مُساهمةُ العرب الأميركيّين في الانتِخابات الأميركيّة

جَبهةٌ مُوَحَّدة ضدَّ ترامب

أثبتَت الانتِخاباتُ الأخيرة الحضورَ السياسيَّ للجاليَة العربيّة الأميركيّة على الصعيدَين المحلَّيّ والفيديراليّ، ولم يردَعْها التردادُ الإعلاميُّ السلبيُّ والدائم لربطِ ونعتِ العربِ والمسلمين بالإرهاب والتطرُّف ، كجزءٍ من استراتيجيَّة استخدامِهم في الحمَلات الانتخابيّة ، عن مُمارسةِ حقِّها الانتِخابي بنسَبٍ عاليَة (69%) فاقَت المعدَّل الفيديرالي. لماذا ولمصلحة أي مرشح استنهضت الجالية ناخبيها؟

باتَت مدينةَ ديربورن القريبة من ديترويت محوَرَ تمركُزِ الجاليَة العربيَّة –الأمريكية. لذلك فهي الأقربُ إلى التعبيرِ عن الهويّة السياسيّة للجاليَةِ العربيَّةِ الأميركيَّةِ على صعيدِ الولاياتِ المتَّحدة.

تَرجعُ إقامةُ العربِ الأميركيّين في مدينةِ ديربورن إلى مطلعِ القرن العشرين، عزَّزَها إنشاءُ المجمَّعُ الصناعيُّ الضخمُ “الروج” واعتِمادُ هنري فورد لمبدأ مفادُه أنَّ “الإنتاجَ الغزيرَ يتطلَّب زيادةً في الاستِهلاك” والذي بحكمِه تمَّ رفعُ القدرةِ الشرائيّة لعمّالِه، أي لزبائنه. ممّا دفعَ الآلافَ من كلِّ القوميات المهاجرة (أكثرَ من 60 قومِيَّة) للاسِتقرارِ بجانبِ مصانِع “الروج” ، ومنهم كانَ العربُ الأميركيّون. ارتبطَ تسارُعُ نموِّ أعدادِهم بتزايد الحروبِ والخرابِ في بلدانِهم الأمِّ.

الهجرةُ الكثيفةُ للّبنانيّين والسوريّين ترافقَت مع بدايةِ الحربِ العالميّة الأولى مروراً بالأزَمات على مختلَف الصعدِ ومنها الحروبُ الأهليّة، أمّا هجرةُ الفلسطينيّين فبدأت بعدَ نكبةِ 1948، وتضاعفَت هجرةُ اليمنيّين بحكمِ الأزَمات الداخليّة حتى وصلَت للقمّة حالياًّ. وأخيرا هجرةُ العراقيّين التي نتجَت عنِ الحربِ على العراقِ 1989-1990 وغزوِه لاحِقاً في عام 2003، وتجبُ الإشارةُ إلى هجرةِ الكلدان وغيرها من الأقليّات الدائمةِ من البلدان العربيّة نتيجةَ التهميش والقمع .

الجاليَةُ العربيّةُ، وخصوصاً اليمنيّة منها، استأثرَت وأقامَت، بعد انهيارِ وتقلُّصِ الانتاجِ الصناعيّ بمصانع “الروج”، في مِنطَقة جنوب شرق ديربورن، أمّا شرقُها، فأقامَ فيهِ معظمُ اللبنانيّين الذين بدؤوا حاليّاً بإفساحِ المجالِ لغيرِهم بانتقالِهم لإحياءَ ومدنٍ أخرى .

جاليَة حيَويّة

وتاريخُ هذه المدينةِ حافلٌ بالتعصُّب العنصريِّ ضدَّ الأقليّات، لا سيَّما ضدَّ الأفريقيّين-الأميركيّين، ولكنَّ العرب استَطاعوا التسرُّبَ للسكنِ فيها بحكمِ لونِ بشرتِهم .حاليّاً، يشكِّلُ العربُ الأميركيّون حَوالي 40% من سكّانِ المدينةِ التي تَعدُّ ما يُقارب 100.000 ألفَ نَسمة. أمّا عددُ العربِ الأميركيّين في ميشيغان، فهو يقارب ألـ 450.000 نسمة من أصلِ 4 مليون في الولايات المتَّحدة1.

أفضى النموُّ المُطّرد لأعدادِ العربِ الأميركيّين لتشكيلِ مؤسّسات ثقافية، ودينيّة، واجتماعيّة، واقتصاديّة. وهذا ما رَسم ملامِحَها السياسية التي تتقوّى ويتعزّز باستِمرار بسببِ فتوَّتِها ولتأهُّلِ الجيلِ الثاني للإمساكِ بمفاصِلِ القرارِ السياسيِّ، إذ إنَّ انتماءَهم للمجتمَع الأميركيِّ لا تشوبُه معيقاتٌ توارثَها الجيلُ الأوّل من الوطنِ الأمّ. فعددُ المسجّلين من العرب الأميركيين للانتِخابات لهذه الدورة كانَ 18.000 في حين أنَّ عددّ الناخبين المسجَّلين عامَ 1985 لم يَكن يتجاوَزُ الـ 700مُنتخَب.

كانَ للحملةِ على العربِ والمسلمين منذ 11 أيلول 2001 أثرٌ كبير على التفاعُلات السياسيّة مع الجاليَة العربيّة في ميشيغان، التي همَّشت وحجَّمت من حيويَّتِهم، إذ إنَّ التقارُبَ منهم كان يُعدُّ انتِحارا سياسيّاً للمرشّحين. ومن شأنِ الحملة التي وصلَت أوجَها في خطابِ ترامب العنصريّ أن استنهَضت الناخِبين من أبناءِ الجاليَة، دِفاعاً عن وجودِهم. مما يُفسِّر عَودةَ النهوضِ السياسيِّ بعدَ أحداثِ الحادي عشر من أيلول 2001، والذي بدأ يتعزَّز مع أوَّل انتِخاب لأوباما.

فالجيلُ الثاني الواعي لانتِمائه الإثنيِّ يَخوضُ غمارَ السياسةِ وبحماسٍ، فهو شاهِدٌ على الانعِكاسات السلبيّة على الجالية بسببِ المُمارَسات العنصريّة والتمييزيّة التي تتعرّضُ لها على مُختلَف المستوَيات. هذا الانغِماسُ تَبدّى على سبيلِ المِثال في الانتِخابات المحلّية التي أسفرَت عن نجاحاتٍ على مستوَيات عدّة أهمُّها نجاحُ أصغرَ نائب لتاريخِه، لمجلسِ نوّاب الولايةِ، واسمُه عبد الله حمود.

من شأنِ هذه الإنجازاتِ على الصعيد المحلي، والاستِفتاءات حولَ قضايا محلِّيَّة في المدنِ أو الولايةِ والتي سجَّلَ العربُ-الأميركيّون نجاحاتٍ لابأسَ بها على هذا الصعيد أن تُعزِّز ارتِفاعَ نسبةِ إقبالِهم للاقتراع، وأن تضعَ الأصواتِ العربية في موازينِ الربحِ والخسارة لدى المرشحين على الرئاسة.

أصواتٌ باتَ لها وَزن

ولايةُ ميشيغان هي من الولايات المتأرجِحة أي المقرِّرة في النتائج النهائيّة للرئاسةِ. ولأن الفارق بين الحزبين الرئيسيين يقرَّر بتفاوُتٍ بين 3 إلى 4%، فمن الطبيعي أن يَحظى الصوتُ العربيُّ باهتِمام المرشَّحين للرئاسة. وتكرارُ زياراتِهم لجنوبِ شرقِ ميشيغان ودعواتِهم للعربِ الأميركيين خلالَ الحملاتِ الانتِخابيّة خيرُ دليل.

لم تحظَ الجاليةُ العربية بزيارةٍ مخصَّصة من ترامب فموقفُه العنصريّ من المُسلمين والعرب واضحٌ ومعروفٌ ولم يُخفِّف وطأتَه ظهورُ شيخٍ معمَّم في خلفيّة المنصّة في أحدى زياراتِه لميشيغان. على عكسِ ذلك، زارَ المرشَّحُ ساندرز مركزَ اتِّحادِ العمّال في جنوبِ شرقِ ديربورن في الانتِخابات التمهيديّة وبحضورِ حشدٍ عربيٍّ أمريكيٍّ فاق التوقُّعات، عبّر فيها عن تبنّيهِ لقضايا العمّال والأقلِّيّات، وكرَّرَ زيارتَه للمدينةِ واجتَمع مع الناشِطين من العرب الأميركيين.

أمّا هيلاري كلينتون فقد زارَت ديترويت ثلاثَ مرّات، كما زارَت مدينةَ ليفونيا. وخلالَ زياراتِها كان الحضورِ العربيِّ جليّاً. ودعماً لها، كانت زيارةُ زوجِها بيل كلينتون الذي حرصَ على دخولِ محلّات العربِ الأميركيّين ومطاعمِهم في مدينةِ ديربورن .وتجدرُ الإشارة بأنَّ عربَ أميركيّين كانوا من ضمنِ الفريقِ الاستِشاري للمرشّحين ساندرز وهيلاري، منهم زينب حسين مديرةُ حملتها الانتِخابية وجيمس الزغبي ممثِّلا لفريق بيرني ساندرز في التفاوُض مع فريقِ كينتون.

إضافةً إلى ما سبق ، تصدّرت مشاركةُ العرب الأميركيين في الانتِخاباتِ التمهيديّة للحزبِ الديموقراطيّ الإعلامَ المحلّيَّ والوطنيَّ بسبب حصولِ المرشَّحِ بيرني ساندرز على أصوات أكثرَ من 60% من العربِ الأميركيين،رغم أنه يهوديّا ويساريّا. تعكِس مفاضلَته على كلينتون القراءةَ الصحيحةَ من قِبل المُنتخِبين لمَواقفِ وبرامجِ المرشّحين، مُتجاوِزين بذلك الصورةَ النمطيّة لعداءِ اليهودِ واليسار. فأجندةُ بيرني ساندرز تستَجيبُ لمطالبِ الطبقةِ الوسطى ولأصحابِ الدخلِ المحدود، إضافةَ لِاتّزانِ موقفِه تجاهَ القضيّة الفلسطينيّة والقضايا العربية .

من الصوتِ الجمهوريّ إلى الصوْتِ الديمقراطيّ

اعتمد معظمُ العرب الأميركيّون سياسةً لا بدَّ منها لقطعِ الطريقِ على وصولِ ترامب، ألا وهيَ مفاضلةُ السيّء على الأسوأ. ففي الانتِخابات الأخيرة، ومع ارتِفاع نسبة العرب المشاركين، ، توزّعت الأصواتُ بين المرشّحين بنسبة كلينتون 70 % مقابلَ 22% لترامب، في مناطقِ جنوبِ شرقِ وشرقِ ديربورن حيث تسكنُ الغالبيّة العظمى من الجالية. وإن أرَدنا قراءة خارطةَ المدينة تبعاً للأحياء، نالَت المرشّحةُ كلينتون في الدورة النهائية ضدّه في منطقةِ جنوب ديربورن مابين 81 إلى91% من الأصوات. أمّا في شرقِها، فنالَت ما بينَ 70 إلى 81% .نظرةٌ على خريطةِ نِسبِ التصويت المرفَقة توضِّح تلازُمَ اللونِ الغامق، مع كثافةِ الوجودِ العربيِّ في جنوبِ شرقِ ديربورن وشرقِها، كمؤشِّرٍ لكثافةِ التصويت لكلينتون .

خارطة توزيع الأصوات لصالح هيلاري كلينتو في مدينة ديربورن في الانتخابات الرئاسيية 2016 / المصدر: بلدية ديربورن

ماذا تقولُ تلك الانتخاباتُ عن الدورِ السياسيّ للعربِ الأميركيّين على الصعيدَيْن المحليّ والفيديراليّ؟ برأي حسن جابر مديرُ ACCESS - المركز العربي للخدَمات الاجتِماعية والاقتصاديّة وهي أكبرُ المنظَّمات العربيَّة – الأميركيّة في الولايات المتحدة -، تشيرُ النتائجُ إلى انزياحٍ كبيرٍ من الحزبِ الجمهوريّ نحوَ الديموقراطيّ، إذ كانَت الأصواتُ العربيَّة في الدوْرات الانتِخابية السالِفة مناصفةً بينَ الحزبين.

فبعدَ كارثةِ العراق، رجَحت كفّةُ الحزبِ الديموقراطي، ولكن ليسَ للدرجةِ التي نشهدُها حاليًّا. سببُ ذلك خطابُ ترامب الداعي لتسجيلِ المُسلِمين ومنعِهم من الدخول ،إضافةً إلى أسبابٍ داخلِيّة مَحضة أخرى: وعدُه بإلغاءِ “أوباما كير” أي برنامجِ أوباما لتغطِيَة الطبابة، تأييدُه خَصْخَصَة برامجِ التقاعدِ ومواقفُه العنصريّة تجاه الأقلِّيات وعدمُ وضوحِ برنامجِه الاقتصادي. كلُّ هذه النقاط دفعَت العربَ الأميركيّين إلى العزوفِ عن تأييدِه .

وبرأي مديرِ المركزِ العربي، لا يمكنُ مواجهةُ ما يتهدَّدُ الجاليةَ العربيَّة الأميركيّة، بمعزَلٍ عن بقيّةِ الأقلِّيّات المتضرِّرَة نتيجةً لنجاحِ ترامب ،مثلَ الأفريقيين-الأميركيين والأسبان- الأميركيّين، إضافةً للنساءِ والمثليّين وغيرِِهم من المهمَّشين .لذلك فإنَّ العملَ جارٍ حاليّاً لإقامةِ تحالفٍ يشملُ كلَّ هذه العناصرَ ويبني على ما حقَّقته حملةُ بيرني ساندرز من تَجييشٍ لكلِّ المتضرِّرين من سياسةِ ثنائيّةِ الحزبَين التي لم تُعبِّر بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ عن تَطلُّعاتِ الطبقة الوسطى وما دونِها، خصوصاً منذ حقبةِ الرئيس ريغان.

يضيفُ حسن جابر بأنَّ المنظّمات غيرَ الربحيّة كالمركز العربي ستتضرَّرُ لأنَّ تخفيضَ الدعمِ الفيديراليّ لبرنامجِ الضمانِ الصحيِّ سيهدِّد سلامةَ أكثر من 7000 مريضٍ في عيادةِ المركز في ديربورن ، وهؤلاء بأمسِّ الحاجةِ إليهِ لافتِقارِهم لأدنى المتطلِّبات المادِّيّة التي تخوِّلُهم الذهابَ لعيادات أخرى .وأعتبرَ جابر أنَّ تَداعياتِ انتِخاب ترامب ستحفِّزُ بشكلٍ أو بآخرَ تَحالفَ مُعارِضيه على تحسينِ أدائهم بما يؤمِّنُ تجاوزَ المألوف من سياسةِ الإيستابليشمانت، جُمهوريّةً كانت أو ديموقراطيّة. ويرى جابر بأنَّ تجاوُزَ التداعِيات السلبيّة لانتخاب ترامب، مُترافِقا مع النموِّ السياسيِّ للعرب الأميركيين ، يشكِّلان الأسُسَ السليمة لبزوغِ ما يُسمّى اللوبي العربي.

أخيراً هناك تداعِيات سياسةِ ترامب تجاهَ المَسألةِ السوريّة على صعيدِ الجالية. فالسيدة رشا دمشقية، الرئيسةُ المشاركةِ للجنة الحقوق المدنية ورئيسةُ مجلسِ إدارة ACCESSالمركزِ العربيِّ للخدَمات الاجتِماعية، والناشطةُ على صعيدِ الجاليَة السوريَّة والعربيّة، ترى في انتخابِه تراجُعاً عن الالتِزام بقبولِ اللاجئين السوريّين باعتِبارِهم أعشاشاً للإرهاب. وأضافت دمشقية بأنَّ تَعهُّد الرئيس أوباما الأخير برفعِ عددِ من سيتمُّ قبولُهم من اللاجئين من 10.000 إلى 30.000 قد لا يلتزِمُ به ترامب، على ضوءِ برنامجِ عملِه المُعادي لهم. أضافت : حتّى الآن وصل 13.000 لاجيء تمَّ توزيعُهم على مختلفِ الولايات، وتتخوَّف المنظَّمات الأهليّة المساعِدة على توطينِهم من شحٍّ في التمويلِ نتيجةَ جوِّ الإسلامافوبيا التي أشاعِتها سياسته.

خلاصة آراء ومُمَثِّلي الأقليّات، تفيد بأن التخوُّفَ من إدارةِ ترامب حقيقي، رغمَ ما يشاعُ بأنّ خطابَ المرشَّح ِللانتِخابات يختلفُ دَوماً عنه فيما بعدِها ، خصوصاً بعدَ تراجعِه عن منعِ المُسلِمين، وتخفيفِه من وَطء الإلغاءِ لـ“أوباما كير” . يبقى الخوفُ مبرَّرا لأن ما يرشَح من الترشيحات لشغلِ إدارتِه هم من العنصريّين ومن عتاةِ المحافِظين الجدُد، إضافةً إلى أنَّ برنامجَه غيرَ واضحِ المَعالم على أكثر من صعيدِ بالنسبةِ للطبقةِ الوُسطى وأصحابِ الدخلِ المحدودِ ومنهم البيض المهمَّشين الذين التفّوا حولَ خطابِه الشعبَوي والذين صبّوا جامّ غضبِهم على الأقليّات كمسبِّب لأزمتِهم.

1معظمُ الأرقام الوارِدة تعتمِد على إحصاءاتِ شركة الزغبي.