مواجهة في مصر بين القضاء والبرلمان

حالة الطوارىء ونزعات التسلط

بعد رفضهم التعديلات على قانون الطوارىء في مصر الذي يعزز من قبضة السلطة التنفيذية على البلاد، تصدى القضاة مجدداً لمشروع القانون الذي يحمل تعديلات على كيفية اختيار رؤساء الهيئات القانونية، معتبرينه تدخلاً سافراً ومرفوضاً في شؤون القضاء. وهم يطالبون اليوم الرئيس عبد الفتاح السيسي بحسم الموضوع : فهل يظهر بغير مظهر العسكري المستبد ويلعب دور الحكم في هذه الأزمة بين البرلمان والقضاء؟

‘القضاة لا يسعون إلى الصدام، لكن مناقشة قانون السلطة القضائية تحت قبة البرلمان كان مريبا ومتعجلا وأثار استهجان القضاة، وجميع الهيئات القضائية ترفض النص المعدل لأنه مخالف للدستور’. بهذا التصريح، أكد المستشار محمد عبد المحسن رئيس نادي القضاة المصري أن البرلمان المصري قد مس من قواعد استقلال القضاء المنصوص عليها بالدستور وذلك بعد أن منح رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي سلطات جديدة في طريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية، لتكون له الكلمة العليا، وهو ما رفضه القضاة بشكل نهائي، ولوحوا بتصعيد غير مسبوق إذا لم يتم التراجع عن ذلك.

ترسيخ حالة الطوارىء

الأمر ليس متعلقا فقط بأزمة القضاء وكيف أنها كشفت موالاة المجلس التشريعي للرئاسة، بل إن إعلان الطوارئ الأخير ومدته ثلاثة أشهر، والذي اتخذ بشكل رسمي في البرلمان المصري يوم الثلاثاء 11 أبريل/نيسان كان قد سبقه بيومين إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي للطوارئ أي منذ يوم الأحد 9 أبريل/نيسان، أي أن الرئاسة سبقت البرلمان في اعلان الحالة، ثم بدأت في تطبيقها الإثنين 10 أبريل/ نيسان، أي قبل يوم من مصادقة مجلس النواب عليها.

وقد انتقدت هيومن رايتس ووتش الإعلان بالقول إن حالة الطوارئ أصلا لا مبرر لها خاصة وأن تعديلات برلمانية في القانون تعطي للسلطة التنفيذية صلاحيات أكثر في العمل الميداني وتخول لمأموري الضابطة القضائية احتجاز المشتبه بهم لمدة غير محددة وقد شمل التعديل الفصل 162 لسنة 1958 لقانون الطوارئ والمتعلق بمدة الإيقاف والتحقيق. كما انتقدت رايتس ووتش من قبل هيمنة السلطتين التشريعية والتنفيذية على السلطة القضائية.

ونصت “المادة 3” مكرر على أن “لمأموري الضبط القضائي متى أعلنت حالة الطوارئ التحفظ على كل من توافر في شأنه دلائل على ارتكابه جناية أو جنحة مع إخطار النيابة العامة بذلك، وما قد يحوزه بنفسه أو في مسكنه وكافة الأماكن التي يشتبه إخفاؤه فيها أي مواد خطرة أو متفجرة أو أسلحة أو ذخائر أو أي أدلة أخرى على ارتكاب الجريمة، وذلك استثناءً من أحكام القوانين الأخرى”. كما نصت المادة 3 مكرر “أ” على أنه “يجوز لمحاكم أمن الدولة الجزائية طوارئ بناء على طلب النيابة العامة احتجاز من توفر في شأنه دلائل على خطورته على الأمن العام لمدة شهر قابل للتجديد”. ويثير تعديل بعض أحكام قانون الطوارئ مخاوف لدى حقوقيين وسياسيين مصريين بشأن عدم إقرار حد أقصى لمدة احتجاز المتهمين، ما قد يتم إساءة استغلاله من قبل السلطات التي تنفي مرارا وقوع تجاوزات. ويلاحظ حقوقيون أن القضاء في هذه التعديلات مغيب، كما تؤكد تقارير إلى أن بعض القضاة متخوفون من تحويل جهاز سيادي في الدولة إلى أداة بيد السلطة التنفيذية لتغول سلطاتها.

“جريمة” التدخل بشؤون القضاء

قال قضاة في مصر إن الجمعية العمومية لقضاة مجلس الدولة رفضت الاثنين الماضي مشروع قانون يناقشه البرلمان لتعديل آليات اختيار رؤساء الهيئات القضائية واعتبرت الجمعية أن التدخل في شؤون القضاء “جريمة لا تسقط بالتقادم”. وكان مجلس النواب وافق الأسبوع الماضي بشكل مبدئي على تعديل مواد بقانون الهيئات القضائية وأرسلها إلى مجلس الدولة لمراجعتها، ولم يتحدد بعد موعد لتصويت نهائي على التعديلات المقترحة. وقد أثارت تلك التعديلات غضب الكثير من القضاة في عدة هيئات قضائية واعتبروها تعديا على مبدأ استقلال القضاء والفصل بين السلطات. وتنص التعديلات على أن يرشح المجلس الأعلى لكل هيئة قضائية أسماء ثلاثة من أقدم نواب الرئيس المنتهية ولايته ليختار رئيس الجمهورية أحدهم لخلافته. ومن بين هذه الهيئات محكمة النقض، وهي أعلى محكمة مدنية في البلاد، ومجلس الدولة. ووفقا للقانون الحالي تختار الجمعية العمومية لكل هيئة قضائية أحد القضاة ليرأسها ويقتصر دور رئيس الجمهورية على التصديق على هذا الاختيار. وجرى العرف أن يجري اختيار أقدم النواب سنا ليخلف رئيس الهيئة القضائية المنتهية ولايته. وقد أكد العديد من القضاة أن رفضهم لهذا المشروع هو رفض بات وواضح، مثل القاضي إسلام توفيق القاضي بمجلس الدولة الذي صرح أن الجمعية العمومية غير العادية للمجلس أعلنت رفضها لمشروع القانون المطروح في مجلس النواب وتمسكها بمبدأ الأقدمية في اختيار رئيس الهيئة القضائية. وأضاف أن “الدستور الحالي يرسخ ثوابت تاريخية ودستورية ويؤكد بنصوص صريحة وقاطعة على مبدأ استقلال القضاء ولا يجوز أن يتدخل المشَرع في شؤون العدالة والقضاء.. هذا يشكل جريمة”. وتساءل توفيق “ما هي أسس وضمانات الاختيار من قبل رئيس الجمهورية؟ ما هي معايير المفاضلة ما بين (المرشحين) الثلاثة، وكيف يكون رئيس الجمهورية حكما بين السلطات ويوجد مبدأ الفصل بين السلطات ويختار هو رئيس الجهة القضائية”؟

نزعة الهيمنة على السلطة

وتؤكد العديد من التقارير أن العلاقة المتأزمة بين السلطة القضائية وباقي السلطات )التشريعية والتنفيذية( ليست مسألة جديدة على الساحة المصرية، بل إن الأمر يعود إلى دستور 2012 عندما كان الإخوان المسلون في سدة الحكم، الأمر الذي يكشف نزعة الهيمنة على السلطة القضائية في مصر من قبل أنظمة الحكم المتتالية. ففي نوفمبر 2012 أصدر الرئيس محمد مرسي إعلانا دستوريا تضمن تحصينا للجمعية التأسيسية القائمة على صياغة الدستور الجديد للبلاد بعد ثورة يناير 2011، ويقي مجلس الشورى من الحل، وهو ما اعتبره فقهاء في القضاء المصري تعديا على صلاحيات السلطة القضائية في مراقبة القوانين المصرية. وقد أدى ذلك الخلاف إلى تأجيل مستمر لنقاش ملف القضاء في المؤسسات التشريعية إلى أن وصلت الأزمة إلى أوجها عندما أصرت الأغلبية البرلمانية وهي من الإخوان المسلمين في ذلك الوقت على تخفيض السن القانونية للقضاة بـ10 سنوات الأمر الذي يعني عزل آلاف القضاة في مصر وتعويضهم بآخرين من أجل غايات سياسية، وتجدر الملاحظة أن هذه التعديلات المقترحة لم تمر عبر الهيئات القضائية لأخذ الرأي فيها، وهو ما سيحدث مرة أخرى مع عبد الفتاح السيسي.

نشوب أزمة بين السلطة التشريعية والقضاء

أدت التغيرات التي حدثت في مصر بين شهري يونيو ويوليو 2013 إلى عودة الجيش مرة أخرى إلى السلطة عبر المشير عبد الفتاح السيسي الذي استغل مظاهرات عارمة في مصر ضد حكم الإخوان المسلمين وأدت تلك العودة إلى إسقاط دستور 2012 وبداية تحرير دستور آخر للبلاد تمت المصادقة عليه سنة 2014، وها قد عادت الأزمة بين القضاء والسلطتين التشريعية والتنفيذية مرة أخرى للظهور بعد تأجيل دام أكثر من سنتين ليعود الحديث مجددا عن المحاولات المستمرة للهيمنة على القضاء المصري وتأسيس نظام أوتوقراطي قائم على التحكم في كل السلطات بعد أن كسب السيسي معركة النواب في البرلمان المصري الجديد.

اتجهت نية القضاة المصريين إلى أن يكون للرئيس السيسي شأن اعتباري في الدائرة القضائية المصرية وذلك بأن يكون الرئيس باعتباره رأس السلطة التنفيذية الحكم بين السلطتين القضائية والتشريعية، لكن ذلك لا يعني أن يكون لعبد الفتاح السيسي الكلمة العليا في تعيين رؤساء الهيئات القضائية حسب اختياره، فقد جرت العادة أن تختار الدوائر رؤساءها ثم ترسل القائمة إلى الرئاسة لتتم المصادقة عليها. وفي الأزمة الأخيرة، فوّض القضاة رئيس النادي محمد عبد المحسن في طلب عقد لقاء عاجل مع الرئيس السيسي للتوصل إلى حل للتعديلات التي أقرها البرلمان على قانون السلطة القضائية، دون موافقة مؤسسة القضاء. لكن في الوجه المقابل، قال علي عبدالعال رئيس البرلمان إن التعديلات لا تمس استقلال القضاء ومطابقة للدستور، في حين يصرّ القضاة على أن تدخل السلطة التنفيذية في اختيار رؤساء الهيئات القضائية، يخالف الدستور. وأكد نادي القضاة في اجتماع طارئ عقده الأربعاء الماضي، أن “كل الخيارات مفتوحة للتصعيد ضد تعديلات البرلمان على قانون السلطة القضائية، بما لا يمس أمن الوطن، وسوف نلجأ لرئيس الجمهورية لحل المشكلة قبل تصاعدها باعتباره الفيصل بين السلطتين التشريعية والقضائية”. وأشار أحمد مهران، رئيس مركز القاهرة للدراسات السياسية إلى أن “الحاصل الآن يتلخص في أن البرلمان وضع السيسي في مواجهة مع القضاة وترك له حرية الاختيار بين توسيع صلاحياته التي اقترحها النواب أو رفض الصلاحيات لإرضاء الهيئات القضائية”.

الخروج من المأزق؟

وتشير آراء إلى أن ذهاب القضاة مباشرة إلى عبد الفتاح السيسي يعد محاولة لكشف مدى جدية الرئيس في هذه المحاولة عبر البرلمان للهيمنة على القضاء وهي حسب البعض طريقة لإحراجه واختبار مدى رغبته في عدم الظهور في مظهر العسكري الأوتوقراطي. لكن من المتوقع بالرغم من كل ذلك أن تزداد الأزمة تعقيدا خاصة بعد تصريح رئيس البرلمان الذي قال فيه بأنه “لا يمكن لأي جهة في مصر أن تقوم بحل البرلمان، وإذا كان القضاة أبدوا رفضهم للتعديلات فإن رأيهم استشاريا وليس إلزاميا، وعليهم احترام أن البرلمان مصدر التشريعات وفق نصوص الدستور”. وتوقعت دوائر سياسية أن يلجأ السيسي إلى حل هذه الأزمة من خلال طرفيها (القضاء والبرلمان) دون تدخل مباشر منه، بأن يتم إضافة تعديلات على ما أقره البرلمان من خلال مجلس الدولة (جهة قضائية إدارية)، الجهة التي أرسلت إليها التعديلات للموافقة عليها أو طلب تعديلها ثم إعادة إرسالها للبرلمان لإقرارها نهائيًا، ويستجيب البرلمان لما انتهى إليه رأي مجلس الدولة. ويلزم المشرّع المصري مجلس النواب أن يحصل على موافقة مجلس الدولة أولًا قبل الإقرار النهائي لأي تشريع قانوني أو تعديلات، وفي حال وجود تحفظات على بنود بعينها، يقوم مجلس الدولة بإرسالها للبرلمان لتعديل نصوص المواد. ونجت المحكمة الدستورية العليا فقط من التعديلات التي أقرها البرلمان على قانون السلطة القضائية، وبقى الوضع على ما هو عليه، بأن تجتمع الجمعية العامة للمحكمة لتختار أكبر أعضائها سنًا رئيسا لها، ويتم مخاطبة رئيس الجمهورية لتعيينه.