المجتمع الفلسطيني في شِباك الاعتقالات

إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام

بعد مضي أكثر من شهر على إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام ما زالت السلطات الإسرائيلة ترفض التفاوض، في حين تتعرض سلامة السجناء إلى الخطر الشديد. ومع أن السلطة الفلسطينية لا تحرك ساكناً، إلا أن الشعب الفلسطيني ينظم عمليات التضامن خارج السجون، ويندد المناضلون بالملاحقات والاعتقالات التي تلقي بشِباكها على المجتمع بأسره.

يستمر الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية ـ والذين تصفهم السلطات ب“السجناء الأمنيين” في حين يعتبرهم الفلسطينيون “أسرى حرب” أو “أسرى سياسيين” ـ في إضراب مفتوح عن الطعام “من أجل الحرية والكرامة”. يقود هذا الإضراب الموحد، لأول مرة منذ زمن بعيد، مروان البرغوثي أحد وجوه حركة فتح، ويشارك فيه 1500 أسير من بين 6300 معتقل. وينتمي قادة حركة الإضراب إلى مجمل الأحزاب: فإلى جانب أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعاهد أبو غلمي، هناك عباس صياد عضو المكتب السياسي لحركة حماس وأيضا إبراهيم حامد وحسن سلامة وزايد بسيسو من الجهاد الإسلامي ووجدي جودت من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وباسم خندقجي من حزب الشعب (الشيوعيون) وأيضا عميد الأسرى كريم يونس (فتح).

بعد أكثر من شهر مازالت السلطات الإسرائيلية ترفض التفاوض الجدي مع قادة الإضراب وقامت بمناورات لضرب صدقية الحركة (كتركيب الفيديو الذي أظهر مروان البرغوثي يتناول طعاما) وتقسيمها بمحاولة فتح مفاوضات منفصلة مرفقة بسياسة قمعية (عزلة، غرامات، منع الزيارات، تحويل متواصل وتحرش بالمضربين). تلك هي الإجابات الوحيدة التي ووجهت بها المطالب المتعلقة بشروط الاعتقال، وهي الظروف التي يؤكد القانون الدولي على شرعيتها. ومع استمرار الحركة، التي أصبحت تهدد بصفة خطيرة صحة وحياة الأسرى ونتيجة لتعنت السلطات، أضحى بُعدها وتأثيرها السياسي يزداد خارج الأسوار بتنامي المظاهرات والمواجهات مع الجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية. أما حركة الأسرى التي أنشئت في الثمانينيات وضعفت بعد اتفاقيات أوسلو مع بدايات 20001، والتي شكل هذا الإضراب عودتها إلى الساحة السياسية، فهي تطلب من السكان والشباب مواجهة سلطات الاحتلال على نقاط الاحتكاك المتمثلة في نقاط التفتيش والجدار كما تطالبهم بتنظيم مسيرات وتجمعات وإقامة صلوات.

المطالبة بشروط اعتقال لائقة

تتعلق المطالب الأساسية بعدد ومدة وظروف الزيارات العائلية (والتي هي محصورة منذ 1999 في الأبوين والأطفال والإخوة والأخوات)، وتحسين الرعاية الطبية. وتتعلق أيضا بإلغاء الاعتقال الإداري الذي يسمح بسجن شخص لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد عدة مرات من طرف مصالح الاستخبارات (الشين بيت) دون أن يتطلب ذلك وجود تهمة. وحتى أول نيسان/ أيار كان هناك 500 أسير رهن الاعتقال الإداري. كما يطالب المضربون بإنهاء العزل المطول وتحسين ظروف النقل خلال التحويل أو للوقوف أمام المحاكم وكذا المسؤولية عن الطعام كما كان الحال قبل فشل حركة الاضراب عن الطعام سنة 2004.

وأخيرا يريد الأسرى العودة إلى الوضع السائد قبل قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي في يونيو /حزيران 2011 تشديد ظروف الاعتقال قصد جعلها قريبة من ظروف الجندي جلعاد شاليط الذي أسرته حركة حماس في غزة بين 2006 وأكتوبر 2011. فهم يطالبون إذن أن تكون لهم من جديد إمكانية الحصول على الكتب والجرائد والألبسة ومواصلة الدراسة في الجامعة المفتوحة لتل أبيب والمشاركة في امتحان البكالوريا في السجن. وكانت هذه أغلب المطالب التي تم رفعها خلال آخر إضراب جماعي في نيسان/ مايو 2012 بمبادرة من حماس والذي شارك فيه ما يقارب 2000 أسير وبعدها العديد من الإضرابات الفردية أو الجماعية المتفرقة.

يرتبط النظام المطبق على “السجناء الأمنيين” بصفة واسعة بتطور الأوضاع في الأراضي المحتلة2 ففي 2007 بعد أن تسلمت حركة حماس السلطة مُنع الغزاويون بصفة جماعية من الزيارات تحت حجة اختطاف جلعاد شاليط. وتمت العودة التدريجية للزيارات ابتداء من تموز/يوليو2012 بعد الاتفاق المبرم أثناء إضراب ربيع 2012 ولكنها بقيت قليلة ولم تطبق على أعضاء حركة حماس. أما بالنسبة لبقية الأسرى فهي ممكنة نظريا مرة كل 15 يوم لمدة 45 دقيقة. لكن بشكل عملي يمنع العديد من الأسرى لفترات طويلة من زيارات الأقارب. وابتداء من 2003 تم تحويل السجون من الجيش إلى نظام الاعتقال المدني (الشاباص) تحت إشراف وزارة الأمن الداخلي والأراضي المحتلة في إسرائيل. ومنذ هذا التحول الذي ينافي معاهدة جنيف الرابعة التي تنص على أن السكان المحتلين يجب أن يبقوا على أرضهم أصبح على العائلات طلب تصريح بالدخول إلى إسرائيل للوصول إلى زيارة أبنائها الأسرى. وكثيرا ما يرفض طلب التصريح هذا لسبب “أمني” وعلى الخصوص للرجال بين 16 و45 سنة.

وتقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتقديم طلبات التصريح ونقل العائلات على حسابها بالحافلات. ولكن منذ تموز/يوليو 2016 تم تحديد الزيارة بمرة واحدة في الشهر وذلك لأسباب مالية. ويرفض الأسرى وعائلاتهم ومساندوهم بقوة تقليص عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ويستنكرون غياب الموقف القوي لديها بخصوص الإضراب الجاري، ولقد تم محاصرة مكاتبها برام الله وجرى إغلاقها مؤقتا. ويطالب المضربون أولا بحق النساء في أن يكون لهن لقاء مباشر مع أبنائهن خلال الزيارات والتي أصبحت تتم منذ 2004 عبر الزجاج وعن طريق الهاتف مع تسجيل المحادثات. ولا يسمح إلا للذين هم أقل من الثامنة الاقتراب من ذويهم. وأخيراً يطالب الأسرى المضربون بأن تكون هناك هواتف تمكنهم من الاتصال بشكل منتظم بعائلاتهم وليس عن طريق الهواتف المحمولة النادرة التي يتم إدخالها سرا وكثيرا ما تتم مصادرتها من طرف إدارة السجن. ولا تسمح الاتصالات الهاتفية بين الأقارب إلا في حالة الوفاة.

أطفال في الثانية عشرة بين المعتقلين

يندرج هذا الإضراب أيضا ضمن حركة رفض طويلة لسياسة الاعتقال الواسع للفلسطينيين والمرتبطة بشكل وثيق بالاحتلال واستعمار الضفة الغربية ومنذ 2005 بحصار قطاع غزة. كانت نسبة الاعتقال سنة 1989 ب750 أسير لكل مائة ألف مواطن (التقرير السنوي لسنة 1991 لمنظمة هيومن رايتس ووتش“) أي أعلى نسبة في العالم. ويقدر أن نسبة 402 % من الرجال” الفلسطينيين مروا بالسجون الاسرائلية منذ 1967. وبين 2006 و2008 خلال قمع “الانتفاضة”الثانية كان هناك حوالي 8000 فلسطيني معتقل وفق منظمة "بتسيلم . وقد عادت الى الواجهة الاعتقالات الواسعة بعد الأحداث العنيفة لخريف 2013 ثم “انتفاضة السكاكين” والتي يلقبها الفلسطينيون ب“الهبة” التي انطلقت في 2015. ووفقا للشرطة الإسرائيلية تم اعتقال 17.396 فلسطيني من الضفة الغربية والقدس الشرقية سنة 2014.

فمنذ 1967 لم يتم تطوير نظام الحبس هذا المرتكز إلى القضاء العسكري كوسيلة لمعاقبة مخالفات مؤكدة وموثقة ذات طابع أمني فحسب بل جُرّم كل نشاط سياسي رافض للاحتلال ونشرت “شباك من الملاحقات” على كامل الأراضي الفلسطينية. تتمثل في جملة من التدابير القانونية تسمح بتوقيف ومتابعة عدد كبير من الأشخاص من ذكور وإناث ابتداء من سن 12 سنة حيث يوجد إلى غاية الفاتح من نيسان/ أبريل 300 طفل ضمن “المعتقلين الأمنيين”. ولا يرتكز النظام القضائي العسكري على التحقيق وتقديم أدلة تتم مناقشتها خلال المحاكمة بل على الاعترافات التي يتم انتزاعها أو التفاوض عليها للمعتقلين أو مع أطراف أخرى بخصوص نشاطهم. ونظام “الأدلة” هذا هو الطاغي بحيث أن 95% من المحاكمات لا تتم بالفعل بل يُفصل فيها عبر التفاوض بشأن الأحكام ، مابين المحامين والقضاة، بعد الاعتراف بالذنب من طرف المتهم. وتدفع السلطات القضائية العسكرية إلى هذا الحل الذي يسمح بالاستغناء عن المحاكمة أما الذين يجازفون بالرفض فهم يدانون بشكل أثقل بعد إجراءات لا نهاية لها. فالمعتقلون يدانون بالذنب بشكل شبه كلي، مما يبرر تجاه الرأي العام الإسرائيلي والدولي الاعتقالات المكثفة و طريقة التعامل من قبل العدالة العسكرية.

فحسب المنظمة غير الحكومية الإسرائيلية “يش دين” لم تكن فئة النشاط “الإرهابي” المعادي بين 2002 و 2006 تشكل سوى 33% من الاتهامات في المحاكم العسكرية، وضمن هذه الفئة 4% فقط كانت محاولات قتل و1% قتل متعمد. وتؤكد المتابعة المنتظمة للمحاكمات في نهاية 2016 أن أغلب الأشخاص الموجودين ضمن هذه الفئة اتهموا ليس لأفعال أدت إلى الموت أو تحضير لعمليات بل لمجرد الانتماء أو علاقات مع “تنظيم إرهابي” أو “غير شرعي”: وهذا يعني كل الأحزاب السياسية الفلسطينية وسلسلة من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي ما انفكت قائمتها تتزايد دون أن يحذف منها أبدا أي تنظيم. وماتزال هذه القائمة تضم حركة فتح، هذه الأخيرة التي كانت من ضمن الموقعين على اتفاقيات أوسلو، والتي اعتبرت “منظمة إرهابية” سنة 1986.

تقوم شباك الملاحقات بنفي أي معنى للزمن حيث يمكن أن يعتقل الفرد لأفعاله أو لارتباطاته العائلية والاجتماعية والسياسية الحاضرة والماضية بل وحتى المستقبلية (الاحترازية) بسبب الترتيبات المتعلقة بالسجن الإداري. ومن جهة أخرى يكفي التعبير العلني عن آراء سياسية أو الحضور في مظاهرات ليقع الاتهام. فمنذ عدة سنوات وفضلا عن حركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كثير ما يُلاحق مناضلون سلميون منخرطون في المقاومة الشعبية في القرى المعارضة لخط الجدار ونهب الأراضي من طرف المستوطنين ب(نعلين وبعلين والنبي صالح...). وحسب المنظمة غير الحكومية الإسرائيلية “كورت واتش” فالامتثال الأكثر عددا يخص الشباب ـ وغالبيتهم من الأحداث ـ بسبب رميهم الحجارة ورجال يدخلون إسرائيل بدون رخصة. وتم حديثا استهداف أشكال أخرى من الالتزام والتعبير مع تزايد تجريم النشاطات أو التحريض على شبكات التواصل الاجتماعي واعتقال الصحافيين والمناضلين ووجوه محلية لحركة “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” (بي دي أس) ومنهم أحد مؤسسيها عمر البرغوثي في مارس/آذار 2017.

وتقوم مصالح المخابرات عبر هذه الاعتقالات المستمرة بتجنيد العملاء والتوغل في المجتمع لتكون لها مصادر معلومات هائلة حول السكان والحياة في الجيوب السكانية الفلسطينية. وتشكل عملية السيطرة على تنقل الأفراد وتحركاتهم والاعتقالات في صفوفهم،بالإضافة إلى النظام القضائي العسكري والسجون، تشكل كلها مفاتيح للتحكم في أراض أٌريد لها أن تكون مقطّعة الأوصال، لا حدود لها ـ بالمفهوم المعروف للحدود كخط للدولة المعاصرة ـ وذلك بسبب الإبقاء على الاحتلال ومواصلة الاستيطان وراء الجدار.

جبهة معارضة للسلطة الفلسطينية

بعد أن ضعفت كثيرا مع بداية عشرية 2000 بالرغم من التوقيع في 2006 على وثيقة الأسرى من طرف ممثلين متحزبين تنادي بالوحدة أمام الشرخ بين حماس وفتح، عادت حركة الأسرى إلى الواجهة خلال الإضراب عن الطعام في نيسان/مايو 2012 الذي أطلقته حركة حماس.

وإذا كان 20% فقط من أعضاء حركة فتح شاركوا فيه بينما لم يشارك أحد من قادتها فقد كانت مؤشرا عن عودة الانسجام الوطني خلف الجدران. وقد قامت أغلب حركات المجتمع المدني ـ منها تجند الشباب خلال “الربيع الفلسطيني” القصير في 2011ـ والسكان بتقديم دعم واسع لها حيث كثفت حضورها في الشبكات الاجتماعية والصحافة بفضل الهواتف المحمولة التي أدخلت سرا إلى السجون مع بداية الألفينية3 .

تحظى الحركة الحالية، التي هي توحيدية بحق، بدعم كبير من كل الأحزاب ومن مجمل قوى المجتمع المدني (بي دي أس، لجان المقاومة الشعبية، مجلس المنظمات الفلسطينية لحقوق الإنسان، لجنة مناهضة الجدار والاستيطان، فَلْنُزيل الغيتوهات (ديسمانتل ذي غيتو)، لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب في إسرائيل...إلخ).

وتربط بيانات حركة الأسرى بصفة دائمة قضية الأسرى بمقاطعة المنتوجات الإسرائيلية في حين تكتفي السلطة الفلسطينية بدعم مقاطعة منتوجات المستوطنات. وتقوم في خارج السجون اللجنة الوطنية لدعم الإضراب بمناشدة التجار استبدال المنتوجات الاسرائيلية بالمنتوجات الفلسطينية وتشجيع عمليات منع دخول الشاحنات الحاملة للمنتجات الإسرائيلية أو تكديسها بالقرب من نقاط التفتيش والجدار.

وهكذا يقوي الإضراب ويبعث جبهة معارضة واسعة لسياسة السلطة الفلسطينية التي تزرع الشقاق في حركة فتح. فالمجتمع الفلسطيني وجزء متنام من كوادر فتح وشباب الحزب يعارض سياستها القمعية ضد المعارضين والتجنيد السلمي والمقاومة وكذا تعاونها الأمني مع إسرائيل.

وحسب سبر للآراء للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمَسْحِية فإن 64 % من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة كانوا يريدون في ديسمبر 2015 إنهاء هذا التعاون الأمني. وتطالب حركة الأسرى وممثلو كل الأحزاب الأخرى بصفة دائمة إنهاءه الفوري. كما يعرب كثير من المدافعين عن خط “عرفاتي” ضمن حركة فتح عن اعتراضهم الصريح العلني.

وإن كان العديد من مسؤولي الأحزاب التقليدية قللوا في الماضي من أهمية تعبئة المجتمع المدني والشباب فإنهم الآن قد تأكدوا من ضرورة توحيد الجبهات المناضلة كما فعل ذلك الفرع المقاوم لحركة فتح أسوة بمروان البرغوثي. ويبرز البرغوثي كمدافع عنيد عن الوحدة الفلسطينية و يحظى بتقدير كل الأحزاب بما فيها حركة حماس التي التزمت بالمطالبة بتحريره في أي تبادل مستقبلي للأسرى. وهو يدافع عن حل الدولتين في ظل احترام القانون الدولي ويناهض العمليات التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين. وقد نادى إلى المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية لإسرائيل وإلى حركة مقاومة شعبية ومدنية واسعة.

ففي الوقت الذي يشكل فيه الأسرى المصدر النضالي الجامع الوحيد لدى المجتمع الفلسطيني أصبحت الآن القيادات داخل السجون تحظى بدعم واسع من الأحزاب وحتى من العديد من مناضلي حركة فتح وأيضا من المجتمع المدني ومبادرات الشباب، وهو ما يقلب ميزان القوى من خارج السجون إلى داخلها.

"

ترجم المقال من الفرنسية حميد العربي

1ستيفاني لات عبد الله، الحرمان من الحدود: شبكة السجن وإدارة الأسرى السياسيين الفلسطينيين بعد أوسلو 1993ـ2010

2أنظر ستيفاني لات عبد الله، بين الداخل والخارج: شهادات معيشية لعائلات المعتقلين السياسيين في إسرائيل

3ستيفاني لات عبد الله، الربيع الفلسطيني: مجتمع مدني في كماشة النزاع