علامات استفهام حول مستقبل فتح برئاسة محمود عباس

تحتفل حركة فتح في اول يناير/ كانون الثاني من هذا العام بالذكرى الثانية والخمسين لتأسيسها، بعد أن كرس مؤتمرها الأخير عملية استحواذ السلطة من قبل زعيمها الكهل محمود عباس. إلا أن المؤتمر لم ينجح في تحديد خط استراتيجي في مواجهة الحكومة الإسرائيلية ، كما ألقت شخصيتا محمد دحلان ومروان البرغوثي الغائبتين عن المؤتمر بظلالهما الكثيفة على النقاشات الدائرة.

لقد افتتح مؤتمر فتح في رام الله في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016. وفي اليوم نفسه أعيد انتخاب محمود عباس رئيساً بالترحيب العام لحركة فتح التي أسسها ياسر عرفات، علاوة على منصبه كرئيس للسلطة الفلسطينية ورئيس لمنظمة التحرير. أما المجلس الثوري واللجنة المركزية فلقد جرى انتخابهما بعد ذلك بأربعة أيام. ولم تستطع ظاهرة الإجماع الشكلي حول شخصية محمد عباس الطاعنة في السن (81 عاماً) ان تخفي الانقسام الفعلي الذي يشق حركة فتح. ولعل القيادة الفلسطينية، برفضها خوض النقاش حول الآفاق الاستراتيجية، قد عرضت مستقبل الحركة للخطر.

التعاون الأمني مع اسرائيل

باشر المؤتمر أعماله في ظروف صعبة بالنسبة لمحمود عباس. فهو يواجه حكومة اسرائيلية من اليمين المتشدد بزعامة الليكود ، تنتهج سياسة استيطانية توسعية. ولقد امتدت حركة انتفاضة السكاكين، كما سميت، من الأحياء العربية في القدس حيث نشأت لتشمل الضفة الغربية بأسرها، وهي لم تنته حتى هذه اللحظة. ولقد أثار الرئيس برفضه تعليق التعاون الأمني ما بين قوات الشرطة الفلسطينية و اسرائيل مشاعر السخط لدى كل الفصائل الفلسطينية. وما زال يراهن على حل تفاوضي مع اسرائيل، بالرغم من رفض نتانياهو للمبادرة الفرنسية للسلام (المعلنة في يونيو/حزيران 2016) التي تهدف الى عقد مفاوضات متعددة الأطراف. كما أن ملف المصالحة مع حركة حماس يراوح مكانه حيث ان آخر حكومة وحدة وطنية تم حلها في يونيو حزيران 2015.

وكان لا بد لمحمود عباس في حالة الضعف هذه ان يسعى لإثبات انه ما زال شرعياً على رأس حركة فتح، و أنه قادرعلى ضمان الوحدة الوطنية: فظهرت الأحزاب السياسية كلها جنباً الى جنب في جلسة الافتتاح. إلا أن أحد قادة حماس، فايز أبو وردة، توخى الحذر حين ذكّر بأن حضور حماس في اليوم الأول لا يعدو كونه بروتوكولياً. كما تتابع حركة حماس بانتباه شديد الانقسامات داخل حركة فتح، ولا سيما بين أتباع خط الرئيس و أنصار محمد دحلان الذي كان قد طرد من اللجنة المركزية في يونيو حزيران 2011.

حركة تفقد يوماً بعد يوم طابعها “الوطني”

لقد ركز المؤتمر السابع على عودة الانضباط إلى صفوف فتح بصفتها حركة “وطنية” جامعة، ممثلة لكل الفلسطينيين، في كل من قطاع غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية وكذلك في الشتات، ولا سيما في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والأردن وسوريا. وفي حين كان رهان المؤتمر الأساسي يتمثل في انتخاب المجلس الثوري (80 عضواً) واللجنة المركزية المؤلفة من رئيس و18 عضواً منتخباً وثلاثة اعضاء فخريين دائمين (فاروق القدومي ومحمد غنيم وسليم زعنون)، إلا ان المجلس الثوري واللجنة المركزية المنتخبين جاءا تكريساً للمنطق الذي بدأ بالظهور في آب 2009، خلال المؤتمر السادس للحركة. أي غلبة طابع القيادة الفئوية على قيادة فتح، فهي قيادة جزء من الأراضي الفلسطينية وليس كل الأراضي الفلسطينية، ناهيك عن عدم تمثيلها لجموع شعب مشتت في العالم بأسره. كما ان الحركة باتت تتطابق مع جهاز السلطة الوطنية الفلسطينية.

وتحظى الضفة الغربية، التي تستضيف مقر السلطة الوطنية الفلسطينية، بتمثيل مفرط في الهيئات القيادية يفوق أهميتها النسبية في الأراضي، وذلك على حساب قطاع غزة وهيئات الحركة في الأردن ولبنان وسوريا. فلم يعد للفرع اللبناني لحركة فتح، رغم وجوده الكثيف بين اللاجئين، أي ممثل داخل اللجنة المركزية، بعد استبعاد سلطان ابو العينين، المنتخب عام 2009. اما الفرع السوري فلقد انضم الى اللجنة المركزية بوجود سمير رفاعي. خمسة اعضاء فقط في اللجنة المركزية ينتمون الى قطاع غزة، علماً أنهم لا يقطنون فيه بالضرورة. أما المجلس الثوري، وهو الأكبر عدداً، فتمثيل للضفة الغربية فيه طاغ أيضاً: عشرة فقط من أعضائه هم من أصل غزاوي، اربعة منهم يسكنون في الضفة.

أما فيما يتعلق بالسجناء الفلسطينيين، فليس لهم سوى ممثل واحد، هو مروان البرغوثي، الشخصية الأكثر شعبية دون شك في الحركة. وغالباً ما تكون الكوادر القيادية في الحركة مرتبطة بجهاز السلطة، او تكون قد لعبت دوراً سابقاً فيها، سواءً في الأجهزة الأمنية (جبريل رجوب واسماعيل جبر) ام في الحكومة (صبري صيدام) أم في المحافظات (جمال محيسن) أم في المجلس التشريعي الفلسطيني (روحي فتوح). وإن بقي في اللجنة المركزية بعض المعارضين التاريخيين لإتفاقية أوسلو (عباس زكي ومحمد غنيم وفاروق القدومي) ففريق ال“مفاوضين” مع اسرائيل عريض التمثيل فيها (صائب عريقات ومحمد اشتيه ومحمد المدني). وعلاوة على ظاهرة الانكماش الى جزء من الأراضي الفلسطينية فقط لا غير وظاهرة التبعية للسلطة الوطنية الفلسطينية فلقد تميز مؤتمر فتح كذلك بغياب النساء في هيئاته القيادية. سيدة واحدة فقط، من مخيم بلاطة في الضفة الغربية، انضمت الى اللجنة المركزية: دلال سلامة.

شبح محمد دحلان المثير للحرج

من التحديات التي واجهها محمود عباس ذلك المتمثل في إعادة الانضباط الى صفوف المعارضة داخل الحركة عشية انعقاد المؤتمر: وكان على الرئيس الفلسطيني بادئ ذي بدء أن يقاوم ضغوط “الرباعي العربي”، المؤلف من المملكة العربية السعودية و مصر والإمارات العربية المتحدة والأردن: فمنذ شهر آب /أغسطس 2016 وهذه البلدان تطالب محمود عباس بإلحاح بالتصالح مع محمد دحلان، حيث أنها تعتبر أن الانقسامات داخل الحركة تعزز موقع حماس. إلا أن محمود عباس لم يتبع التوصية :ففي ال21 من نوفمبر/ تشرين الثاني تم إلقاء القبض على ثلاثة أعضاء من المكتب البرلماني لمحمد دحلان من قبل الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

وكان محمد دحلان، العضو السابق في اللجنة المركزية، والمسؤول لفترة عن أجهزة الأمن الفلسطينية، قد طرد من الحركة واستبعد من الأراضي الفلسطينية عام 2011.وهو لا يخفي اليوم طموحه بخلافة محمود عباس، الذي لا تفصله عنه أية اختلافات استراتيجية تذكر، في رئاسة فتح والسلطة الفلسطينية، ولدى دحلان في مساعيه هذه أطراف إقليمية متينة تدعمه، وتختلف عن مساندي الرئيس. ويقيم دحلان اليوم في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أصبح سفيراً إقليمياً في دوائر غير رسمية، ترسم شبكة علاقاته خريطة “الثورة المضادة” في العالم العربي : تراه مبعوثاً للأمير محمد بن زايد، وزير الدفاع في الإمارات،ومقرباً من أجهزة الأمن التابعة للرئيس عبد الفتاح السيسي، كما تراه الى جانب الجنرال حفتر في ليبيا. ولقد انضمت مؤخراً المملكة الأردنية، والتي كانت تجاهلته حتى الآن، الى قائمة حماته الأقوياء، لتسهيل وصوله الى السلطة.

إلا أن دحلان ليس بالشخصية المفروضة من الخارج : فما زال له أتباع داخل حركة فتح. وفي حين يركز محمود عباس كل اهتمامه على الضفة الغربية، يعرف دحلان كيف يستقطب عطف الفصائل المحلية في قطاع غزة مسقط رأسه أولاً وفي مخيمات اللاجئين في لبنان وفي الشتات ثانياً. ولقد اصبحت القطيعة ما بين جناحي فتح، هذا المقرب من عباس وذاك الموالي لدحلان، تحصيل حاصل في بعض الحالات، كما في مخيم عين الحلوة في لبنان. ونتيجة لتواجد أنصار دحلان داخل الحزب فثمة عمليات تطهير بكل معنى الكلمة ، وصلت الى صفوف النواب التابعين لفتح أنفسهم. ولقد نشبت مصادمات بين الجناحين إثر مظاهرة لفتح تم تنظيمها في قطاع غزة في الاول من آب أغسطس 2015 ووقع فيها أربعة جرحى. بعدها بخمسة أيام، تم طرد اربعة من المقربين من دحلان في المجلس التشريعي : نجاة ابو بكر ونعيمة الشيخ وعدلي صادق وتوفيق ابو خوصا.

إقصاء المعارضين

وفي تحرك يتخطى مجرد صراع ما بين دحلان وعباس، عمدت قيادة فتح الى تقليص فرص المعارضة أياً كانت في صفوف فتح، وذاك عبر إحكامها السيطرة على سير المؤتمر في فترة التحضير له، فحددت عدد المندوبين ب1400 على أقصى تعديل، في حين كان عدد المندوبين عام 2009 يبلغ 2355 عضواً من الحركة. ونلاحظ هنا تقنية معهودة في الانتخابات الفلسطينية، فبدل تزييف الانتخابات في ظل رقابة عالية لا تتيح التزوير، يجري تحديد إطار عام يسمح بالتحكم بالنتيجة: وبذلك تستطيع الحركة التباهي بالطابع “الديمقراطي” لمؤتمرها المنظم على الملأ.

ويمكن القول إن محمود عباس حقق هدفه الى حد ما، حيث تم استبعاد محمد دحلان وأنصاره في التيار الإصلاحي من القيادة التي أفرزتها الانتخابات، ولكن ذلك لا يقلل من خطورتهم: فلقد أعلنوا في نهاية شهر نوفمبر تشرين الثاني نيتهم عقد مؤتمر بديل للحركة، وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد. أما أنصار إجراء إصلاحات في الحركة فلم يترك لهم المؤتمر السابع اي فرصة، بل فضل تهميشهم عنوةً. وبالتالي يمكن اعتبار الانتصار الذي حققه عباس والمتمثل باستبعاد عدد من المناضلين وتقليص عدد المندوبين و ترجيح كفة الضفة الغربية في الحركة انتصاراً مكلفاً مضنياً، يضعف الحركة التي يتزعمها ولا يقويها بتاتاً.

ولم يميز البلاغ الختامي الصادر عن المؤتمر في ال3 من ديسمبر / كانون الأول ما بين استراتيجية السلطة الوطنية الفلسطينية و استراتيجية فتح، بحيث ابتعدت فتح عن كونها حركة تحرر وطني وأصبحت مجرد تابع للسلطة تبصم على قراراتها. وحتى لو بقيت الإشارة في النص الى “الحق في المقاومة” و“عودة” اللاجئين و“حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”، إلا أن الأفق الاستراتيجي الوحيد الذي يتم رسمه هو الرجوع الى مبادرة جامعة الدول العربية – التي تعود الى عام 2002 – أو الركون الى مبادرة السلام الفرنسية التي اعلن عنها في يونيو حزيران 2016. وإن كان البيان يذكر بمبادىء كبرى مثل ضرورة احياء قيادة منظمة التحرير الفلسطينية و تنشيط الوحدة الوطنية والمصالحة، إلا انه يصعب التمييز في هذا النص ما بين حركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية من حيث الاستراتيجية والبرنامج.

لقد حرص المؤتمر على إعطاء براهين على حالة الاستقرار. فالرسالة التي وجهها محمود عباس للمجتمع الدولي هي انه ما زال قادراً على السيطرة على قواته، ولجم معارضيه. كما ويتضمن البيان الختامي التفاتة تضامنية مع دولتين عربيتين دون سواهما: مصر والملكة العربية السعودية، ولا سيما في “مكافحتهما الإرهاب” إذ تسعى الرسالة لإعطاء تطمينات حول بقاء محور القاهرة-الرياض محوراً عضوياً في بنية الحركة، وحول عدم تغير نظم التحالفات الإقليمية المعهودة للحركة، رغم موازين القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب السورية، والتي لم يذكرها البيان الا بشكل عابر.

ورقة غير مكشوفة :مروان البرغوتي

لم ينجح المؤتمر في حل كل المسائل الداخلية في الحركة، بل يبدو المستقبل محفوفاً بالتناقضات، فحتى لو تم فرض الانضباط على المعارضة الداخلية إلا أن أنصار التغيير ما زالوا كثيرين. وان كانت قيادة حركة فتح تتميز بطغيان اعضاء الضفة الغربية، إلا انه ما زال لفتح قاعدة شعبية واسعة في قطاع غزة، وفِي الشتات، ولا سيما في لبنان. وثمة ورقة غير مكشوفة في اللعبة تتمثل بمروان البرغوتي، الحاصل على اكبر عدد من الأصوات في اللجنة المركزية، كما فازت زوجته فدوى برغوتي بأكبر عدد من الأصوات في المجلس الثوري في إنجاز مماثل مُلفت للانتباه.

قد لا يكون مروان برغوتي، المحتجز في السجون الإسرائيلية منذ ٢٠٠٢، اقوى شخصية في الحزب ولكنه لا شك أكثرها شعبية. هذا مع أن استراتيجيته لم تكن على الدوام واضحة في الماضي. البعض يعتبره “مانديلا” فلسطين، ومعروف عنه انه يُؤْمِن بحل الدولتين، إلا انه ما زال يحافظ على اتباع له في اكثر تيارات فتح معاداةً لاتفاقية أوسلو، وما زال له رصيد فيما تبقى من الفصائل المسلحة للانتفاضة الثانية. وهو يظهر بمظهر الاصلاحي الا ان تحالفاته فيها شيء من التعرج. في يناير / كانون الثاني 2005 لوح بترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية، لكنه تراجع عن هذا التهديد لمحمود عباس. ولقد اقام التيار الذي أسسه وقتها حلفاً مع محمد دحلان، في حين أعلنت حماس من ناحيتها انها قد تدعم ترشيحه.

وخلافاً لمحمود عباس، لم يندد مروان البرغوتي بانتفاضة أكتوبر تشرين الاول: ففي رسالة نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ، في مارس ٢٠١٦ ، راح يدعو بالأحرى الى تعليق التعاون الأمني ما بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والى اعادة الديمقراطية والنشاط الى منظمة التحرير الفلسطينية، والى التمييز بشكل واضح ما بين حركة فتح و السلطة الفلسطينية،كما وأظهر رغبة في استعادة الحركة هيبتها الوطنية.

على اللجنة المركزية ان تعين عما قريب نائب رئيسها، وهو قرار يفضّل الفلسطينيون اتخاذه بعيداً عن الأنظار. وبطبيعة الحال فان اسم مروان البرغوتي وارد ليحتل منصب الرقم الثاني للحركة. الا ان خصومه مستعدون لانتزاع هذا الدور منه، وعلى رأسهم جِبْرِيل رجوب، الرقم القوي سابقاً في اجهزة الأمن في الضفة الغربية. وان فات الموتمر المنعقد ان يجمع الفلسطيني فربما كان التحدي الفعلي الماثل أمامه هو اختيار الرجل الثاني في الحركة. ولكن في شيء من التماهي الأعمى مع السلطة الفلسطينية، تحولت حركة فتح الى مجرد هيئة جوفاء تتخذ القرارات فيها ثلة حاكمة تحتكر السلطة منذ ما يقارب العقد من الزمن.

هذا المقال ثمرة أبحاث جرت في إطار برنامج “وفاو” (وهي الأحرف الاولى بالانكليزيّة للكلمات الواردة في الجملة التالية: “عندما يخفق التسلط في العالم العربي”- المجلس الاوروبي للبحوث). وهو يعكس وجهة نظر الكاتبين وليس المؤسسة التي تمول الأبحاث.