظل هذه الفوضى العارمة تبرز زعامات محلية تتصرف “كالدولة داخل الدولة”. في حين أن هاجس المدنيين الوحيد هو استتباب النظام والأمن، ولكن على أي أساس ووفق أي تقاسم للسلطة وبأي إدارة ومع أي قوى؟ لم يتم التفاوض على أي من جوانب الحكم لفترة ما بعد الجهاديين ولا على العلاقات بين المجموعات المشاركة في المعركة قبل بدءالعمليات في خريف 2016. بل على العكس يبدو أن المنطق المهيمن هو منطق الغزو الشرس، ولكل طرف في هذه الحرب نظرته الانتقائية الخاصة حول النموذج الأمثل للدولة الجديدة التي يتعين بناؤها، دون أن يكون لهذه النظرة أي فرصة حقيقية في كسب ود السكان.

مريم بن رعد

11ـ قائد القاعدة في العراق الذي قتل في 7 /يونيو /حزيران 2006 في بعقوبة خلال غارة جوية للجيش الأمريكي