بِمَ تنذر خطوات ترامب الأولى في الشرق الأوسط؟

لم يضع دونالد ترامب حتى الآن، بعد ثلاثة أشهر من وصوله إلى السلطة، أية عقيدة واضحة في مجال السياسة الخارجية، إلا أن التعيينات في جهاز الدولة و القرارات التي اتخذها حيال سوريا و اليمن تشير إلى بعض الخطوط العريضة في التوجه السياسي المقبل لأميركا في الشرق الأوسط

لقد اتخذ الرئيس ترامب في 5 نيسان/أبريل مبادرته الفعلية الأولى في مجال السياسة الخارجية في العهد الجديد، وذلك عندما سمح بعملية عسكرية تعقيباً على الاعتداء الكيميائي على خان شيخون. إلا أن إطلاق 61 صاروخاً من صواريخ كروز بعيدة المدى بغضون 4 دقائق على قاعدة شيرات قد أطلق في حقيقة الأمر من التساؤلات بقدر ما رسم من الاحتمالات بشأن السياسات المقبلة للرئاسة تجاه الشرق الأوسط. مما جعل أعضاء الإدارة الأميركية يعطون مؤشرات متناقضة حول احتمال أن تكون الضربة الجوية دليلاً على تحولٍ في التعامل مع القضية السورية، كما أن غياب أي متابعة لهذه الضربة قد رسخ الانطباع بأن صنع القرار في عهد ترامب سوف يتسم بردود الفعل الآنية، المرتبطة بكل حدث على حدة، أكثر مما يتسم بالسياسة الذاتية النابعة من رؤية استراتيجية شاملة.

وكان الجميع، من حلفاء وشركاء وخصوم للولايات المتحدة الأميركية، قد قضوا الأسابيع العشرة الأولى من هذه الرئاسة في محاولاتهم التكهن بالمنحى الذي ستنحوه هذه الإدارة على الصعيد الدولي، وهي الإدارة الأقل قابلية للتوقعات في التاريخ الحديث. فغالبية الرؤساء يستلمون مهامهم وقد وضعوا جملة من المقترحات وبياناً بالالتزامات يعطيان فكرة إلى حدٍ ما عن القضايا والأولويات التي يودون التركيز عليها. وقد تَطْرَأْ بطبيعة الحال أحداثٌ غير متوقعة على أكثر الخطط إحكاماً ، كاعتداءات سبتمبر/أيلول الإرهابية التي فاجأت رئاسة جورج بوش بعد تـسعة أشهر من تسلمه مهامه عام 2001. لكن نادراً ما يدخل البيت الأبيض رئيس بهذا القدر من الإبهام في برنامجه السياسي حول مسائل أساسية، خاصة بعد الخدع والاستعراضات التي تميزت بها لحملة الانتخابية المتقلِّبة، حتى بالمقاييس الأميركية، المعروفة بالاستقطاب الشديد في السياسة.

الأولوية لل“قوة الخشنة”

وبالرغم من غياب خط سياسي واضح، ومن تفادي وزير الخارجية ريكس تيلرسون أضواء الإعلام، والتغريدات شبه اليومية للرئيس التي تعطي لمحات عن حالته المزاجية على الأقل، إلا أنه بالإمكان جمع عدد من المؤشرات لتصورٍ شامل حول توجه السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. فبشكل عام، يشير إعلان الإدارة في شهر شباط / فبراير إلى أن الحكومة الأميركية ستسعى إلى تعزيز الإنفاق الدفاعي بزيادة 54 مليار دولار، وخفض ميزانية وزارة الخارجية بنسبة 28 بالمائة إلى إيثار “القوة الخشنة”(hardpower) على “القوة الناعمة” (softpower) في الدفاع عن مصالح أميركا في الخارج. كما تشير هذه الزيادات الكبرى في ميزانية التسليح والقتال إلى تعزيز التواجد العسكري الأميركي الذي بات أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط منذ شهر يناير/كانون الثاني.

وثمة مؤشرات أخرى عن التوجهات الأميركية في رسم سياساتها الشرق أوسطية نجدها في التعيينات الأخيرة في مناصب مهمة في الهيئات الدفاعية والأمنية في واشنطن. وكما أوضحت ذلك لورا روزن بالوثائق فمن بين كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي نجد ديريك هارفي (رئيس الفريق المختص بالشرق الأوسط في هذا المجلس والمنسق لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البيت الأبيض) وجويل رايبورن (المسؤول عن ملفات إيران والعراق ولبنان وسوريا) ومايكل بيل (شؤون الخليج). والثلاثة هم ضباط برتبة عقيد، سواءً أكانوا في الخدمة أم متقاعدين، وسوف يُضفون على وظيفتهم الجديدة خبرة عالية: هارفي شارك عن كثب في رد أمريكا على حركة التمرد في العراق بعد 2003 وريبورن وضع التقرير الرسمي للجيش الأميركي حول حرب العراق، وبعدها كتاباً بعنوان، “العراق بعد أميركا: رجال أقوياء، وطائفيّون، ومقاومة” وبيل كان المحرر الرئيسي للاستراتيجية الكويتية للدفاع والأمن القومي وكذلك الاستراتيجية الحربية للقوات المسلحة الكويتية.

صقرٌ تجاه إيران

كما أن التعيينات الرئيسية في أجهزةٍ أخرى ترسم الصورة نفسها. فوزير الدفاع جيمس ماتيس من مساندي تكثيف التعاون مع شركاء الأمن في منطقة الخليج، وهو من الصقور في التعامل مع إيران ومعارض لما سمي “بالتحول نحو آسيا” في ظل إدارة الرئيس أوباما. ومع أن مسألة التحول نحو آسيا كانت أقرب إلى الكلام منها إلى الفعل، ولم تكن تعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن شركائها الإقليميين، إلا أن المسؤولين الرسميين في الخليج تمسكوا بالعبارة ليروا فيها كل ما كانوا يمقتونه في تعامل أوباما مع الشرق الأوسط. وكان ماتيس على العكس من ذلك قد أوصى بنشر العدة والعتاد العسكري الأميركي في الخليج للمساعدة على احتواء إيران والتهديدات الإقليمية الأخرى كالدولة الإسلامية. وخاصة بالنسبة لإيران، فلدى ماتيس مقولات لا شك ستثلج صدر قادة الخليج في عواصم مثل الرياض و أبو ظبي، منها أن أميركا عليها أن تعمل بشكل وثيق مع شركائها الإقليميين لتنفيذ خطة العمل المشتركة الشاملة التي تم توقيعها بين إيران والمجتمع الدولي في تموز / يوليو 2015.

وفيما يتعلق بملف ساخن آخر فإن مايك بومبيو المدير الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية كان قد شارك بصفته عضواً في مجلس النواب عن ولاية كانساس في تقديم مشروع قانون 2015 الذي يعتبر الإخوان المسلمين إرهابيين (H.R.3892) ولا شك أن سجل بومبيو سوف يجعله شخصية مرحب بها في الإمارات العربية المتحدة، البلد الذي قاد حملة لا هوادة فيها من العمليات الإقليمية الهادفة لرد نفوذ الإخوان المسلمين على أعقابه في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ عام 2011 وهو الأمر الذي أدى بالإمارات إلى الاشتراك في حرب اليمن وفي النزاع الأهلي في ليبيا، وذلك في عملية استعراض للقوة من المرجح أن ينوه بها المسؤولون الإماراتيون في لقاءاتهم مع نظرائهم الأمريكيين. ولقد نقل موقع“بوليتيكو” أن سفير دولة الإمارات المؤثر في واشنطن، يوسف العتيبة، قد تحدّث في مناسبات عدة مع جارد كوشنير، صهر الرئيس وأقرب المقربين إليه، عن شؤون الشرق الأوسط.

تعاون وثيق مع بلدان الخليج

بهذه المؤشرات، وعلماً أن وزير الخارجية ريكس تيلرسون له صلات عمل قديمة مع أوساط الحكام في بلدان الخليج منذ أن كان رئيساً لشركة إيكسون موبيل، فمن المرجح ان تُؤكد سياسة الولايات المتحدة الأميركية في هذه المرحلة الاستهلالية من إدارة الرئيس ترامب الميول التالية:

-  سوف تعطي إدارة ترامب الأولوية للقوة الخشنة بدل القوة الناعمة وتعمل في مجال السياسة الخارجية والأمنية ومكافحة الإرهاب بالتنسيق الوثيق مع شركاء إقليميين تختارهم بعناية. وفي منطقة الخليج، سوف تميل بشكل خاص إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وتمنحهما ضمانات أمنية مقابل التعاون في أمور عدة كسياسات الإدارة الأميركية حيال الجماعات الإسلامية وإيران. وسوف يجري حث الشركاء الإقليميين على المشاركة في تحمل تكاليف الأمن - تماماً كما هي الحال بالنسبة للشركاء الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي - ويتماشى هذا التوجه مع شعار “أمريكا أولاً”، الذي رفعه الرئيس ترامب عالياً. وتأتي التقارير التي تشير إلى احتمال رفع القيود عن تسليم الأسلحة إلى البحرين مراعاةً لحقوق الإنسان في سياق التوجه نفسه القاضي بأن يعزز الشركاء الإقليميون من مشاركتهم في ترتيبات الأمن الإقليمي.

-  وستكون الأولوية الأولى في السياسات الأميركية حيال الشرق الأوسط هي ضمان الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب (أياً كان الغموض الذي يلف هذا التعريف)، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء المذكورين أعلاه حيثما أمكن ذلك. ولقد تكثفت منذ وصول الرئيس ترامب كل العمليات الجوية في الموصل وفي المناطق السورية تحت سيطرة الدولة الإسلامية وفي اليمن. ولعل مشاركة قوات من الإمارات العربية المتحدة مع القوات الخاصة الأميركية في القصف المثير للجدل لمنطقة يكلا في اليمن بتاريخ 29 يناير/ كانون الثاني لدليل على أن الإمارات العربية المتحدة باتت الشريك الأقرب إلى أمريكا في المنطقة. ولقد عملت القوات الأميركية مع نظيراتها الإماراتية في أفغانستان لسنوات طويلة وتمثل عملية القصف المشتركة هذه بادرة تنذر بنشاطات أخرى من هذا النوع، كما أن الإمارات تستضيف مركز “صواب” لمحاربة دعاية داعش في الفضاء الافتراضي ومركز “هداية” للتصدي للتطرف والعنف، وكلا المركزين يعملان بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة الأميركية.

-  من المتوقع أن يؤدي التخفيض في برامج المعونة الأمريكية وبرامج اللاجئين إلى خطر إفراغ “القوة الناعمة” (softpower) من فحواها في الوقت الذي تزيد أميركا من انغماسها في سلسلة من النزاعات الإقليمية المستعصية والتي تفتقر إلى أي أفق واضح أو قريب لنهاية عسكرية أو سياسية. إن البحث عن حلول عسكرية للنزاعات في العراق وسوريا واليمن بدل المعالجة السياسية لها يمثل خطر تدعيم التيارات المناهضة لأمريكا فضلاً عن تفاقم أزمة اللاجئين التي هزت أوروبا بآثارها الفادحة. أما اليمن فعلى مشارف كارثة إنسانية اليوم بسبب المجاعة الناتجة عن الحصار والنزوح الداخلي الواسع والتفكك الاقتصادي. وثمة ضرورة ملحة اليوم أكثر من أي وقت بتكثيف المعونة لليمن بل قبل المجتمع الدولي (وليس من قبل أمريكا وحدها) بدل تخفيضها.

-  وتمشياً مع النهج الذي طبع السياسات الأميركية في ظل رئاسة ترامب حتى الآن فمن المتوقع أن ترتكز الدبلوماسية إلى الصلات الشخصية والقرب من الرئيس أكثر مما تستند إلى مؤسسات الدولة (ونظيراتها المهتمة بالحَوْكَمة على الصعيد الدولي) التي استغرق بناؤها عقوداً من الزمن. وهذا الأمر يمثل فرصة بالنسبة لشركاء أميركا في المنطقة الذين ينهجون الى حد كبير النهج نفسه، كما تبين خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى البيت الأبيض. وكما ذكرنا آنفاً يبدو أن جارد كوشنر، قبل وزير الخارجية، هو الذي سيصبح الوسيط المنشود في من قبل الحكومات الراغبة باتصال مباشر مع أَرْوِقة السلطة الأميركية. ولكن مدى تأثير هذا النهج على رسم السياسات وتنفيذها ليس واضحاً عندما يتم الانتقال من التعبير عن الأمور إلى التسلسل البيروقراطي في تنفيذ الاوامر. وكما تبين من الفشل الذريع في التصدي لمشروع الضمان الصحي الشهر الماضي فإن عملية ترجمة الكلام إلى أفعال مسألة عسيرة في أفضل الاحوال، فما بالك بالنسبة لإدارة ما زالت إلى حدٍ بعيد في طور التجريب.