9130 €Collectés
20000 €Objectif
23 / 30Jours

المملكة العربية السعودية في رمال الشرق الأوسط المتحركة

بين حرب اليمن وحرب الخلافة

يواجه الملك سلمان بن عبد العزيز بعد مضي سنتين على اعتلائه العرش تحديات عدة. فعملية التدخل في اليمن لم تفض الى اية نتيجة، في حين تعثرت سياسة المملكة العربية السعودية في كل من سوريا والعراق ولبنان. وفِي الوقت الذي تثير فيه الإصلاحات الاقتصادية العديد من الانتقادات، تبقى التساؤلات حول الخلافة دون جواب.

ثمة مسألة يتفق عليها جميع الدبلوماسيين الأجانب في الرياض: ألا وهي أن فهم الحكم السعودي للأوضاع في المنطقة يتمّ من منظور واحد وهو الخطر المتمثل بإيران. يقول احدهم:“يُبصرون اليد الإيرانية في كل شيء و يأخذون على محمل الجد العنتريات الواردة في الصحافة الإيرانية بأن إيران باتت تسيطر اليوم على أربع عواصم عربية هي بغداد وصنعاء وبيروت ودمشق”، بل ويذهب دبلوماسي آخر الى أن :“إيران باتت الهاجس، لدرجة أنهم ينسون أنه بلد جار، ومهما كان الحكم على سياسته فهو لن يختفي فجأةً من الوجود”، ويجمع الدبلوماسيون على أن هذا الهاجس كان أول الدوافع للتدخل السعودي في اليمن.

“لم يكن لدينا خيار، اضطررنا للتحرك”. هذا التأكيد على لسان أحد الدبلوماسيين السعوديين يعبر عن شعور غالبية المسؤولين الذين قابلتهم في الرياض، ويتابع هذا الدبلوماسي قائلاً “اليمن بالنسبة لنا شأن داخلي: فنحن بحاجة الى نظام مستقر وصديق على حدودنا. هي مسألة أمن قومي”. ويضيف المتحدث أن “شعب اليمن يضاهي شعب المملكة من حيث العدد”.

عملية ال“عاصفة” لم تف بوعود الحزم

لقد أراد العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، عندما خلف الملك عبد الله في 23 من يناير /كانون الثاني 2015، أن يثبت بتخليه عن سياسة خارجية كانت تتسم بالحذر بل تعتبر محافظة أن المملكة العربية السعودية قادرة على الدفاع عن مصالحها الحيوية. ومما زاد من عزمه على ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد تبدو الحليف الذي يمكن التعويل عليه، كما دل على ذلك تقاربها مع طهران بشأن الملف النووي أو موقفها المتفرج من الأحداث في سوريا. وفي مارس/آذار2015 قامت المملكة على رأس ائتلاف من عشرة بلدان بالتدخل العسكري بهدف اعادة الحكومة “الشرعية” الى صنعاء التي طردها منها المتمردون الحوثيون المتهمون بانهم ألعوبة في يد إيران.

إلا أن “عاصفة الحزم” كانت أبعد ما يكون عن الحسم، بل كشفت حدود قوة السعودية العسكرية (والسياسية). فبرغم انتشار عشرات الآلاف من الجنود على حدودها اضطرت المملكة للانسحاب من شريط طوله 200 كيلومتر وعرضه بين 20 و30 كيلومتر، واضطر 7000 من السكان لإخلاء قراهم خوفاً من غزوات الحوثيين، علماً ان هؤلاء ما زالوا يصوبون قذائفهم على المدن الجنوبية مثل جيزان، وإن كانت صواريخهم هذه قليلة الفعالية إلا انها تخلق أجواءً من انعدام الأمن تؤدي أحياناً الى إقفال المدارس ومؤسسات الدولة. وإن كانت السلطات تعترف ب50 ضحية بين جنودها إلا أن الرقم الحقيقي قد يكون أقرب الى ال 800، جرى “تمويه” حتفهم تحت خانة “الحوادث” في غالبية الأحيان. أما الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الطيران السعودي في قصفه العشوائي – كقصف جنازة في قلب صنعاء في 9 اكتوبر/تشرين الأول اسفرت عن 140 قتيلاً – فلقد أثارت موجةً من الاستنكار الدولي وأدت بالولايات المتحدة الأميركية الى تعليق عملية تسليم 16000 من الذخيرة ذات التصويب الدقيق من قبل شركة رايتون. وفي ال19 من ديسمبر كانون الأول وبعد نفيها لأشهر مضت استخدام هذا النوع من السلاح، أعلنت الرياض رسمياً قرار التخلي عن استخدام القنابل الانشطارية البريطانية. ولقد تبددت النشوة الوطنية التي كانت قد رصت صفوف فئات واسعة من الشعب السعودي، بعد امتداد هذه الحرب التي لا تظهر نهايتها في الأفق، والتي يسقط فيها الكثير من الضحايا المدنيين“. يبدو أننا ماضون في تدمير بلد شديد الفقر”، حسبما أفاد أحد الجامعيين بأسف.“وهو أمر يؤثر فينا حتى لو لم يكن لدينا اي تعاطف مع إيران.” ويضيف هذا الجامعي:“لقد بدأنا نربط ما بين سياسات التقشف الاقتصادي المفروضة علينا وتكاليف هذه الحرب”. حيث تبلغ هذه التكاليف في الشهر الواحد ما بين 2 الى 3 مليارات بل 7 مليارات دولار حسب بعض المصادر ، في الوقت الذي أدى انهيار اسعار النفط الى شح الموارد الحكومية.

وسعياً منه للتخفيف من وطأة هذه الصورة القاتمة، أوضح أحد المسؤولين السعوديين الرسميين قائلاً:“لقد استولينا على 80 بالمئة من الصواريخ التي كانت بحوزة الحوثيين، واستطعنا الحؤول دون وقوع جنوب اليمن بل البلد باسره بين أيديهم”. وهو عزاء ضعيف إذا ما تذكرنا الأهداف التي وضعت في البداية ولا سيما منها إعادة السيطرة على صنعاء. ولكن الرياض باتت الآن تسعى أكثر ما تسعى الى الخلاص من هذا المستنقع. علماً أن الخروج من الحرب ليس كدخولها. إذ لا يتعين على السعودية أن تأخذ في الحسبان أعدائها فحسب – ولقد نوهت الصحافة السعودية نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني بتصريحات رئيس الأركان الإيراني حول إمكانية إنشاء قواعد بحرية في سوريا واليمن – بل عليها ان تنتبه لحلفائها أيضاً، حيث يتبعون استراتيجيات خاصة بهم في كثير من الأحيان. فدولة الإمارات العربية المتحدة المتواجدة بقوة في اليمن، بما في ذلك عبر قوات برية بمئات الجنود، شديدة الحذر حيال حركة الإصلاح، وهي الفرع اليمني للإخوان المسلمين، رغم تحالف هؤلاء مع الرئيس “الشرعي” عبد ربه منصور هادي المدعوم سعودياً. والرئيس اليمني يرفض ان يذهب ضحية اتفاق يجري التفاوض بشأنه حالياً عبر وساطة جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، والذي تضع الرياض فيه كل آمالها للخروج من هذا الوضع الذي يطلق عليه خصومها، بمبالغة كبيرة، تسمية “فيتنام سعودي”.

انعدام الاستقرار وانقسامات إقليمية

لم يكن المقصود من التدخل في اليمن بالنسبة للملك الجديد سلمان بن عبد العزيز سوى المرحلة الأولى من عملية عودة بلاده الى الساحة الإقليمية. فللمرة الأولى منذ عام 1973، منذ حظر النفط الذي فرضته السعودية على صادرات النفط بعد حرب اكتوبر/تشرين العربية الإسرائيلية، يقوم عاهل سعودي بالانعتاق من الوصاية الأميركية، كما ويحاول كبح عملية التطبيع ما بين إيران والعالم. ولقد ادى إعدام الزعيم الروحي السعودي الشيعي نمر باقر النمر في 2 يناير/كانون الثاني 2016، وما تلاه من تدابير انتقامية ضد السفارة السعودية في طهران، الى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران. ثم حذت حذو المملكة دولٌ خليجية عدة. “ولقد أدرجت عادة الآن” كما يقول احد الدبلوماسيين الغربيين في الرياض "أن تؤدي اية حادثة ما بين المملكة وإيران بشكل آلي إلى سلسلة إدانات لطهران، من قبل مجلس تعاون الخليج أولاً، فجامعة الدول العربية ثانياً، فمنظمة المؤتمر الإسلامي ثالثاً. إلا أن نظرة واحدة الى خريطة الأوضاع الإقليمية كافية لإدراك حدود العملية الحربية السعودية. ففي سوريا، لقد مكّنت السيطرة على حلب من قبل الجيش السوري، بمساعدة الطيران الروسي والمستشارين الإيرانيين والميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية سلطة الرئيس بشار الأسد من تعزيز النظام الذي كانت الرياض تسعى للإطاحة به. وفي العراق، تعثرت محاولات إعادة العلاقات مع الحكومة التي ألّفها حيدر العبادي في آب/ أغسطس 2014 . وأدلى السفير السعودي الجديد ثامر السبهان المبعوث الى بغداد في ديسمبر 2015 بعد قطيعة استمرت منذ حرب الخليج (1990-1991) بالعديد من التصريحات التي تستنكر دور الحشد الشعبي في العراق وتتهمه بتأجيج التوتر مع السنة، مما جعل بغداد تطالب برحيله في 29 آب /أغسطس 2016.“إلا أن العلاقات مع العراق مستمرة”، كما يقول مُطمئناً أحد الدبلوماسيين السعوديين “حتى لو كنا نفضل أن تكون الحكومة العراقية أكثر احتضاناً لكافة الأطراف. فلقد نشأت داعش من سياسة الاستبعاد والإقصاء حيال السنة. وكان لا بد من رحيل المالكي – رئيس الوزراء الأسبق الذي انتهج سياسة طائفية موالية للشيعة، إلا أن نفوذه ما زال ملموساً”.

أما في لبنان، فبعد ان تم تجميد 3 مليار دولار لشراء أسلحة (فرنسية)، عقاباً لبيروت على عدم توقيعها لإعلان جامعة الدول العربية المندد بحزب الله كمنظمة “إرهابية”- وبعد أن قطعت المعونة عن الحليف سعد الحريري، الذي لا بد من الاعتراف بأنه لم يكن استثماراً مربحاً تماماً للرياض، فلقد انسحب السعوديون تماماً من الساحة اللبنانية. وعندما تم انتخاب ميشال عون المتحالف مع حزب الله رئيساً للجمهورية في 31 أكتوبر/ تشرين الأول، شوهد في بيروت على التوالي وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف والمبعوث الخاص للرئيس بشار الأسد، منصور عزام، لتقديم التهاني، في حين كان السفير السعودي قد غاب عن المشهد منذ شهرين. وكان لا بد من انتظار ال21 من نوفمبر /تشرين الثاني كي يلتقي أخيراً الأمير خالد الفيصل، حاكم مكة، بالرئيس ميشال عون.

توتر مستمر مع مصر

“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و انثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”، آية قرآنية محفورة على واجهة مبنى وزارة الخارجية السعودية، وتوصية يبدو من الصعب على الدبلوماسيين السعوديين ترجمتها الى واقع ملموس، حتى مع البلدان السّنية. إلا أنه لابد من الاعتراف بأمانة، تبرئة للذمة، بأنه لم يسبق للوضع الإقليمي أن كان يوماً على هذه الدرجة من انعدام الاستقرار، يتزامن فيه انكفاء الولايات المتحدة الأميركية مع قوة جماعات مسلحة غير حكومية وتحالفات متذبذبة يصبح فيها عدو الأمس حليف اليوم: ففي حين كانت المملكة ودولة قطر على وشك التصادم منذ ثلاث سنوات ها هي تتقارب اليوم، في حين أن العلاقات ما بين الرياض والقاهرة لم تكف عن التدهور في الأشهر القليلة الماضية. أما الإمارات العربية المتحدة فلقد فشلت في محاولاتها التوسط بين البلدين. ولقد اعتبرت مصر أن زيارة أحد مستشاري الملك سلمان الى أثيوبيا في شهر ديسمبر/ كانون الأول، والزيارة التي أعقبتها لوزير خارجية قطر وتفقده سد النهضة على أعالي نهر النيل بمثابة رسالة موجهة إليها: فمصر تعتبر ان بناء هذا السد يؤثر سلباً على تزويدها بالموارد المائية. وما زاد الطين بلة أن مجلس تعاون الخليج أدان التصريحات المصرية التي اتهمت قطر بالضلوع في الاعتداء على الكنيسة القبطية في القاهرة في ال11 من ديسمبر/كانون الأول 2016 . وكما يقول خالد الدخيل بشيء من الأسف:“تنشب هذه الأزمة بعد ثلاث سنوات من المبادلات والزيارات والمساعدة. ما معناه أنه لم يكن هناك اتفاق حقيقي حول القضايا الإقليمية. ومع ذلك فإن أي تهديد لأحد البلدين يعتبر تهديداً للآخر. فقد يمثل اي انهيار لمصر تهديداً خطيراً لأمن السعودية والعكس بالعكس”. لم تذهب محاولة انشاء ائتلاف واسع للبلدان المسلمة السنية ضد الارهاب والذي تم الإعلان عنه في 15 ديسمبر 2015، بشيء من التسرع (فبعض الدول لم يصلها اي إخطار اصلاً) ابعد من مجرد الإعلان. وما زال مشروع تحويل مجلس تعاون الخليج الى اتحاد أكثر صلابة وفعالية يصطدم برفض قاطع من سلطنة عمان، لا بل بتحفظات البلدان الاخرى التي تخشى الهيمنة السعودية. ولم تسفر قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في البحرين في شهر ديسمبر/ كانون الاول بحضور الملك سلمان عن أي نتيجة ملموسة في هذا الصدد. ومن السابق لأوانه استخلاص اي عبرة من انضمام سلطنة عمان الى ائتلاف الدول المناهضة للإرهاب في نهاية شهر ديسمبر/ كانون الاول، فلا يبدو في الأمر أي تغيير جذري لسياسة السلطنة الخارجية.

إلا انه يحق للملك سلمان في مواجهته مع طهران ان يعتزّ بنجاح أساسي الا وهو تقاربه مع أنقرة الذي بدأ في 2015 والتي شهدت عليه زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان للسعودية في نهاية شهر ديسمبر/كانون الاول 2015. فتركيا حليف جبار يتمتع بقدرات اقتصادية جسيمة وبجيش لا يستهان به في ميزان القوى مع إيران. علماً أنها تقاربت مع روسيا في الآونة الاخيرة، بعد ان كادت الحرب تنشب بينهما.

إنقسامات داخل الأسرة المالكة

ولقد أدت هذه الاوضاع التي اقل ما يقال فيها انها بعيدة عن النجاح التام الى تفاقم الجدل داخل الاسرة المالكة كما يدل على ذلك حدث غريب نتج عنه الكثير من الثرثرة في الرياض. فلقد نشرت صحيفة الوطن السعودية على موقعها الانترنت أقوالاً منسوبة لولي العهد الامير محمد بن نايف، على هامش لقاء تشاوري لقادة بلدان الخليج في جدة. إلا ان هذه الاقوال جرى حذفها من الموقع بعد ذلك بساعات قليلة، بحجة ان الموقع تعرض للاختراق، و تم نفي أن تكون الصحيفة نقلت مثل هذه التصريحات، وبطبيعة الحال فإن أحداً لم يصدق هذا التكذيب. ماذا ورد إذن على لسان الامير محمد بن نايف؟ تصريح مفاده: “لقد استجابت المملكة لنداء السلطة الشرعية في اليمن (...) ولكن الملاحظ أن عملية عاصفة الحزم طال أمدها وخرجت عن توقعاتنا، نتيجة لعدم قيام دول التحالف بالمهام الموكلة إليها”. ومصر هي المقصودة هنا بشكل غير مباشر لأنها لم ترسل قوات برية. وجاء كذلك في الحديث “وبالنسبة للملف السوري، كان من المتوقع إزاحة نظام الأسد بمساعدة تركيا والولايات المتحدة الأميركية (...) ولكن لم تتحقق هذه الوعود على أرض الواقع”. فيستنتج الامير: “كل هذه الأمور تحتم علينا أن نراجع سياساتنا وحساباتنا فعلينا تقديم تنازلات حقيقية ومؤلمة في نفس الوقت في كل الملفات الآنف ذكرها إذا ما أردنا جر العلم العربي الى برّ الأمان وتخليصه من الاقتتال والتناحر”.

وفِي بلد باتت فيه اعتقالات “الإرهابيين المفترضين” أمراً يومياً (أُعلن مثلاً في ال 30 من أكتوبر/ تشرين الاول، عن تفكيك خلايا ارهابية كانت تعد لاعتداءات ضد مسؤولين رسميين وملاعب لكرة القدم) وباتت فيه مكافآت معلنة لمن يبلّغ عن ارهابيين، فان اهتمام وزير الداخلية وولي العهد مركز كله على مكافحة هذه المجموعات العابرة للحدود، من أمثال القاعدة او منظمة الدولة الاسلامية (داعش). وهو يفضّل الحلول السلمية للنزاعات الإقليمية حتى لا يؤدي استمرارها الى تغذية هذه الجماعات. إلا ان هذا النقاش حول الاستراتيجية الواجب اتباعها يخفي صراعاً على السلطة. فوصول الملك سلمان الى السلطة أدى الى ارتقاء بالغ السرعة لابنه الشاب محمد بن سلمان الذي يبلغ من العمر ثلاثين عاماً فقط، فلقد أصبح وزيراً للدفاع، ثم نائباً لولي العهد، أي أنه بات يتبوأ المرتبة الثالثة في تسلسل الخلافة. وحسب تعليق ساخر لمسؤول مصري قابلناه في القاهرة فإن طموح سلمان يتمثل في إنشاء “مملكة عربية سليمانية” تحل محل المملكة العربية السعودية وبالتالي التخلص من ولي العهد. فلقد تم تهميشه عبر تكليف نائب ولي العهد بحرب اليمن وبالإصلاحات الاقتصادية الجسيمة ،سيما أنه صاحب مشروع إنمائي طموح بعنوان “رؤيا 2030” أعلن عنها في ابريل/ نيسان 2016 وترمي الى إصلاح الاقتصاد حسب مباديء صارمة قد لا تتنكر لها مارغاريت ثاتشر نفسها.

الا ان هذه الخطة التي وضعت لمواجهة انخفاض عائدات النفط أدت الى ارتفاع كبير في الأسعار - ولا سيما أسعار المياه والكهرباء وانخفاض القدرة الشرائية للطبقات الوسطى (عبر تخفيض لا سابق له لأجور وعلاوات موظفي الدولة، ذهب اول ضحاياه الجامعيون وأعضاء القوات المسلحة الذين فقدوا 50 بالمائة من اجورهم). ولقد شهد الاقتصاد عام 2016 اول كساد له منذ عام 2009. ولقد تجاوز العجز في الميزانية مبلغ 85 مليار دولار على ان ينخفض عام 2017 الى 53 حسب الميزانية الجديدة. ويساهم تمركز السلطة بين أيدي الملك وابنه في جعل عملية اتخاذ القرارات اقل شفافية واستقراراً مما أثار استياء رجال الاعمال، الذين يتذمرون أساساً من التأخير في تسديد الدولة لفواتيرهم. ناهيك عن انعدام الاستقرار بسبب التغيير الحاصل بدمج هيئات حكومية فيما بينها وبسبب الوتيرة المتسارعة في التعديلات الوزارية (أربعة وزراء للتربية توالوا على الوزارة في غضون سنتين).

ويوضح احد الدبلوماسيين الأوروبيين أن ولي العهد اثبت قدراً من الحكمة في النأي بنفسه عن حرب اليمن وعن الإصلاحات الاقتصادية التي لم تؤت ثمارها حتى الآن. بل أن ولي العهد بدأ يجني ثمار صبره وبدأ يعود الى الساحة السياسية والإعلامية. سيما وانه كان قد أعرب عن تحفظاته حيال هذه السياسة، عبر شبكات غير رسمية لتناقل الأخبار تنتشر في المجتمع السعودي، وتتمثل بمزيج من العلاقات العائلية والقبلية، مع الاستخدام الكثيف لشبكة “تويتر”- فمعدل انتشار هذه الشبكة في المملكة يبلغ 35 الى 40 بالمائة، وهو من اعلى المعدلات في العالم وكذلك خدمة “واتساب” (الأفضل حماية) سيما وأن 90 بالمائة من السعوديين مزوّدون بالإنترنت عبر الهواتف الجوالة. وهذا التناقل السريع والمتشعب للأخبار ما هو إلا تحديث عصري للأسلوب التقليدي. وكل من يهتم بالموضوع في مدينة الرياض بات يعرف ان ثمة عملية شد وجذب في لعبة السلطة، وذلك دون ان يجري الحديث عنها في وسائل الاعلام الجماهيرية.

وما زال الملك سلمان حتى الآن رغم تقدمه في السن، البالغ ٨٠ عاماً، قابضاً على ناصية السلطة. ولكن السؤال مطروح حول إمكانية فرض ابنه خلفاً له. حيث سيتوقف الامر الى حد بعيد على نتائج الإصلاح الاقتصادي والتطورات الإقليمية و كذلك على الادارة الجديدة التي ستستقر في البيت الأبيض في الحادي عشر من يناير/ كانون الثاني، فالكل ينتظر في الرياض، بمزيج من القلق والأمل، استلام دونالد ترامب للسلطة. ولن يأسف أحد في أوساط السلطة على رحيل براك اوباما المتهم بالتخلي عن حسني مبارك وتقديم تنازلات مفرطة للإيرانيين والتقاعس في سوريا. يحاول الجميع نسيان تصريحات ترامب المعادية للإسلام ، و الميول الإسرائيلية للرئيس المنتخب، على أمل بان ينضم بفضل الفريق الذي اختاره لقيادة السياسة الأميركية، الى المعسكر المعادي لإيران، البلد الذي بات يشكل الهاجس الأساسي بالنسبة للمملكة العربية السعودية.