تونس: “جانفي” شهر لا ينتهي

وجهة نظر مصرية

الاحتجاجات المستمرة دون انقطاع في تونس تجعل المسؤولين يتحدثون عن “شهر جانفيي لا ينتهي”1 في إشارة إلى ما تشهده البلاد من تحركات متواترة منذ عقود. في هذا المقال يحاول صحفي مصري مقيم في تونس تحليل الأوضاع واستكشاف الآفاق، مقارنةً بما يجري في مصر.

في الأيام الأولى من جانفي ( يناير أو كانون الثاني في المشرق ) 2017 خرجت “المغرب” أكثر الصحف التونسية اليومية رصانة بعنوان رئيسي ومقال افتتاحي من كلمة واحدة بدت محيرة ومربكة ،وهي: “جانفي..”2 والواقع أن جانفي لا يخيف فقط كل الحكومات في تونس قبل الثورة وبعدها كما قال المقال . بل وأيضا قطاعات واسعة من النخبة الليبرالية وغير الليبرالية ،وحتى بدا مع تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية بين نهاية العام الماضي ومطلع هذا العام وكأن السؤال الأهم عند “القلقين الخائفين” :“..ومتي ينتهى هذا الجانفي ؟”. لكن ماتلى هذا العنوان المثير“جانفي..” أصبح بلا نهاية . وهذا بعدما تطورت الاحتجاجات في [المكناسي بولاية سيدي بوزيد وبن قردان وقفصة بخاصة إلى مرحلة إعلان العصيان المدني ، واخترقت الحصار الإعلامي في العاصمة لتفرض نفسها على صفحات الصحف ( غير اليسارية في مجملها ) و شاشات القنوات التلفزيونية لرجال الأعمال .وعلى أعتاب الأول من مايو امتدت الاحتجاجات إلى العديد والمزيد من المدن والبلدات الصغيرة بمختلف الولايات ومن تطاوين في أقصى الجنوب إلى الكاف في أقصى الشمال الغربي مرورا بالقيروان في وسط خريطة تونس . وكان لهذه الاحتجاجات هذه المرة أن تزاحم أنباء زيارة بعثة صندوق النقد الدولي لتونس في إبريل 2017 ، وما خلفته من انخفاض ملموس في سعر العملة المحلية ، وإن كان لا يقارن بأي حال بالانهيار المأسوي مع إعلان تعويم العملة المصرية في 4 نوفمبر 2016 .وهكذا اتضح للكافة أن “جانفي” هذا “المخيف” لا تنتهي أيامه ،حتى لو انقضى الشهر ذاته .

مقارنة مع الأوضاع في مصر

في تونس وأيضا في مصر من المنطقي أن يؤدي تجاهل المطالب الاجتماعية لثورتي (17 ديسمبر 10 ـ 14 جانفي 2011) و (25 يناير 2011) مع مرور أكثر من ست سنوات إلى مزيد من الاحتجاجات على خلفية المطالب ذاتها. فالحكومات المتعاقبة هنا وهناك أخفقت في معالجة البطالة بل ثمة معطيات تفيد استفحالها3.ناهيك عن التفاوت الطبقي وتهميش المناطق والفئات .كما لم تأخذ بخطة او منوال تنمية مغاير عما كان لعقود سابقة عرفت تبني سياسات الليبرالية الجديدة . وهكذا ـ وأخذا بالمثل العربي “وداوني بالتي كانت هي الداء” ـ عادت تونس ومصر للاستدانة من صندوق النقد الدولي ما يحمل المزيد من المعاناة للفقراء والطبقة الوسطى. في الحالة التونسية تتوافر معطيات على ارتفاع منسوب الاحتجاجات الاجتماعية وبخاصة في المناطق الأكثر تهميشا منذ الاحتلال الفرنسي ومرورا بدولة الاستقلال . وعلى الأقل لدينا آلية رصد شهري توفر هذه الأرقام : 871 ديسمبر 2010 و970 جانفي و949 فيفري و1089 مارس 2017. وإجمالي 4375 احتجاجا عن عام 2015 بأكمله4. أما في الحالة المصرية فيتوافر أمامنا رصد عن عام 2016 يفيد وقوع 1736 احتجاجا بدوافع اقتصادية واجتماعية5. وبصرف النظر عما قد يكون هناك من اختلاف في المعايير المستخدمة ومصادر جمع المعلومات في القاهرة وتونس فإن ثمة ما يستدعى الاعتقاد بأن ما يطلق عليه “الاحتقان الاجتماعي” يجد في تونس فرصة أكبر كي يعبر عن نفسه وأن يظهر بهذا الزخم والعنفوان. وهذا أمر يسهل تفسيره بالمقارنة لما انزلقت مصر إليه من قيود أشد على الحريات وحقوق التظاهر والاحتجاج السلمي بعد انقلاب .وأيضا حرية الصحافة . ويكفي أن نشير إلى أن مجرد النية في تنظيم إضراب بمصر يمكن أن تؤدي إلى المحاكمة العسكرية و الاعتقال . وهذا لا يعني إطلاقا أن المحتجين اجتماعيا في تونس ينعمون بحرية حركة مطلقه ، فهناك وقائع مثيرة للقلق عن انتهاكات من الشرطة لاحتجاجات بالشوارع بما في ذلك العاصمة ولأن نحو 300 شابا أمام المحاكمات . وإذا كان لنا أن نقارن ونلاحظ أيضا فإن الكتلة الضخمة من الشباب العاطل عن العمل في الحالة المصرية يكاد يكون الآن محروما تماما من ممارسة حق الاحتجاج السلمي.وهذا على خلاف الحالة التونسية التي يسهم فيها هذا الشباب العاطل مع العاملين وفق أنظمة تشغيل هش غير مستقر ومنقوص الحقوق بالنصيب الأكبر في الاحتجاجات الاجتماعية. وهذا استنادا الى آلية الرصد الشهري السابق الاشارة اليها ..

الدور الحاسم للاتحاد العام للشغل

بين 24 و26 مارس 2017 تابعت بتونس النقاشات الجارية بالمؤتمر الوطني الأول للحركات الاجتماعية المنعقد بمدينة “نابل” .كما زرت قبلها وبعدها عددا من مواقع الاحتجاج الاجتماعي في الوسط والجنوب [وتحاورت مع الناس هنا وهناك 54344. وباختصار يمكن القول بأن ما يوصف بموجة الاحتجاجات الاجتماعية الأقوى والأهم هذه بتونس بعد الثورة استطاعت بعمق عام كامل من الاعتصامات والمسيرات ومحاصرة مرافق الدولة وائتلاف حركات الاحتجاج المتعددة المطالب على مستوى مدن وبلدات وولايات أن تفرز قيادات جديدة وشبابية.وهذا دون أن تتشكل بعد الأطر التنظيمية الصلبة المستقرة بمستوى هذا الزخم . صحيح أن هناك العشرات من “التنسيقيات” على مستوى المدن والجهات .وهي تجمع شتات المطالبين بالحق في العمل (العاطلون) وفي تحسين شروط عمل هش لمن يطلق عليهم “عمال الحظائر” و الفلاحين المتمسكين بالأرض وكذلك أولئك المنادين بالحق في الثروة وبحماية البيئة ،وهذا كله علاوة على تنسيقية وطنية جامعة وليدة . ولكن كل هذه الأشكال التنظيمية ( والأفقية بالأساس وغير الهرمية ) مازالت تفتقد ـ أغلبها إن لم نقل جميعها ـ إلى مقومات مواصلة الفعل الجماعيى والاستمرارية . ولكن مقارنة بالحالة المصرية فإن الحركات الاجتماعية الناشطة بتونس تحظى بدعم ما من التنظيم النقابي الأهم والأعرق ( الاتحاد العام للشغل ).وهذا مع أنها جاءت بمبادرات من خارج أطره كافة .فمواقف القيادة المركزية تعرب عن دعم الاحتجاجات السلمية وتنضم للمطالب وإن كانت تحذر من الاستغلال السياسي والحزبي لها ومخاطر انزلاق البلاد إلى الأزمة والفوضى. لكن تظل مقار وأبنية الاتحاد وهيئاته القيادية الوسطي وعلى مستوى الولايات والمدن بما في ذلك الريفية الصغيرة تمثل بلا شك حاضنة مهمة لهذه الاحتجاجات . فتنطلق منها معظم المظاهرات وتأوي اعتصامات وإضرابات واجتماعات و مؤتمرات,

آفاق سياسية ملتبسة

ومع هذا تفتقد موجة الاحتجاجات الاجتماعية بتونس هذه إلى حزام سياسي حزبي داعم ومنسق ، وحتى اليسار فهو مشتت بأحزابه وحزبياته وخلافاته وتحالفاته في الحكم وخارجه . ولعل البادرة الأهم في هذا السياق هو إصدار سبعة و خمسين شخصية يغلب عليها الطابعان الحقوقي والمستقل بيان تأسيس “اللجنة الوطنية للدفاع عن الحركات الاجتماعية”.

ولا أحد بإ مكانه أن يجزم بما ستنتهي إليه الاحتجاجات الاجتماعية بتونس هذه المرة .فهي تتخذ نسقا تصاعديا في انتشارها الجغرافي وفي أساليب الحركة وصولا الى إعلان العصيان العام وحصار وإغلاق مؤسسات الدولة والطرق .وفي حالات نادرة تتطور الى اقتحام المنشآت رموز السيادة عندهم وطرد المسئولين المحليين. لكن اللافت أن الحكومة المتهمة بعدم الاكتراث تحاول أن تقوم بين حين وآخر بدور “رجل المطافئ”. فتنقل التفاوض بين المحتجين والسلطة من المسئولين المحليين إلى الوزراء ورئيس الحكومة وتدفع بالوفود الرفيعة المستوى لزيارة الولايات البعيدة الغاضبة .لكنها مع بذل الوعود في كل مرة بخلق فرص التشغيل وبتنمية أكثر توازنا وتفعيل نص المادة 12 في الدستور الجديد بشأن “التمييز الإيجابي” تلتزم في الوقت ذاته أمام صندوق النقد والمقرضين والمستثمرين بالتخلي عن دور “دولة الرعاية الاجتماعية” وتتعهد بخفض كتلتي الموظفين العموميين والأجور . وهذا في مواجهة جموع محتجة و ثقافة متفشية تضغط مطالبة بـ“الحق في وظيفة بجهاز الدولة”وفي استحداث مرافق عمومية تضمن توزيعا أكثر عدالة لخدمات الصحية والتعليمية والطرق والمواصلات بين الجهات . وفي تونس من اليمين إلى اليسار هناك جدل حول احتمال انفجار اجتماعي قادم . والبعض يسميه “ثورة أخرى”. والأفق السياسي الملبد بالغيوم والضباب حول البديل الغائب لقطبي “النهضة” و“النداء” المتحالفين في الحكم و البرلمان مفتوح على انتخابات بلدية في 17 ديسمبر 2017 .وإما أن تترجم هذه الانتخابات زخم الاحتجاجات الاجتماعية أو تدفعها إلى المزيد من التصعيد.فتتعمق الأزمة السياسية في البلاد.كما هناك جدل أكثر حضورا عما يوصف بالطابع الجهوي ( المناطقي ) للاحتجاجات الاجتماعية هذه . فالمطالبة بضمان تشغيل “أبناء الجهة” في الشركات العاملة عندهم وبتخصيص نسب من عوائدها لتنمية الجهة ذاتها تفتح نقاشا يدور بين التحذير من تفكيك الدولة المركزية و هدم قيم “المواطنة” وبين القول بأن هذه المطالبات بمثابة إعادة اكتشاف للحق في “الدولة”6

هل تمثل التحركات فرصة أم خطراً على المستقبل ؟

وعلى خلاف مصر التي تنظر فيها السلطة السياسية وقطاع كبير من النخبة إلى الاحتجاج الاجتماعي بوصفه تهديدا “للدولة الوطنية” وهيبتها يتعين قمعه بكل قسوة فإن الحالة التونسية تشهد نقاشا حول خطورة تصاعد هذا الاحتجاج على فرص تطور “ديمقراطية ناشئة” ،وإن كان هناك من ينبه إلى أن التهديد يكمن بالأصل في عدم الوفاء بمطالب الثورة الاجتماعية والاستمرار في منوال اقتصادي أثبت لا جدواه . بل وكارثيته . إلا أن موجة الاحتجاجات الاجتماعية الجارية تلك قد تطرح مسألة الثروة وتوزيعها ومعها شفافية الاتفاقات المبرمة مع الشركات الأجنبية ومراجعتها7 وحين تبلغ هذه الموجة ـ أو أخرى لاحقة أقوى لكنها قريبة على الأرجح ـ هذه المحطة لا أحد بإمكانه التوقع: كيف سيتصرف تحالف اليمين الديني والعلماني في الحكم ؟.. وهل يلجأ إلي مزيد من تضييق المجال العام والانتقاص من الحريات السياسية المنتزعة بعد ثورة الحرية والكرامة؟ . حقا .. إن “جانفي” الطويل الذي لا تنتهي أيامه يخيف كثيرين في تونس أيضا .لكن المصريين ـ إذا أتيح لهم أن يطلعوا على مجرياته ـ فسينظرون إلى أقرانهم التونسيين بقدر من الدهشة ..وربما الغبطة أو الحسد .

1جانفي هو يناير أو كانون ثاني في المشرق العربي . وبالنسبة للتونسيين لا يتوقف التاريخ عند ثورة 14 جانفي 2011 فقط. بل كان هناك انتفاضة 26 جانفي 1978 و جانفي 1984 المسماة بانتفاضة الخبز والتي امتدت من أول الشهر والى عدة أيام.

2مقال “جانفي ..” لزياد كريشان ، عدد جريدة “المغرب” التونسية ، 5 جانفي يناير 2017

3حسب المعطيات الرسمية المتوافرة بتونس ارتفاع البطالة من 14 إلى 15,6 في المائة من 2010 الى نهاية عام 2016 وفق المعهد الوطني للإحصاء .وفي مصر تفيد المعطيات بأقل من 10 في المائة عام 2010 وبنحو 13 في المائة عام 2016 .وهذا مع الأخذ في الاعتبار التشكيك في هذه النسب والاعتقاد بأن البطالة في مصر وتونس فعليا تدور حول 25 في المائة

4تقرير الاحتجاجات الاجتماعية في تونس سنة 2015 ،المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية ، تونس العاصمة د.ت ، ص 56 .وأيضا تقارير المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى نشرية عدد 40 ديسمبر 2016 ص 7 ، وعدد 1 جانفي 2017 ، ص 7 ، وعدد 42 فيفري 2017 ،ص 7 وعدد مارس 2017 ،ص 7

5قام المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية برصد الاحتجاجات الاجتماعية لسنوات متتالية بعد الثورة . وأغلق المركز أبوابه وتم حجب موقعه الالكتروني جراء التضييق الأمني.لكن الموقع الإخباري “مصر العربية” يحفظ عرض نتائج تقرير المركز عن الفترة م 1 يناير الى 20 ديسمبر 2016 وذلك بتاريخ 26 ديسمبر 2016 تحت عنوان "بدوافع اقتصادية واجتماعية ..1736 احتجاجا في مصر خلال 2016

6بعد زيارة رئيس الحكومة يوسف الشاهد 27 إفريل (إبريل) 2017 لولاية تطاوين التي دخلت إلى موجة احتجاجات اجتماعية منذ منتصف مارس شملت إغلاق الطرق إلى مواقع استخراج النفط للمطالبة بتعيين شخص واحد من كل أسرة بهذه الشركات ونقل مقاراتها الى الولاية وتخصيص حصة من عوائدها للتنمية الجهوية لصالح سكان تطاوين فضلا عن مطالب اخرى ، خرجت صحيفة “المغرب” التونسية بعدد 28 إفريل 2017 بعنوان رئيسي هو :“الحق في خمس عائدات البترول ينهي التفاوض”. وعقد الناطق الرسمي باسم الحكومة “إياد الدهماني” مؤتمرا صحفيا بمقر الحكومة بالقصبة في اليوم نفسه مقرا بالحق في الاحتجاجات الاجتماعية السلمية لكنه أضاف : “وفي إطار القانون” .كما كان لافتا تحذيره من “المس بوحدة البلاد والتراب الوطني”.أكد :“هذا خط أحمر لا يمكن تجاوزه”.واستخدم تعبير أن " الحكومة ستتعامل بصرامة

7لكن في 18 أفريل ( إبريل ) 2017 وافق البرلمان على تعديل قانون المحروقات بتأييد من نواب كتلتيه الرئيسيتين نداء تونس والنهضة وسط معارضة قالت بأن التعديلات تقنن الفساد وتسمح بالإبقاء على سرية العقود والاتفاقات في مجال استخراج النفط