كيف أصبحت السجون المصرية “مفرخة” للإرهاب

نتظيم داعش ضد الإخوان المسلمين

لقد تم توقيف عشرات الآلاف من المصريين منذ أن سيطر العسكر على الحكم في 3 يوليو/تموز 2013، ولم يكن لبعض الموقوفين أي نشاط سياسي سابق. إلا أنهم داخل السجن يقعون فريسة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي يسعى لتجنيدهم، حيث يبدو خطاب الإخوان المسلمين بالنسبة للكثير منهم معتدلاً أكثر من اللازم.

قضيت فترة سجينا في أحد سجون القاهرة في زنزانة مع معتقلين سياسيين، وكان الغالبية العظمي منهم إسلاميين، وكان منهم من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين ومنهم من يؤيد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

كانت الأيام الأولى مهمة لمعرفة طبيعة التعاملات داخل السجن وطبيعة النظام داخل الزنزانة، حيث أني كنت محبوسا قبل نقلي للسجن في زنزانة في قسم شرطة مع سجناء أغلبهم متهمين في قضايا جنائية، وكان للزنزانة “نبطشي” وهو بمثابة مسئول الزنزانة من الجنائيين، وهو يسيطر على الأمور بالخبرة وبالأقدمية وبدعم ضباط وأمناء قسم الشرطة له حيث أن علاقاته تكون متشعبة وله مصالح مشتركة مع بعضهم ويتم تهريب وبيع المخدرات وباقي الممنوعات من خلال تعاونهم مع أمناء وضباط الشرطة مقابل ربح مادي للطرفين، كما أنهم يحصلون أموالا من باقي السجناء بشكل يومي ويختلف المبلغ المحصل حسب المكان الذي يخصصه النبطشي للسجين، فهناك أماكن مميزة داخل الزنزانة لمن يدفعون أكثر، أما بعد نقلي للسجن فبدا لي منذ اللحظات الأولى أن هناك اختلاف كبير بين السجن مع جنائيين والسجن مع سياسيين، خاصة لو كانوا إسلاميين.

النظام المعيشي في السجن

دأت الأمور تتضح لي سريعا فيما يخص نظام السجن، وسأركز هنا سريعا على وصف الجانب الذي يخص السجناء وليس إدارة السجن، حيث كان السجن يتكون من عدة عنابر، في كل عنبر عدة زنازين، ويمكن أن يقابل سجناء نفس العنبر بعضهم البعض خلال وقت التريض الذي يتم فتح كل مجموعة زنازين فيه في نفس الوقت من ساعتين لثلاث ساعات ما عدا أيام العطلات الرسمية، وكان هذا الوقت هو وسيلة التواصل بين السجناء في زنازين مختلفة في نفس العنبر، وكان بعض السجناء يفضل ممارسة الرياضة في هذا الوقت، والبعض الآخر يفضل مقابلة أصدقاؤه من الزنازين الأخرى للنقاش معهم في أمور السجن وأوضاعه أو آخر الأخبار الخارجية التي يحاولون معرفتها من خلال الأهل في الزيارات أو من مصادر أخرى، وكان للعنبر مسئولون تم اختيارهم بنظام أقرب للتوافق منه للانتخابات لصعوبة تنفيذها، وهؤلاء المسئولون كان المنوط بهم التواصل مع إدارة السجن لتقديم طلبات العنبر وحل مشاكله.

أما فيما يخص نظام الزنزانة، فكان هناك عدة أشخاص مؤثرين داخل كل زنزانة، وهناك شخص يتم انتخابه من السجناء داخل كل زنزانة مسئولا لها، تكون عنده علاقات جيدة مع الأغلبية، وتكون عنده قدرات جيدة على التعامل مع المشكلات اليومية واحتوائها في مهدها أو التعامل معها عند تفاقمها، وفي الحقيقة أي شيء داخل الزنزانة ممكن أن يصنع مشكلة، بدءا من الكلام وتوقيته أو الصوت وحدته مرورا بدور دخول الحمام ووقت إطفاء نور الزنزانة من أجل النوم انتهاء بالتدخين والمزاح بين السجناء وتطوره أحيانا، وتكون عنده القدرة والصلاحية على تنظيم الأمور الحياتية داخل الزنزانة مع عمل التوافق عليها في الوقت نفسه بين مجموعة من السجناء من 10 إلى 30 عادة مختلفي الطباع والشخصيات والخلفيات الثقافية والأيدلوجية والاجتماعية أجبرتهم الظروف رغما عنهم على الاجتماع في نفس المكان الضيق في فترة ليست هي الأفضل في حياتهم وجههم في وجه بعض بين 21 ساعة و24 ساعة يوميا، بعد خصم وقت التريض، ويقوم مسئول الزنزانة بالاستعانة بمسئولين آخرين لمهام محددة يختارهم بنفسه ويكونون غالبا من الأشخاص المؤثرة في الزنزانة أو بعد استشارتهم على الأقل، مثل مسئول المطبخ ومسئول الحمام ومسئول تنظيم الشعائر الدينية ومسئول مالي يقوم بجمع مبلغ محدد من الأعضاء شهريا لشراء الاحتياجات الجماعية للزنزانة المتعلقة بالطعام والشراب عادة أو إصلاح الكهرباء التي تقطع من وقت لآخر وربما في بعض الأحيان من أجل الرشاوي الجماعية التي تدفع للمخبرين والعساكر من أجل الحصول على بعض الامتيازات الداخلية البسيطة أو تسهيل حل المشكلات مع إدارة السجن.

فيما يخص الطعام، فالطعام الذي تصرفه إدارة السجن سيء جدا، وغالبا لا يأكل السجناء منه يوميا سوى الخبز وبعض ثمار الخضروات الصالحة للأكل، بينما يتم الاعتماد في الأساس في الطعام على زيارات الأهل (مسموح بزيارة واحدة أسبوعيا لكل سجين احتياطي ما زالت قضيته تنظر أمام القضاء أو النيابة وبزيارة كل أسبوعين لكل سجين تم الحكم عليه بالسجن)، حيث يتم توزيع أيام زيارات السجناء على أيام الأسبوع بحيث تكون كل يوم هناك زيارة أو زيارتين، ويحضر الأهالي كل يوم خلال الزيارة الأسبوعية أو النصف شهرية طعام يكفي الزنزانة كلها، وفي حالة كان هناك طعام فائض لا يمكن حفظه يتم سؤال الزنازين الأخرى في العنبر إن كانت تحتاج طعام فيتم إعطاؤه لهم، أما في حالة إذا لم تكن هناك زيارة في أحد الأيام فيتم الاعتماد على الطعام المخزن أو يتم طبخ أشياء بسيطة اعتمادا على الإمكانيات البسيطة في الزنزانة.

وهناك جدول يومي ينظم المسئولين عن خدمة السجناء، مثل تقديم الطعام لهم، إزالة مخلفات الطعام وتنظيف المكان بعد الأكل، تنظيف أواني الطعام، وغيرها، بحيث يكون هناك يوميا عضو أو عضوين يقومان بهذه المهام يوميا.

خلافات مبكرة

في بداية سجني تعرضت لمضايقات كثيرة داخل الزنزانة من المساجين المؤيدين لداعش لأني لا أصلي، وكان مسئول الزنزانة في هذه الفترة من الإخوان المسلمين، وقد كان يحدث نقاش بين أعضاء الزنزانة بعيدا عني حول عزلي من النظام المعيشي للزنزانة الذي شرحت ملامحه الأساسية في الأعلى المهم جدا لانتظام الحياة داخلها، فقد كانوا يقولون أن من لا يصلي كافر، ولا يصح للمسلمين أن يأكلوا مع كافر، وقد قررت في هذا الوقت خوض المعركة للنهاية فيما يخص حريتي الشخصية في تقرير ما أريد.

ومن جانبهم رفض الأعضاء المحسوبون على جماعة الإخوان المسلمين داخل الزنزانة عزلي كما أراد أنصار داعش، هناك منهم من قام بمناقشتي ونصحي بالصلاة، ووصلني من صديق حضر النقاشات أن أحد أعضاء الإخوان الأكثر تأثيرا قال لداعمي داعش أنهم إذا أخذوا قرارا بعزلي فهو سوف يأكل معي وليس معهم، وهو ما قاله لهم صديقي أيضا غير الإسلامي المنتظم معهم في الصلاة، مما أضعف موقف أنصار داعش ودفعهم للتراجع عن مطلبهم بعزلي، وإن حدثت مقاطعة بيننا على المستوى الشخصي لفترة، كان فيها باقي السجناء يتعاملون بشكل جيد جدا معي، بل كانوا يعطوني ما يتوفر لديهم من احتياجاتي من أساسيات المعيشة في الأيام الأولى قبل أن يتمكن أهلي من زيارتي وإمدادي بما أحتاج، مثل البطاطين وبعض المنظفات.

فرائس جاهزة

لاحظت أن العديد من أنصار داعش هم من ضحايا الاعتقال العشوائي أو من المتظاهرين صغار السن ضحايا قانون التظاهر1. أو ضحايا تلفيق النظام تهم لهم، حيث كانوا غير موالين للتنظيم عند اعتقالهم، نعم بعضهم كان عنده مشكلة مع النظام لأنهم يعتقدون أن ما حدث في صيف 2013 هو انقلاب عسكري على الثورة، وبعضهم نزل للمظاهرات رفضا للمجازر التي حدثت بعد الانقلاب، وبعضهم كان عابر سبيل وقت حدوث المظاهرة فتم القبض عليه بدون مشاركة فعلية منه فيها، وبعضهم تم القبض عليه لأنه صديق لمتظاهر واتصل به بالمصادفة وقت القبض عليه؛ الشيء المشترك أن الكثير منهم لم يكن عضو في تنظيم إسلامي وقت القبض عليه.

الكثيرون منهم لم يكونوا يؤدون حتى العبادات الأساسية في الإسلام مثل الصلاة وقت القبض عليهم، بعضهم كان يدخن السجائر وربما الحشيش، وبعضهم كانت له صديقات، ثم مع شدة الظلم الذي تعرضوا له بالقبض عليهم دون جريمة حقيقية ارتكبوها، ومع التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له في التحقيقات حتى يعترفوا بجرائم لم يرتكبوها وعلى أشخاص ربما لا يعرفونهم، ثم مع قرارات بالحبس طويلة وممتدة ربما لا يعرفون نهايتها، وربما مع حكم جائر طويل بعد ذلك في القضية الملفقة لهم، يصبحون ناقمين بشكل تام على الدولة التي قمعتهم وأجهزتها وكارهين لها وهم يرون أن مستقبلهم يضيع وحياتهم تتلاشى وهم مراهقين أو على أعتاب فترة الشباب، خاصة وهم لا ينتظمون في مجموعة لها أيدلوجية واضحة واستراتيجيات محددة ولا يحملون رؤية للتغيير يمكن أن يفهموا سجنهم كتضحية في إطار صراع ممتد مع النظام من أجل تحقيقها، يقابلون في داخل الزنازين من يستقبلهم من أصحاب الفكر الجهادي والداعشي من يفوقوهم خبرة بالسجون وأوضاعها فيشعرون أنهم بحاجة إلى القرب منهم لكشف خبايا هذا العالم المجهول المليء بالرعب بالنسبة لهم في حوزة نظام لا يرحم، فيبدأ التقارب بعد أن سلمهم لهم الأمن المصري كفرائس جاهزة للتجنيد.

أحيانا يقول لهم هؤلاء الجهاديون أنه إذا كانت حياتهم ستنتهي في هذا السجن فالأفضل لهم أن تنتهي بهم إلى الجنة، ويدعونهم إلى الانتظام معهم في العبادات والدروس الدينية التي كثيرا ما تتطرق إلى أمور الدنيا، وربما إلى السياسة حيث يُصَوّر لهم أن الصراع القائم ما هو حرب إلا ضد الإسلام، وأن الانقلاب العسكري حدث ضد مرسي لأنه رئيس إسلامي وإن كانوا ينكرون عليه ارتضاؤه بالديمقراطية والانتخابات التي هي شرك بالله وإرضاء للغرب الكافر فاستحق السقوط.

قابلت من مؤيدي داعش من حكى أنه كان يدخن الحشيش قبل سجنه و أنه كان منتظما في شرب السجائر بعد السجن حتى قابل من قاموا بهدايته (جذبه لأفكار داعش) وكانت هذه هي بدايته للإقلاع عن التدخين والالتزام بالعبادات في الإسلام، وكان نفس هذا الشخص متشددا جدا ضد من يدخنون داخل الزنزانة رغم أنهم كانوا يدخنون في المكان المخصص لذلك عند شباك مفتوح للتهوية حتى لا يؤذي الآخرين، وكانت الادعاءات لمنع التدخين وتحجيمه هي الحرص على صحة باقي المساجين غير المدخنين من دخان السجائر، ولكن حدثت في مرة ذلة لسان من أحد الإسلاميين أن مشكلته من السجائر أنها حرام عندما كان يدافع في نفس الوقت عن إعداد بعض أنواع الطعام الأخرى التي تطلق دخانا شديدا وقت إعدادها.

العلاقة بين أعضاء الإخوان ومؤيدي داعش

كان واضح بشكل جلي أن هناك توتر بين المجموعتين، وكان الخلاف الأبرز منصبا حول موقفين أساسيين: الأول كان حول الموقف من العملية السياسية والديمقراطية وهو ما سأوضحه بعد قليل، والثاني كان حول موقف المجموعتين من العنف والعمليات المسلحة، فأنصار داعش يرحبون بأي عنف يمارس ضد الدولة أو ضد الأقليات الدينية أو بالتفجيرات التي كانت تحدث في الغرب، في حين كان الإخوان ينزعجون من قتل المدنيين باختلاف انتماءاتهم الدينية والسياسية، وإن تباينت مواقفهم من العمليات التي يتم قتل أفراد من الدولة وخاصة الشرطة أو الجيش فيها، فبعض المؤيدين للإخوان كانوا يفرحون بها وكانوا يرون أنها وسيلة ردع ضد القمع الممارس ضدهم من الدولة، بينما كان ينزعج بعضهم من هذه العمليات حيث أنها تورطهم في صراع لن يكسبوا منه شيئا.

وفي السجن قابلت أحد أعضاء أحد الخلايا النوعية، وهي خلايا شكلها أعضاء من الإخوان وربما مع أعضاء من المتعاطفين دون أن تكون ذات صلة تنظيمية بجماعة الإخوان، التي كانت متبنية فكرة تخريب المنشآت الاقتصادية للنظام ورجال الأعمال ـ وليس القتل ـ كشكل من أشكال المقاومة كما قال لي هذا العضو لهدف استراتيجي هو زعزعة استقرار النظام، ورغم أنه كان متحمسا جدا سابقا لهذا التكتيك ضمن تكتيكات أخرى لنفس الهدف إلا أنه أبدى ندمه عليها وقت مقابلتي له من وجهة نظر سياسية تكتيكية، حيث أنها لم تكن تكتيكا ناجحا وسببت خسائر لهم.

على الجانب الآخر كان مؤيدو داعش يشبهون الإخوان أحيانا في نقاشاتهم ب“الدجاج” لأنهم يساقون للسجون في مظاهراتهم السلمية التي قاموا بها بعد الانقلاب دون أن يقاوموا النظام بشكل مسلح كما تفعل جنود الخلافة – داعش -، وكانوا يسخرون كثيرا من شعار الإخوان “سلميتنا أقوى من الرصاص”، وكان منهم من يستخدم العمليات المسلحة التي تقوم بها داعش لإثبات أنهم على صواب ضد الإخوان في النقاشات بل وبطريقة المكايدة أحيانا.

أثناء النقاشات والمشاحنات سمعت جدالات كثيرة بينهم حول آيات الجهاد وقتل الكفار وتفسيراتها، وسمعت جدالات أخرى حول تعريف الكفار بينهم، ورأيت احتداد النقاشات وسخريتهم من بعضهم البعض، وكان مؤيدو داعش يدعمون القتل ويأتون بالآيات القرآنية التي تدعم وجهة نظرهم، في حين كان الإخوان ومؤيدوهم يدحضون هذه الآيات بآيات أخرى أو بتفسيرات مختلفة لنفس الآيات.

فيما يخص الموقف من الديمقراطية والعملية السياسية، كان مؤيدو داعش يقولون إن الديمقراطية والانتخابات كفر، وأن محمد مرسي كافر، وكان هذا يسبب خلافا قويا بينهم وبين الإخوان ومحبيهم. فالإخوان قد كانوا يرون أنه يمكن استعادة المسار الديمقراطي أو الثوري بالتعاون مع القوى السياسية المدنية الأخرى المناهضة للانقلاب العسكري، وقد تطرقت بعض النقاشات حول مراجعة سنوات الثورة وأخطائها حتى حدوث الانقلاب وأخطاء التيارات السياسية المختلفة وفي القلب منها الإخوان المسلمين، وقد ذكر لي أحد القيادات الوسطى بالجماعة أنه رأي بعض الأخطاء من قبل الانقلاب أثناء فترة حكم محمد مرسي وحاول لفت الانتباه لها من خلال الكتابة الداخلية حولها لإصلاحها ولكنه فشل، بينما كان مؤيدو داعش يرفضون العملية السياسية برمتها والحل الوحيد من وجهة نظرهم هو من خلال تنظيمهم المسلح وعملياته حتى الوصول للسلطة وتطبيق شرع الله، وكانوا يعيبون على الإخوان مواءماتهم السياسية من أجل الوصول لهدفهم وهو دولة الخلافة من خلال العملية السياسية.

وكانت أخبار المشاجرات بين أنصار داعش والإخوان المسلمين في سجون طرة خاصة سجن الاستقبال - منتشرة في صيف 20162 وكان الكثيرون من المعتقلين السياسيين يسمعون بها في عربات الترحيلات وفي المحاكم وقتها.

أما فيما يخص محاولات إحكام السيطرة على الزنزانة، فقد كانت هناك صراعات مستترة وتكون أكثر وضوحا أحيانا بين أعضاء جماعة الإخوان ومؤيدي تنظيم داعش في السيطرة على مواقع المسئولية داخل الزنزانة، خاصة موقع مسئول الزنزانة الذي له صلاحيات تنظيمية وإدارية أعلى، وأثناء فترة سجني كان مسئول الزنزانة في فترة عضو في جماعة الإخوان، ورأيت كيف كان مؤيدو داعش يفتعلون المشكلات معه، ويتهمونه أحيانا بعدم الحسم حتى يبعدوه عن موقعه، وبالفعل استطاعوا الضغط عليه حتى أخذ قرارا بالابتعاد عن الموقع وتمكنوا من فرض شخص آخر ـ أقل قدرة على الحسم منه ولكنه أقرب لهم ـ لموقع المسئولية، وكان أيضا كل طرف يحاول جذب أعضاء أقرب لأفكارهم للزنزانة التي يوجدون بها وبذل مجهود كبير من أجل نقلهم إليها من الزنازين الأخرى لإحكام السيطرة وبسط النفوذ عليها عندما تكون الكفتين متقاربتين ويحاول الطرف الآخر جاهدا عرقلة انتقال السجين المنتمي للمعسكر الآخر إلى الزنزانة، وكان مؤيدو داعش هم من يقومون بذلك بتركيز أكبر في الزنزانة التي كنت بها خاصة فيما يخص جذب سجناء أقرب لهم أو مستهدفين منهم إلى نفس الزنزانة.

الصراع على تجنيد الأعضاء

كان هناك صراع مستمر بين الإخوان وأنصار داعش على الشباب صغار السن المؤيدين للمشروع الإسلامي بشكله الواسع أو المعارضين للانقلاب العسكري من خلفية إسلامية ولكنهم ليسوا إخوان، ونجح أنصار داعش في كسب العديد من الشباب الصغير المتحمس مع الوقت على أفكارهم الأكثر راديكالية، وأرى أنهم كانوا يتعمدون من وقت لآخر تصعيد الخلافات مع الإخوان لتوضيح أنهم أكثر جذرية وبالتالي جذب السجناء المتحمسين والناقمين على الدولة من صغار السن لهم، وكانوا يستخدمون من في الدعاية من أجل ذلك بعض العمليات التي نجح تنظيم داعش في القيام بها في سيناء أو في البلدان الأخرى في ذلك الوقت وفي نفس الوقت كانوا يستخدمون أخبار القهر الذي تمارسه الدولة ضد الإخوان خاصة قياداتهم كبار السن في السجون والمحاكمات والتصفيات في المنازل من الناحية الأخرى.

وكان مؤيدو داعش يستخدمون وسيلة أخرى في معركة فرض النفوذ داخل السجن وفي الصراع على السجناء صغار السن، حيث كانوا يرددون من وقت لآخر الأناشيد الجهادية الحماسية التي تتغني ببطولات وبقيادات جهادية سابقة أو حالية للعب على مشاعر الإسلاميين مثل الهتاف لأبي بكر البغدادي، أو لأسامة بن لادن رغم خلافات داعش مع تنظيم القاعدة ولكنهم داخل السجون يتقاربون كأصحاب أفكار جهادية.

وأثناء فترة سجني كان معنا سجين لأسباب سياسة تم القبض عليه في خلية نوعية دون أن تكون له أدني علاقة من قريب أو بعيد بهم، ولكن تم القبض عليه لأنه اتصل مصادفة بصديق له بعد أن كان في حوزة الأمن الوطني بعد القبض عليه مباشرة فقاموا بالذهاب لبيته والقبض عليه! وصديقه هذا تم القبض عليه لسابق القبض عليه في قضية سياسية أخرى في نفس المنطقة رغم عدم وجود أي علاقة بينه وبين الخلية النوعية محل التحقيق، ولكن الأمن المصري معتاد على القبض على كل من تم القبض عليه سابقا لأسباب سياسية عقب وقوع أحداث جديدة في نفس المنطقة! هذا الشخص لم تكن له أفكار جهادية سابقة على الإطلاق، وكان يدخن السجائر، وكانت له حياته التقليدية كشاب في الجامعة، في بداية معرفتي به داخل الزنزانة كانت علاقته بي جيدة جدا رغم عدم صلاتي على عكس من قاطعوني، ومع نقلنا لزنزانة أصغر أصبح أقرب فيها لمجموعة من مؤيدي داعش أصبح يتجنب التعامل معي إطلاقا واقترب الوضع من القطيعة رغم عدم وجود خلاف سابق بيننا، وأقلع عن شرب السجائر وبدأ يترك لحيته تكبر عن المعتاد في نفس هذه الفترة، وبدا واضحا تقاربا فكريا كبيرا بينه وبين مؤيدي داعش فيما يخص التكفير وفيما يخص الترحيب بالعنف، في هذه الفترة كان يجلس معهم كثيرا ويتقرب لهم، ما أثار انتباهي لاحقا هو أن أفكاره بدأت في التغير من جديد بعد أن تم إخلاء سبيل المجموعة الأقرب لأفكار داعش، وعاد يتكلم معي فيما يخص الزنزانة وشئونها وفيما يخص خارجها أيضا، في هذه الفترة كان الأقرب له سجين إخواني!

إخلاء السبيل

على عكس ما قد يفترضه البعض، فقد كان إخلاء سبيل المؤيدين لداعش أكثر سهولة من إخلاء سبيل الإخوان، ولن أصر هنا على النظرية التي تفسر ذلك من خلال القول أن الدولة تريد إطلاق سراح الجهاديين مؤيدي داعش لتستمر العمليات المسلحة ويستمر الإرهاب كفزاعة وبالتالي يستمر المبرر الأقوى للقمع الممنهج الذي تمارسه الدولة ضد معارضيها وعلى الأخص السلميين مع وجود منطق لهذه النظرية، ولكن في رأيي أن هذا ربما يحدث لسبب أكثر بساطة وهو عدم جدية النظام في التعامل مع الإرهاب لأن عنده أولوية أخرى وهي القضاء على المجموعات السياسية المنظمة ذات الجماهيرية والقادرة على خلق حراك في الشارع وفي القلب منها جماعة الإخوان وتحجيم شعبيتها لأنها منافس له على السلطة، بينما الجماعات المسلحة التي لا يوجد لها تنظيم شعبي ولا قاعدة جماهيرية حقيقية لذا فالنظام لا يراها تمثل تهديدا بالنسبة لسلطته وإن مثلت له أزمة مؤقتة، ولكن الأنظمة عادة ما تستطيع السيطرة على هذا النوع من التنظيمات والعمليات المسلحة التي يقوم بها مع الوقت.

فلأن أغلب مؤيدي داعش داخل السجن هم من الشباب صغير السن الذين تم تجنيدهم لأفكار التنظيم خلال فترة سجنهم، وهم غير معرفين للسلطات الأمنية بشكل جيد حيث أنهم لم يكونوا ينتمون لتنظيمات سياسية أو جهادية قبل سجنهم، ولأن أفكارهم تغيرت فقط داخل السجن وتحولت للأفكار الجهادية المؤيدة لتنظيم داعش، فالنظام لا يراهم عناصر خطيرة بعد أن قدمهم بنفسه للجهاديين، بعكس أعضاء الإخوان الذين كانوا يمارسون نشاطهم السياسي علنا قبل الثورة وخلالها وربما بعد الانقلاب ومعروفين جيدا للسلطة بمواقعهم التنظيمية من قبل سجنهم ويتشدد النظام ضدهم ويمعن في التنكيل بهم.

أين ستذهب هذه الأفكار؟

لا أرى أن هناك تغييرا ممنهجا في أفكار الإخوان نحو العنف في إطار تجربة سجني ومشاهداتي خلالها، ولكن هذا لا ينفي أنه ربما يكون هناك مثل هذا التغيير مع بعض الحالات وربما يكون هناك تأثير عكسي مع حالات أخرى وفق استعدادات وظروف شخصية معينة، بينما يكون الإسلاميون الذين لا ينتمون لتنظيم سياسي بعينه أكثر عرضه لمثل هذه التغيرات الراديكالية في الأفكار داخل السجن.

ولكن هناك سؤال آخر لا أجرؤ على طرح إجابة له الآن: إلى أين سيتجه هؤلاء الأفراد المحملين بأفكار داعش بعد خروجهم؟ هل سيخلعون هذه الأفكار على باب السجن في طريقهم للحرية حيث أنهم حملوها فقط بشكل انفعالي مؤقت وقت السجن؟ هل سيذهبون وينضمون لأحد التنظيمات المسلحة في سيناء أو خارج مصر خاصة إذا وجدوا نفسهم مهددين بإعادة حبسهم من السلطة كما يحدث عادة مع المعتقلين السياسيين أو إذا وجدوا الحياة مستحيلة حيث يتم التضييق عليه في العمل والدراسة بسبب سابق سجنهم وتضييق الأمن عليهم؟ هل سيبقون داخل المجتمع وهم يحملون نفس الأفكار دون أن ينضموا لأي تنظيم حتى تخف حدتها مع الوقت أو تأتي اللحظة المناسبة للانضمام لتنظيم يناسب تلك الأفكار؟ هل سيكونون على تواصل مع عناصر جهادية أخرى آخر السجن تمكنوا على الحصول على وسيلة تواصل معها وقت السجن؟ هل سيستمرون في الدعاية لنفس الأفكار كأشخاص دون الانضمام لتنظيمات؟ هل هناك احتمالات أخرى؟

حقيقة لا أدري، كل ما أعلمه جيدا أن الدولة المصرية مسئولة مسئولية مباشرة عن انتشار هذه الأفكار الجهادية الإرهابية بممارساتها القمعية واستسهال وضع الشباب في السجن الذي أصبح “مفرخة”3 لهذه الأفكار4

1قانون التظاهر: (أو قانون تنظيم التظاهر) هو قانون 107 لسنة 2013، أصدره الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور دون وجود برلمان، وقد قوبل باعتراضات كبيرة من القوى السياسية المعارضة للنظام مثل حركة 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين ومصر القوية وجبهة ثوار والعديد من النشطاء المستقلين وتم انتقاده أيضا علنا من بعض أعضاء الحكومة في ذلك الوقت مثل زياد بهاد الدين نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي وقتها، حيث أن هذا القانون يمنع عمليا كل أشكال التجمع والتظاهر والاحتجاج السلمي ويمنع الحملات الانتخابية أيضا، وتم القبض بموجبه على الآلاف من النشطاء والمعارضين السياسيين للنظام المصري

3لمزيد من الاطلاع: تحقيق سابق في جريدة الشروق المصرية يتحدث عن كيف أصبح سجن طره مركز حكومي لتجنيد الدواعش

4لمزيد من الاطلاع: تحقيق سابق في موقع القنطرة الألماني عن كيف أصبحت السجون المصرية مفرخة للإسلاميين