استراتيجيَّة قطر لتُصبحَ من “كبارِ” عالمِ كرَة القدم

شكَّل التحاق أكرم عفيف بنادي فريق إف سي خيخون FC Gijon في 21 آب 2016 حَدثاً مُهمًّا ومُكافأة لقطر. وتمكِّن مَسيرة هذا اللاعبِ القطريِّ الشابِّ من فَهم الاستراتيجيّة الرياضيّة لإمارةِ قطر من إحدى الزوايا البعيدة عن أضواءِ الإعلام: وهي التدريبُ الرياض. كيف تُهيِّئُ قطر شبيبتَها للتفَوُّق الرياضي؟ ما هي المسائلُ السياسيّة والاجتماعيّة التي يطرُحها هذا النوع من الاستِثمار؟

وُلد أكرم عفيف في الدوحة عامَ 1996. دخلَ في عقد الـ2000 برنامجَ كرة القدم في أكاديميّة التفَوُّق الرياضيِّ أسبايَر Aspire Academy . افتُتِحت تلك المؤسَّسة عام 2004 في قلبِ المدينة الرياضيّة في الدوحة (أسبايَر زون Aspire zone )، بهدفِ بناء المُجتمَع القطريِّ حولَ قِيَم مُمارَسةِ الرياضة وتَعزيزِ التفوّق. تمَّ استقدام أسماءٍ كبيرةٍ في المجالَين الرياضي والعلمي. وتَبني الإمارة على ذلك آمالاً كبيرةً بالحصولِ على نتائجَ عالميَّة. هذا وقد سعَت لتوسيع شبكاتِها كي تُصبِح قُطباً مهمّاً في الرياضة العالميّة.

تُشكِّل كرة القدم إحدى رَكائز أكاديمية أسبايَر. وقرَّرت الهيأةُ الرياضيّة القطريّة أن تَعتمِد النموذجَ القطريَّ بالتدريبِ الرياضي، وهو الأكثرُ نُجوعاً في فئةِ الناشئين. وقد استقدمَ الأمير حمد بن خليفة الثاني شخصِيّا جوزيب كولومر Josep Colomer من نادي برشلونة الرياضيِّ لكرة القدم. وقد أسَّس ذلك المدرِّب المعروف في عالمِ التدريب لكرة القدم عام 2007 برنامَجاً واسِعاً لاختِيارِ اللاعبين، أكاديميّةَ “أسباير دريمز لكرة القدم” Aspire Football Dreams، ويمتدُّ البرنامج على ثلاثِ قارّات: أفريقيا، أميركا اللاتينيّة، وآسيا. أمّا الأحداثُ الذين يَقعُ الخِيار عليهم في أفريقيا، فيتمُّ تدريبُهم في مركزِ أكاديمية أسبايَر في داكار. يَلتحِقُ الأوائلُ منهم باللاعبين الآخرين في الدوْحة. في الوقتِ نفسِه، يَلتحِق أفضلُ اللاعبين القطريّين الذين يتراوَحُ عمرُهم بين 6 سنوات و18 سنة بالأكاديميّة القطريّة، دون أن يترُكوا النادي الذي يَنتمون إليه. وقد ساهمَ أكرم عفيف بهذا البرنامج، علماً أنّه عضوٌ في نادي السدِّ الرياضيِّ في الدوحة، فرافَقَ نخبةَ اللاعبين في بَرنامج أسباير دريمز لكرة القدم.

النموذَجُ الأسباني

منذ بدايةِ العقدِ 2010، التَحق العديدُ من الأسماءِ الكبيرةِ من عالَم كرة القدم الإسبانية بأكاديمية أسبايَر .عُيِّن إيفان برافو Ivan Bravo المديرُ السابق للشؤونِ الاستراتيجيّة في نادي ريال مدريد على رأس أكاديمية “أسباير” عام 2010. بعد ذلك بسنتين، في عام 2012، استلَم إدارةَ مركزِ التدريبِ في الدوحة هدّافُ فريقِ نادي ريال سوسيداد Real Sociedad السابق، روبيرتو أولاب Roberto Olabe1. بالإضافةِ إلى ذلك، استلمَ الأستاذُ الإيطالي فالتر دي سالفو Valter Di Salvo ابتداءً من 2011 التمرينَ البدنيَّ للأحداثِ في مركزِ التدريب، وقد كانَ سابقاً المُهيِّئَ البدنيَّ لنوادي لازيو La Lazioفي روما ومانشتر يونايتدManchester United وريال مدريد . أوُكِلَت إلى كلِّ تلكَ الشخصيَّات المرموقة في عالمِ كرةِ القدمِ مُهمَّة تحويلِ الدوحة إلى مركزٍ عالميٍّ للتدريب.

عامَ 2009، تمَّ تنظيمُ دوراتٍ وبطولة. تَتناوبُ في الدوحة فرقٌ من العالم كلِّه، ما يُقاربُ العشرين فريقاً سنويّاً، لتنافسَ مبارياتٍ داخلَ أسبايَر زون. فدورةُ الكأس Al-Kass Cup، وهي الأكثرُ شهرةً، تجمع منذ 2012، في شهر فبراير من كلِّ عام، فئة الأحداث من دونِ السابعةِ عشرَ في أفضلِ مراكزِ التدريب في العالم، ومن ضمنِها ريال مدريد، ونادي برشلونة وباريس سان جرمان. فتحت قطر بذلك لنفسِها فرصةً لبناءِ صيتٍ لها لدى لاعبين من نجومِ المستقبل في كرةِ القدم العالمية، قد يهتمّون لاحقاً بالبيئة التحتيّة المتطوِّرة جدّاً، في إطار مسيرتِهم المهنية.

في عام 2012، التحقَ أكرم عفيف بفئةِ الأحداث في نادي إشبيلية FC Séville. في نفسِ العام، ساهمَ في دورة الكأس تحتَ رايةِ أكاديمية أسبايَر. فهدفُ الهيئات القطريّة فتحُ مجالٍ لدفعاتِها المتفوِّقةَ أن تكتسِب تجربة نماذجِ النوادي العالميّة وذلك تهيّؤاً لمباريات هامّة الشأن. وعليه، تُتاحُ لأفضلِ اللاعبين في كلِّ دفعة من أكاديمية أسباير الفرصةُ نفسُها التي أُتيحت لعفيف، وهي أن يَقضوا سنةً في النوادي الأوروبيّة المرموقة. وقد ساهمت نوادي ريال مدريد و موناكو، ونادي فيلا ريال Villareal CF، ونادي أوكسيرAJ Auxerre، ونادي ريد بول سالزبورغ Red Bull Salzbourg، ببرنامجِ التبادل هذا لمَوسم 2013-2014. تعزَّزت هذه السياسةُ ابتداءً من موسِم 2015-2016، بفضلِ توقيع مُعاهدةٍ تَشارُكٍ بين أكاديميّة أسباير وسيلتا فيغو Celta Vigo : بحكمِ هذه المعاهدة، سيُعنى أهمُّ مركزِ تدريبٍ أسبانيٍّ باستقبالِ مجموعةٍ من لاعِبي أكاديميّة أسباير الذين تبلغُ أعمارُهم بين 15 و16 عاماً. فالإمارةُ تُعاني من ضعفٍ في رابطتِها المهنيّة، والتي يُوازي مُستواها الفئةَ الثالثةَ أو الرابعة في بطولةِ أوروبيّة كبيرة، وهي بالتالي مُضطرَّة بالتفكير بمستقبلِ أفضلِ لاعبيها وإلحاقِهم ببطولاتٍ تسمحُ لهم باللعبِ في مبارياتٍ على أعلى المستوَيات.

مُقايَسةُ أهمِّ اللاعبين العالميّين

تأخذُ التمرينات أكبرَ حيِّز في حياةِ لاعب كرة القدم. ولكن المنافَسةَ تبقى هيَ الأهم. ويواجه اللاعبون القطريّون الناشئون هذه المُشكِلة في وقتٍ باكر من البرامج التي يُحضِّرُها مدرِّبو أكاديميّة الأسباير. فلكَي يَصلوا إلى أعلى مستوى، من الضروري أن يَقيسوا أنفسَهم بأفضل اللاعِبين. ثمّة عتبةٍ أولي تؤدّي إلى ما هو أفضلُ في عالمِ المهنة. ومشروعُ “هوب” HOPE ( Habituating Overseas Professional Experience) يَهدف إلى إعارةِ بعضِ اللاعبين من أكاديميّة الأسباير والذين تبلغُ أعمارُهم بين 18 و22 سنة، لكي يبدؤون باكتسابِ ثقافة “الانتِصار”، ومن هذه النوادي ريال سويداد، والنوادي الألمانيّة شالِك 04 Schalke04 وباير ليفركوسن Bayer Leverkusen وبوروسيا مونشنغلادباخ Borussia Mönchengladbach. ولكَي يُسيطرَ على عمليّة التدريب، أسّست قطر شبكتَها الأوروبيّة ، إلى جانب مُعاهدات الشراكة هذه. فشراءُ نادي كاس يوبن KAS Eupen البلجيكي يَدخلُ في هذا السياق، ودخلَه أكرم عفيف في مَوسِم 2015-2016. لمعَ نجمُ أكرم عفيفي في بطولةِ الفئة الثانيَة البلجيكيّة وساهمَ بصعودِ نادي كاس يوبن في إلى دوريِّ كوكَبِ المُشتري، وذلك بفضلِ إدارة جوزيب كولومر ومدرِّبين أسبان آخرين. فلاحظَت النوادي الإسبانيّة كفاءتَه، ممّا مكَّنه من التوقيعِ للالتِحاق بنادي فيلاريال الإسبانيِّ في تموز/ يوليو 2016، وهي إحدى القيمِ الثابِتة في البطولة الإسبانيّة والمباريات الأوروبيّة، ويتمُّ النظرُ إليه كلاعبٍ ذي مُستقبلٍ واعِد. وقد أعارَ النادي أكرم عفيف إلى نادي خيخون كي يشتَدُّ عودُه في هذه المرحلةِ من اللعبِ على أعلى المستَويات.

يُعطي هذا النوع من المَسارات المهنيّة فكرةً عن سياقِ التدريب في أكاديمية أسباير. يتوجَّب عليه اليومَ أن يوَسِّع إمكانيّاته ليدعمَ لاعبي الأكاديميّة حين ينتهي تدريبُهم المهني. بهذا الغرض، استملَكت المؤسَّسة القطريّة ، خلالَ صيف 2015، نادي ليونيزا الثقافي Cultural Leonesa كما اشترَت نادي لاسك لينز Lask Linz، وهو نادٍ كانت على شراكة مَعه منذ سنوات عديدة. وابتداءً من 2015، بدأ لاعبو أكاديمة أسباير بالالتِحاق به. فافتِعال فرصٍ تسمحُ للاعِبين بخوضِ بطولات على أعلى المستوَيات، في إطار فِرقٍ على تواصُلٍ مع نجومِ كرةِ القدم، خيارٌ من شأنِه أن يجعلَ من إمارةِ قطر دولةً يحسبُ لها حسابٌ في عالمِ كرة القدم. وستكونُ بطولةُ كأسِ العالم عام 2022 أوَّل مَوعدٍ كبير.

مَسألةُ صحَّة عامّة

ثمَّة مسائلُ أخرى خلفَ الأداء الرياضيّ. فمن خلالِ تنظيمِه لأحداثٍ رياضيّة، تهدفُ السلطات القطريّة في الوقت نفسِه إلى مُكافحةِ مُشكلةٍ كبيرةٍ تُطرَحُ على مواطنيها: ألا وهي زيادةُ الوزن. فالقطيعةُ في النموذجِ الذي عرفته المجتمعاتُ في دوَل الخليجِ بعد الطفرةِ النفطيّة، أحدثَ تغيُّرا في نَمطِ الحياة، وكان لذلك آثارٌ كبيرة في مجالِ الصحّة العامة. نذكرُ على سبيلِ المثالِ قلّةَ الحركة بحكم استِعمال السيارة الدائم للتنقلِ بالإضافة إلى نظامٍ غذائيٍّ تكثرُ فيه اللحوم والسكريات. تتجلّى المشاكلُ في قطر من خلالِ نسبةِ السكري الأعلى من المعدَّلات العالميّة. في خطابه في منتدى أهدافِ الدوحة التحضيري عام 2012، أكَّد السكرتيرُ العامُّ للّجنةِ الأولمبيّة القطريّة، سعود بن عبد الرحمن الثاني: “الرياضةُ تدخل تماماً في سِياق”الرؤيةِ الوطنيّة لقطر عام 2030“، وهي رؤيةٌ تهدِفُ لتعزيزِ التفاعلِ والتفهُّمِ من خلالِ الجهد والتربية، ممّا يؤمِّن لنا حياةً أكثرَ رخاء، وصحّة أفضل”2 .

وقد أكَّدت قطرُ على هذه المسألة، لا سيَّما وأنَّ لِتَدهْور الصحّة كلفةً وخطراً قد يَتفاقم. ففي مَقالة في النيويورك تايمز في 26 نيسان 2010، نبّهَ جوستن غرانتهام Justin Grantham، وهو طبيبٌ أخصّائيٌّ في الرياضةِ يُمارسُ مهنتَه في قطر، إلى الأخطارِ التي تُحيطُ بالمجتمع القطري: “نحن نتكلَّم على بدانةٍ جدِّيّة (...) لها آثارٌ وَخيمةٌ على المدى البعيد”3 .

تريدُ الدوحة إذاً تعزيزَ مُمارسة الرياضة. وتَعتمد بذلك على بُنى أكاديميّة أسباير التي تَقترِح برامجَ للّياقة البدنية. تمَّ تنظيمُ يومٍ وطنيٍّ للرياضة عام 2012 لتشجيعِ الناس على استِكشاف رياضات جديدة. كما يتمُّ تنظيمُ بطولات مدرسيّة، وبناءُ مسارات للممارَسة المشيِ أو الركض، وكانت بطولةُ كأسِ العالم البرازلية عام 2014 فرصةً لترتيب منوَّعات رياضية في الدوحة. ولتمكينِ هذه المبادرات، بدأ العمل على صورةِ البطل للتّحفيز على مُمارسةِ هذه الرياضة أو تلك. في هذا الإطارِ تأتي مبارياتُ كرةِ القدم التي يتمُّ تنظيمُها في ستُّ مدرَّج خليفة، خلالَ فرصةِ الشتاء بين فرقٍ مرموقة، حيث يستطيعُ القطريّون الشبّان مشاهدة النجوم العالميّة. إلا أنَّ الشبيبةَ القطريّة قد تجدُ تتماهى معَ نجمٍ وطنيٍّ كأكرم عفيف أكثرَ منها مع نجم مثل كريستينو رونالدو. لذلك توجَّب على نجمِ أكرم عفيف أن يَلمع على أرضِ الملعب ليكونَ مثلاً يُحتذى بجهده.

1تركَ روبرتو أولاب منصبَه في أكاديميّة أسبايَر في شهر آب 2016 لاستلِام منصبِ مديرٍ رياضيّ في ريال سوسيداد.

2« Secretary General adresses Doha Goals Pre-Forum », communiqué du Qatar Olympic Commitee, 1er juillet 2012.

3Michaël Slackman, « Privileges pulls Qatar toward unhealthy choices ».