هل سيقوم المغرب الكبير بإعادةِ استقبالِ غيرِ الشرعيِّينَ من مواطِنيه في ألمانيا؟

في بداية شهر شباط/ فبراير الماضي، زار وزير الخارجية الألماني ثلاث عواصم أوروبية ، بهدف تسريع ترحيل المهاجرين الذين تم رفض طلبات لجوئهم بالإضافة إلى مهاجرين آخرين غير شرعيين. وكانت زيارة متفاوتة النجاح، تبعاً للبلد. وعدت رباط وتونس خيراً، وطرحت الجزائر بعض الشروط. ولكن ألن تتمَّ تلك السابقة الألمانية على حساب القيم الأخلاقية واحترام حقوق الإنسان وتستعمل حجَّة من قبل الدول الأوروبية الأخرى لا سيما فرنسا؟

في بداية شهر شباط/ فبراير الماضي، زار وزير الخارجية الألماني ثلاث عواصم أوروبية ، بهدف تسريع ترحيل المهاجرين الذين تم رفض طلبات لجوئهم بالإضافة إلى مهاجرين آخرين غير شرعيين. وكانت زيارة متفاوتة النجاح، تبعاً للبلد. وعدت رباط وتونس خيراً، وطرحت الجزائر بعض الشروط. ولكن ألن تتمَّ تلك السابقة الألمانية على حساب القيم الأخلاقية واحترام حقوق الإنسان وتستعمل حجَّة من قبل الدول الأوروبية الأخرى لا سيما فرنسا؟

تحتَ ضغط جزءٍ من الرأي العام ، تمَّت في برلين نقاشاتٌ حادَّة بين أحزابِ التحالُف في السلطة ، وتوصَّل المسيحيَّون الديمقراطيَّون والاشتراكيَّون الديمقراطيَّون إلى حلٍّ فيما يتعلَّقُ بتعديلِ حقِّ اللجوء ، وذلك في خِضمِّ أزمةِ الهجرة1 . وبين السابع والثاني عشر من شهر شباط/ الجاري، سيتمُّ النظرُ في قانونٍ ينصُّ على تسريعِ وتعميم إعادة قبولِهم في بلادِهم لمَن تمَّ رفضُهم من طالبي اللجوء .

من بين المقتَرحات التي تمّ تبنّيها توسيمُ بلدان المغرب والجزائر وتونس على أنَّها “بلدان آمنة”، في حين وفد عن طريق البلقان في عام 2015آلافَ المواطنين الآتين من تلكَ البلدان. فشركة الطيران التركيّة، وهي الشركة الوطنية، تؤمِّنُ رحلات يوميَّةٍ بين الدار البيضاء، والجزائر وتونس وتركيا دونَ أن تطلبَ هذه الأخيرة فيزا. بعد ذلك، يقوم المهرِّبون بترتيبِ المرور نحوَ اليونان وأوروبا الوسطى وأوروبا الشمالية. ويفترِض التواجُد في عِدادِ فئةِ “البلدان الآمِنة” شرطينِ يتوجَّب تلبيتِهما: غيابُ الاضطِهاد السياسي وغيابُ الممارساتِ غيرِ الإنسانيَّة (وبالتالي التخلّي عن عُقوبةِ حكمِ الإعدام). مُقابل ذلك، تكسبُ الحكومات المعنيَّة الاعتِبار السياسيَّ والوعدَ الضمنيَّ بعدمِ التعرُّض للتشهيرِ فيما يخصُّ انتِهاكات حقوقِ الإنسان. يتعرَّ ضُ مواطِنو تلكَ البلدان غيرُ الشرعيّين لخطرِ الترحيلِ التِلقائي.

المغرب، “بلدٌ آمن” متفهّم

زارَ وزيرُ الداخليَّة الفدرالي توماس دو ميزيارThomas de Maizière، 61عاماً ،وهو رجلُ قانونٍ شغل َعدَّة مناصبَ وزاريَّة سياديَّة، المغرب بين 29 شباط/ فبراير والأول من آذار/ مارس، بصحبةِ وزيرين من الولايات، ليطرح الحل الذي تقترحُه برلين، وليكسبَ موافقةَ الحكوماتِ الثلاثة المعنيَّة. كان الاستِقبالُ متفهِّما، في المغرب، وأعربَ وزيرُ المغاربةِ في المهجَر عن “ارتِياحه”. من جهته، قَبل وزيرُ الداخلية محمد حصاد أن يتمَّ التعاملُ أوَّلاً مع ملفّات المواطِنين المغاربة الذين ادَّعَوا أنَّهم سوريّون. ففي غضونِ العام الماضي، يفيد المكتبُ الفيديرالي للهِجرة واللاجئين (Bundesamt für Migration und Flünchtlinge, BAMF )، أنَّه تمَّ قبول 370 طلب لجوء من أصلِ 10000 مغربي وَصلوا إلى ألمانيا. ووِفقاً للشرطة الألمانية ، تمَّ التعرُّف على بصمات 2400 شخصٍ. وسيتمُّ ترحيلُ مجموعةٍ أولى مؤلَّفة من 29 مواطناً إلى المغرب، على مَتنِ رحلاتٍ عاديَّة، ولن تُفرضَ حدودٌ أو نسبٌ معيَّنة لعمليّات الترحيل القسري. وأخيراً، ستَضعُ الشرطةُ المغربيَّة تحتَ تصرُّف نظيرتِها الألمانيَّة البصماتِ المحفوظة في ملفَّاتها، ووعدَت بالإجابةِ على أيِّ طلبِ تعريفٍ في أقلِّ من 45 يوماً.

تحفَّظٌ جزائريَّ

بدَت المحطَّةُ الجزائريّة منذ البداية أقلَّ رجاءً. فحكومةُ عبدِ المالك سلال هي الأقلُّ استعداداً بين الحُكوماتِ الثلاثة، لإصدارِ “التصريح القنصُلي” الضروريُّ لترحيلِ المهاجرين غيرِ الشرعيين الذين تُرفَض طلباتُ لجوئهم. فقناصلُ الجزائر مَعروفون بأنَّهم الأكثرُ تقاعُساً بالاعتِرافِ بجنسية مواطِنيهم. في 13 كانون الثاني/ يناير، تَطرّق رئيس الحكومة إلى هذا الموضوعِ خلالَ مؤتمرٍ صحفيٍّ مع المُستشارةِ الألمانيَّة أنجيلا ميركل. فعلى إثرِ الحوادثِ التي حصلت في مدينةِ كولن الألمانيَّة ليلةَ 31 كانون الأول/ ديسمبر، حيثُ تعرَّضَت مئاتٌ من الألمانيَّات للتحرُّشِ من قبلِ رجال “ذوي ملامحَ عربيَّة أو من شمالِ افريقيا”، تمَّت مساءلةُ تسعةِ جزائريَّين. طلبَت أنجيلا ميركل من الجزائر أن تستعيدَ مُواطنيها الذين تمَّ رفضُ طلباتِ لجوئهم، ويبدو أنَّ ذلكَ ليس كذلك الآن. وبقيَ سلال عند خطابِه الرسميِّ في هذا المجال: “نعم، إن كانوا جزائريّين”، ممّا يعني إن كان بحوزَتِهم أوراقٌ رسميَّة ثبوتيّة (جواز سفر أو بطاقة هوية)، وهذا نادرٌ. واستاءَت المُستشارةُ الألمانيَّة من هذا الرفضِ العلنيِّ وفي حضرتِها. لم يمرّ وقتٌ طويل إلّا ووَضع الناطقُ الرسمي باسمِ المستشاريَّة ستيفان سيبرت Steffen Seibert النقاط على الحروف: “يتوجَّب على كلِّ الأجانبِ الذين يتلقَّون تبليغاً أنَّ لا حقَّ لهم بالبقاء، على إثر إجراءاتٍ إداريَّةٍ عادلة، أن يغادِروا البلاد. هذا يَسري أيضاً وبالطبع على بلدان أفريقيا الشمالية، ويجب النقاشُ بالطريقة التي تجعلُ ذلك الترحيلَ مُمكناً”. وأكّد: “لقد وقَّعنا اتِّفاق إعادةِ قبول، هذا يعني أنَّ كلَّ الأمور قانونية. إلّا أن الأمور معقَّدة جدّاً في بعض الأحوال على ما يبدو. ويتَوجَّب الحديث في ذلك لكي تُصبح المُمارسةُ مطابِقة للإطارِ القانوني. فليسَ من المفترَض أن يشكِّل غيابُ الأوراقِ الثبوتيّة القانونيّة عائقاً دونَ إعادةِ قبولِ الذين تمَّ رفضُ طلباتِ لجوئهم أو إقاماتهم. أما وزيرُ الداخلية نور الدين بدوي، فقد رفعَ أمامَ الملأ شعارَ الحربِ ضدَّ الإرهاب، تلك” الظاهرة العابِرة للأوطان“، وبالكاد تطرّقَ إلى الاتِّفاقِ الجزائري الألماني الذي يشمُلُ أيضاً التهريب والجريمة المنظمة والهجرةَ غيرَ الشرعيَّة. من المفروضِ أن يتمَّ الإسراعُ بتنفيذِ هذا الاتِّفاقِ الذي تمَّ التفاوضُ عليه على مدى سنواتٍ بعد زيارةِ توماس دو لا ميزيار، الذي حصلَ على تعهُّد بإعادةِ قبولِ 500 سجين جزائري، وذلك بشرطَين: أن تكون”اللائمةُ مثبَّتةً“، وعدمِ اللجوءِ إلى ترحيلات جماعيَّة على متنِ شارتر. وتمَّ تسليمُ”تفاصيل" عقدِ الترحيل القادمِ وآليَّةِ ترتيبِه إلى أجهزةِ الشرطة في كِلَي البلدين.

ردُّ الجميلِ في تونس

كانت المُفاوَضات في تونس هي الأسهل. سيتمُّ تطبيقُ “المشروع الرائد” في تونس قبلَ تعميمِه من قِبل السلطات الألمانية، على مجموعةٍ من 20-25 شخصاً تمَّ رفضُ طلبِ لجوئهم، وترحيلُهم على متنِ رحلات شارتر، وفقاً لتصريح دو ميزيار2 . منذ 2011، بذلَت ألمانيا جهوداً كبيرةً تجاهَ تونس، حيث كان تواجدُها الاقتِصاديُّ أكثرَ حضوراً. فهناك 250 شركةً متواجدة أساساً، واستمرّت باستثماراتِها رغمَ الصعوبات، كما أنَّ ألمانيا تساعدُ تونس على بناءِ حائطٍ من شأنِه أن يعزلَ تونس عن ليبيا، والمؤسَّسات الألمانيَّة نشيطةً في الحياةِ السياسيَّة والفكريَة التونسيَّة.

وحقوقُ الانسان؟

لم يُخفِ الإعلامُ الألماني تحفُظَه تجاه النتائج العمَلِيَّة لزيارةِ توماس دو ميزيار. “على المدى القصير، لن يكونَ الأمرُ ممكِناً دونَ مساوَمات مع أنظمةٍ مشبوهة”، بحسب تقدير الصحيفة اليوميّة البرلينية تاغتزيتونغ Tageszeitung، “القِيَم الأخلاقيَّة وحقوقُ الانسان تأتي بالدرجة الثانية”. وتتساءل الصحيفة اليومية : “الاتِّفاقُ الذي تمَّ توقيعُه بين الجزائر وبرلين يُمكِن أن يَطرحَ على السلطاتِ الجزائريَّة مشاكلّ جدِّيَّة تتعلّقُ بعودةِ شبابٍ تركوا البلدَ بحثاً عن حياةٍ أفضل”3 . ثمةَ تخوُّفٌ آخر: إن تمَّ العملُ بهذه السابِقة الألمانيَّة، ألن تشكِّلَ ذريعةً تقتبسُها دولٌ أوروبيَّةٌ أخرى رفضَت طلباتِ لجوءٍ أو إقامةٍ قامَ بها مواطنون قادمون من المغرب العربي؟

#

1عام 2015، وصل 1.25 مليون طالب لجوء إلى اوروبا،35% منهم إلى ألمانيا. وإن استثنينا مواطني الشرق الأوسط (سوريا والعراق)، وآسيا الوسطى (أفغانسان، باكستان، إيران) والبلقان (ألبانيا، كوسوف)، هناك 325510 شخصاَ آتين من البلدان الأخرى، ومنها بلدان المغرب، دون أن تتواجد أرقام مفصَّلة عنهم (يوروستات Eurostat، بروكسل، 4 آذار/ مارس 2016)

2AFP, 01.03.2016.

3Hacen Ouali, « Que fera le gouvernement avec ses migrants ?, Elwatan.com, 3 mars 2016 ».