تونس، مِصر، المَغرِب: حينَ تصبحُ الديمغرافيا عامِلاً ثورياً

نظرية ذروة الولادات

للثوراتِ أسبابٌ متعدِّدة، إلا أنّ العاملَ الديمغرافي غالباً ما أُهمِل، إذ يفسِّر بلوغُ سنِّ الرُّشد لدى أجيالٍ أكثرَ كفاءةً ودون َمنظورٍ مستقبليٍّ واضحٍ الحِراكات التي شهِدناها في العالم العربي.

كانَت بدايةُ عام 2011 مسرحاً لثوَرتين في تونس ثمّ مصر، لم يتوقَّعها اكبر الخُبراء المعنييّن بهذين البلدين. في غضونِ أسبوعَين، تمَّت الإطاحةُ بدكتاتوريْن متواجديْن في الحكم ِمنذ زمن. هل مِنْ عاملٍ خفيٍّ يفسِّر هذه الأحداث؟

أجل، العاملُ الخفيُّ هو الديمغرافيا، وتحديداً وجودُ ذُروَةٍ في الولاداتِ قبلَ ذلك بـ25 سنة. واقعُ الحال أنّه لم يتمُّ الربطُ حتى اليوم بينَ حجمِ الولادات والأحداثِ الجيوسياسيّة، أنَّ نتائجَ سلبيّةً المُحتمَلة حين تر فِعُ الولاداتُ وتصلُ الأجيالُ المتتالِيَةُ إلى سنِّ الرشدِ في بلدٍ فقيرٍ تُسيء حكومتُه إدارةَ الاقتِصادِ ويتميَّزُ بالسلطَوِيّة. ويشكِّل هذا الوضعُ تربةً خصبةً لاعتراضاتٍ متنوِّعةٍ (ديمقراطيّة، محافِظة أو اشتراكيّة) وإلى حركةِ هجرةٍ واسعةٍ نحو بلدان غنيّة؛ وبحكمِ فقرِ السكان وضرورةِ تقاسُم الكعكةِ بين عددٍ أكبرَ من السكّان، قد يشكِّلُ ذلك عاملاً معزِّزاً قد يؤدّي إلى ثورة.

ويشكِّل تطوُّرُ الولاداتِ عاملاً هامّا لا يحظى بأهميَّةٍ كافيةٍ في التاريخ، رغمَ أنه من الصعب الجزمُ بحتميَّةٍ مطلَقة. وإذا أخذنا حالتي تونس ومصر مثالاً، نستطيعُ أن نثبِتَ أن الثورةَ في كِلي البلدين تجدُ تفسيرَها في تقاطُعِ السلطة المستبِدَّة واقتصادٍ غيرِ مجدٍ، بالإضافةِ إلى عاملٍ لا يقِلُّ أهميّةً ، ألا وهو ذروةٌ في الولاداتِ إذا ما رجعنا 25 سنة إلى الوراء.

تونس بين عامي 1984 و 1987

لديْنا الإحصاءاتُ الكاملة للولادات منذ 1970، وهذا يمكِّنُنا من تحديدِ السنوات التي وصلَت الولاداتُ فيها إلى ذروتها. بلغَ عددُ الولادات في تونس 1860000 ولادةً عام 1970 ، واترفَع هذا العددُ في خلالِ ذلك العقدِ وفي بدايةِ الثمانينات ليبلغَ ذروَتَه بين 1984 و1987، أي ما يعادلُ 230000 ولادة. لم تنزلْ نسبةُ الخصوبة إلا قليلاً، بحيثُ أن حجمَ الولادات استمرَّ بالارتِفاع. وسجَّل عامُ 1986 رقماً قياسياً وهو 243736 ولادة. نلاحِظُ بعدَها هبوطاً نسبياً في نسبةِ الولادات حتى عام 1999 مع 160000 ولادةٍ، وذلك بسببِ انخفاضٍ سريعٍ جداً في نسبةِ الخصوبة.

وبحسبِ نظريّتِنا، فإن الهامشَ الديمغرافيَّ الملائم للثورة يقعُ 25 سنة بعد ذروةِ الولاداتِ في منتصف عام الثمانينات، بين 2009 و2012. فحدثَت خلالَه “ثورة الياسمين”، بين كانون الأوَّل/ ديسمبر 2010 حتى كانون الثاني/ يناير 2011. وتزامنت في حينِها مع نظامٍ استبداديٍّ واقتصادٍ فقير. فيما يتعلَّق بالنظام السياسي، وبحسبِ المؤشِّر الديمقراطي الذي تستعمِلُه مجلّة الإيكونوميست The Economist لقياسِ مستوى الديمقراطية في دولِ العالم، فإن تونس تحتلُّ فقط المرتبة 144، في نفسِ مرتبة الزيمبابوي الذي يحكهما موغابي – وهو مرجع في الاستِبداد - ، وذلك بالرغمِ من أن تونس تُعتَبَر جمهوريّة! بعد حصولِها على الاستقلال عام 1957 ،تأسَّست “جمهوريةً” تحت سلطة الحبيب بورقيبة الذي أعلنَ نفسَه رئيساً مدى الحياة عام 1975. ثم تولّى الجيشُ الحكم برئاسة زين الدين بن علي، على إثرِ انقلابٍ تمَّ عام 1987 وأنهى حكم بورقيبة الذي أقرَّ الأطباء بعدمِ قدرتِه على القيام بمهامِّه الرئاسية. أسَّسَ بن علي دولةً أمنية، جهازُ مخابراتِها قويّة وكذلك فسادُها. كانت المعارضةُ فيها ممنوعةً، و كان الإسلاميّون فيها عرضة دائمةً للسجن ، كانَ النقدُ ممنوعاً وتعرَّضَت شبكات الانترنت للرقابة. كما تمَّت إعادةُ انتخاب الرئيس بنسبةِ ستالينية، إذْ حصلَ الرئيس الذي أُعيدَ انتخابُه على 89.62 % من الأصواتِ عام 2009.

كان الوضعُ الاقتصاديُّ حينَها جيِّداً. إلا أن مُعدَّلَ المَنتوجِ الوطَني الخام للمواطِن كان سيِّئاً مقارنةً بالدول المتطوِّرة. وحسبَ صندوقِ النقد الدولي، احتلَّت تونس عام 2010 المرتبةَ الـ97 بين دولِ العالم، وذلك بنسبةِ 4130 دولار للفَرد، وهي مرتبةُ الإكوادور أو باليز. بالمقارنَة، كانَ معدَّل المنتوج الداخلي 40591 دولاراً للفرد. وكان مستوى المعيشةِ في تونس تحتَ المستوى العالمي، بنسبة 8985 دولار للفرد. وكانت نسبةُ البطالة عالياً لدى الشباب. وكانت الصناعية الأساسيّة وهي النسيج، تعتمِد على المعاشات المتدنِّية للعمال، ولم تستطِعْ تونس أن تنوِّع اقتصادَها نحو قطاعاتٍ ذواتِ قيمةٍ مضافةٍ قوية، أسوةً بـ“نمور” آسيا الشرقية.

من هنا، شكَّلَ تقاطع الهامشِ الديمغرافي مع السلطةِ المستبِدَّة والاقتصاد الغير فعّال حافِزاً لثورة قام َبها الشباب. بدأ كلُّ شيءٍ حين حرقَ محمد البوعزيزي نفسَه في سيدي بوزيد في 10 كانون الأوَّل 2010، وهو بائعٌ جوّال من مواليد1984، وكانت إحدى سنواتِ الذروة الديمغرافية.. وفي 3 كانون الثاني/يناير 2011، نزلَت في الشوارع عدَّةُ مظاهرات في تالا قادَها الشباب، وخاصَّة الطلاب.. بعدَ عدّة أسابيعَ من المظاهراتِ الحاشِدة، تركَ بن علي السلطةَ في 14 شباط / فبراير. فكانَ الشباب إذاً همْ من قامَ بالثورة، خاصّة العاطلين عن العمل منهم الذين وُلدوا في فترةِ ذروةِ الولادات في منتصف الثمانينات.

في مصر، بين 1985 و1988

لدينا المعطياتُ الإحصائيّة الكاملة المتعلِّقة بحجم الولادات. عرف العام 1970 1.161.000 ولادة، ارتفعت بشكلٍ مُنتظِم في الأعوام 1970 وبدايةِ الثمانينات ووصلَت إلى ذُروَتها مع 1.9 مليون ولادة بين 1985 و1988، وذلك بفعلِ نسبةِ الخصوبة التي بقيَت مرتفعة. على سبيلِ المقارنة، كان هذا الرقمُ يعادلُ تقريباً نصفَ عددِ الولادات في الولايات المتحدة للفترةِ نفسِها، علماً أن عددَ سكانِ مصر لم يكنْ يعادِلُ أكثرَ من ربع عددِ سكّان الولايات المتَّحدة الأميركية. بالإضافةِ إلى ذلك، لاحظنا انخفاض الولادات لتَصلَ إلى 1.5 مليون عام 1992 وذلك بسبب انخفاضِ نسبةِ الخصوبة في التسعينات. }}}

إذا طبَّقنا نظريَّتَنا على مصر، فهذا يعني احتمالَ ثورةٍ بعد أعوام 1985- 1988بربع قرن ، أي بين 2010-2013. كما فيما حالةِ الثورة التونسية، اندلعَت الثورةُ المصرية في الهامشِ الزمني الذي كانَ ملائماَ لها. وأدَّت الظروف التي حكَمت اندِلاعَ الثورة في تونس إلى نفس النتائج في مصر. من الناحية السياسيّة، استقلَّت مصر عن بريطانيا عام 1922, لم تكنْ حينَها جمهورية، بل ملكيّة، وذلك حتى عامَ 1952. تمَّ إعلانُ الجمهوريةِ بعد سنة، ووصلَ جمال عبد الناصر إلى السلطةِ عام 1956, ولكنّه تبنّي سياسةً مسانِدة للاتِّحاد السوفياتي. بعد موتِه، تسلَّم الحكمَ أنور السادات الذي تبنّى سياسةً مسانِدةً للولايات المتحدة, وذلك قبلَ أن يتمَّ اغتيالُه عام 1981 على يدِ متطرِّفٍ إسلامي. حلَّ مكانَه في 14 تشرين الأوَّل 1981 الجيشُ المصري الذي كان حسني مبارك على رأسِه. تمَّ انتخابُ حسني مبارك خمسَ مرّات وحكمَ البلاد لمدة 30 عاماً حتى بداية 2011. مارس حكماً استبدادياً اعتمَد على المجلس العسكري. كانت حالةُ الطوارئ مستمِرَّة والفسادُ عامّاً. وبالتالي، كانَت مِصرُ في المرتَبة 138 في سلّم الإيكونوميست The Economist المُتعلِّق بمؤشِّرِ الديمقراطية.

في المقابل، لم يكنْ الاقتِصادُ المصر ي قوياً. احتلَّت مصر عام 2010 المرتَبة 116 بين دولِ العالم فيما يتعلّق بالدخل الوطني، وذلك بمعدَّل 2771 دولار للفرد، أي نفسِ المعدَّل في غواتيمالا والباراغوي، البلدين الأقلَّ تقدّماً في القارّةِ الأميركيّة. وكانت مصر تعاني من كثافةٍ سكانيّة بحكمِ تجمُّع السكان في المساحات الغير صحراوية وادي ودلتا النيل، مما يؤدَّي إلى صعوبات في تغذيةِ السكان. وكان الاقتصادُ المصري يعتمِدُ على أربعةِ موارد : الغاز، التجارة على قناة السويس، مواردُ المغتربين في بلدان الخليج، والسياحة. وكانت الصناعة محدودةً وقليلةَ التنوُّع بالنسبةِ لبلدٍ بتلك الكثافة السكانية.

كما في الحالةِ التونسية، أدّى تقاطعُ هذه العوامل مع الهامش الديمغرافي الملائمِ إلى اندلاعِ ثورةِ الشباب في ثمانية عشر يوماً. ابتدأت الثورة في 25 كانون الثاني/ يناير بمظاهرةٍ في القاهرة ضدَّ نظام حسني مبارك الذي سقط في 11 شباط/ فبراير 2011.

هل من خطرٍ على المغرب بين 2017 و 2020 ؟

هل من الممكِن أن نشهَد ثورةً أخرى في المَنطِقة، كما كانَ الحالُ في دولتَيْ شمال إفريقيا العربيّتَيْن؟ فحسبَ نظريّةِ الدمينو، ليسَ من المستبعَد أن تمتدَّ الثوراتُ إلى بلدانٍ أخرى، كما حدثَ في ليبيا، مع فارقِ التدخُّل الأجنبيِّ العسكريِّ التي أدَّت إلى نجاحِها. في الجزائر، يَبدو احتمالُ اندلاعِ ثورةِ ضئيلاً بحكمِ الحربِ الأهليَّة في التسعينات التي تحدُّ من محاوَلات الصِّراع. فما هو حالُ المغرب، ثاني أكبرَ في شمال أفريقيا؟

يحتلُّ المغربُ بين دولِ العالم المرتبةَ الـ116 التي لا تثيرُ الحسدَ فيما يتعلّقُ بمؤشِّر الديمقراطية. النظامُ فيه ملكيٌّ دستوريٌّ شديدُ الاختلاف عن الأنظِمة الملكيّة الأوروبيّة. يَحكُمِ هذا البلد ِمنذُ استقلالِه ملكٌ هو في الوقتِ نفسِه أميرُ المؤمنين، ممّا يُضفي على سلطتِه شرعيَّةً إضافِيّة. كان حكمُ الملك الحسن الثاني شديدَ الاستبداد واشتهرَ عهدُه بسجونِه المروِّعة، منها سجنُ تزماماغت. “اختفى” في عهدِه مُعارضون كالمهدي بن بركة. تحسَّن الوضعُ إلى حدٍّ ما مع وصول الملك محمد السادس عام 1999 ، ولكنَّ النظامَ ما زالَ دكتاتورياً. تؤدّي فيه البيروقراطية إلى بطءٍ في المعامَلات، يعوثُ فيه الفساد، هذا بالإضافة إلى قلَّة فاعليّة اقتصاده.

2868كما يحتلُّ المغرب المرتبة 113 فيما يتعلٌق بالدخل الوطني، بمعدّلِ دولا للفرد، و بمرتبة غويانا أو غواتيمالا. يعمُّ البؤس المملكة، مع أحياءٍ فقيرةٍ شاسِعة في ضواحي المدن الكبرى لا سيَّما في الدار البيضاء، حيث تتواجدُ أكبرُ كثافةٍ سكّانِيّة في المملكة. تشكِّلُ السياحةُ مصدرَ الدخل الأساسي، إلا أنَّ هذا القطاع لا يكفي لتؤمِّن عملاً لجميع السكان، كما أن المواردَ الأخرى، كالفوسفات والنسيجِ والصناعة الغذائية (تصدير الخضار) لا تكفي لاستيعاب البطالة لدى الشباب. لا يستفيدُ المغرب من تقاربِه الجغرافي مع أوروبا، الذي يؤدّي إلى هجرة عالية. قد يؤدّي هذا الوضعُ إلى ثورة، كما يظهرُ من أهمِّية الحزب الإسلامي، وحزب العدالة والتنمية، خاصّة وأن ديمغرافيَّته تبدو وكأنَّها قنبلةٌ موقوتة.

المُعطَيات المتعلِّقة بالولادات في المغرب غيرُ مكتمِلة لدينا، إلا أن المتواجِد منها يمَكِّنُنا من تحديدِ وجودِ ذروةٍ في الولادات. بدأ الانتقالُ الديمغرافي (transition démographique) في المغرب متأخراً مقارنةً بتونس، وبقيَت نسبةُ الخصوبةِ عاليةً لفترةٍ طويلة، فوصلَت الولادات إلى ذروتِها بين 1992 و1995، مما يرجِّح باحتمالِ حدوثِ ثورةٍ بين 2017 و2020. يعتمد هذا الاحتمالُ على دورِ الهجرة ِ كمتنفَّس ذي أهميَّةٍ لمعارضين محتمَلين .

ثمَّةَ علاقةٌ بين ذروةِ الولادات والتوقيتِ الزمن ي لاندِلاع ثورة. فتحُ هامشٍ ديمغرافيٍّ ملائمٍ للثورة في إطار دكتاتوريّة متقاطعٍ مع اقتصادٍ قليلِ الفعالية. تبعاً لهذهِ النظرية، من المحتملِ أن تندلعَ ثورةٌ في المغرب ، إذا تدهوَرَ الاقتصادُ أو إذا استمرَّ النظامُ في سياستِه الاستبداديَّة.