ذكريات جندي إسرائيلي في معركة الكرامة

حزيران 1967 حرب الأيام الستة التي لا تنتهي

في الحادي و العشرين من مارس/آذار 1968 شهدت معركة الكرامة مواجهة بين الفدائيين الفلسطينيين والقوات الأردنية من ناحية والجيش الإسرائيلي من ناحية أخرى، وكان هذا الأخير فائق التسليح ولكنه لم يتوقع المقاومة الضارية التي ألحقت بصفوفه العديد من القتلى والجرحى. وكان الشاب آلون ليال ضمن مجموعة ال120 دبابة التي أرسلت الى ساحة الحرب. إليكم شهادته عن عملية عسكرية مريرة.

من هو آلون ليال؟

ولد في يافا في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1948، وانضمّ الى الجيش الإسرائيلي في نوفمبر/تشرين ثاني 1966. في مارس/آذار 1968 شارك في معركة الكرامة.

التحق فيما بعد بالدبلوماسية فشغل منصب قائم بالأعمال في سفارة إسرائيل في تركيا ثم قنصل عام في أطلنتا ثم عُيّن سفيراً لإسرائيل في جمهورية جنوب إفريقيا. في عام 2000 تبوّأ مركز مدير عام لوزارة الخارجية في حكومة إيهود باراك. وشارك في مباحثات السلام التي لم تؤد لأي نتيجة بين إسرائيل و سوريا.

وهو اليوم محاضر في جامعة تل أبيب، والجامعة العبرية، والمركز المشترك بين الاختصاصات في هرتزيليا. وهو عضو في تنظيم “شالوم أرشاف” (السلام الآن)، كما ويشارك في الحملات الهادفة للدفع باتجاه اعتراف الحكومات الأوروبية بدولة فلسطين. ولقد اعتبره اليمين الإسرائيلي مؤخراً خائناً لبلده لأنه حضّ أعضاء حركة “كسر طوق الصمت” على ممارسة ضغوط على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حتى تُصوّت لصالح الدولة الفلسطينية

التحق آلون ليال بالجيش الإسرائيلي في نوفمبر/ تشرين الثاني 1966 وهو في التاسعة عشر. وينحدر من وسط عائلي يصفه “بالبرجوازي غير المُسَيّس” حيث لم يكن الجيش يحظى لدى أهله باهتمام كبير. بعد تدريباته وجد نفسه بمحض الصدفة نوعا ما في فوج الدبابات حيث تم تدريبه على سياقتها. ولحسن حظه التقى في مدرسة ضباط المدرعات بأميرام آران أقرب أصدقاء شبابه الذي كان معجبا بسطوة حضوره ونجاحاته مع الفتيات.

***

كان التوتر قد وصل مداه عندما أعلنت حالة الطوارئ قبيل بداية الحرب (يونيو/ حزيران 1967). وكان صديقي آميرام يقول لي أن أبويه كانا قلقين بشكل كبير ولكي يطمئنهما كتب إليهما: “ليس لكما ما تخشيان نحن لم نتمم تدريباتنا بعد، وسيرسلون الفرقة الموسيقية التابعة للجيش إلى الجبهة قبلنا”. كان ذلك مضحكا ومطمئنا وللأمانة فقد طمأنني ذلك أنا أيضا نوعا ما. قبل اندلاع الحرب بأسبوع بدأت مهماتنا. وكان قد تم إرسال جزء من جنود فوجنا نحو الوحدات القتالية في الجنوب وجزء آخر إلى القواعد الخلفية كنت من بينهم في حين أرسل آميرام إلى الجبهة.

وصلنا إلى جوليس، القاعدة الخلفية حيث تلقينا تدريباتنا في السابق. كانت القاعدة توجد في كريات مالاتشي على بعد بضعة كيلومترات من الحدود المصرية. كنا خائبين نوعا ما ينتابنا الإحساس بأننا بلا فائدة لأننا لسنا بالكفاءة المرجوة. وكلما ازداد خطاب الحرب اتساعا في الرأي العام كلما ازداد التوتر. وعندما اندلعت الحرب أخذت الأمور أبعاداً جسيمة. كان هناك، بما في ذلك لدى الجنود، خوف حقيقي من أن يتمكن المصريون من السير نحو تل أبيب.

في قاعدتي وقبل اندلاع الحرب تجمع كثير من الجنود أمام المخازن مطالبين بالأسلحة. رفض الضابط محاولا تهدئتنا، وفي الأخير لم نحصل على الأسلحة ولم نهدأ. وانتهت الحرب كما نعرف سريعا بانتصار ساحق.

تم تعييني في مجموعة مكلفة بفحص المدرعات المصرية التي تم تحييدها وجلبها إلى مكان تجميع. كنا نخشى على الخصوص أن تكون مفخخة وكان ذلك حال بعضها. وقد جرح بشكل خفيف أحد جنود سلاح الهندسة من مجموعتنا.

كانت هناك جثث متروكة داخل مدرعات مصرية وأخرى ملقاة على طول الطريق. وكثيرا ما كانت هذه الجثث قد بدأت في الانتفاخ بسبب الحرارة الشديدة.

قتلى 1967

ثم بدأت تصل الإشاعات الأولى حول الجرحى. وبعد أسبوع من بداية مهمة استرجاع المدرعات المصرية انقلبت الشاحنة التي كنت على متنها وجرحت جرحا خفيفا في الساق. ولم نعلم إلا بعد عودتنا من المستشفى إلى قاعدة جوليس بوفاة ثلاثة من رفاقنا في التدريب: معتوق وآميرام وجيورا شامير. أذكر بصفة دقيقة تسلسل الأسماء. كانت تنتشر آنذاك كثير من الإشاعات وكانت مشاكل تحديد الهوية قد تخلق الشك لذا كنت آمل أن تكون المعلومة خاطئة. ولم يكن هناك أحد يمكن التأكد منه عن صحة الخبر.

وبسبب جرحي، أرسلت إلى بيتي لفترة نقاهة بعد خروجي من المستشفى. وصلت إلى المحطة البرية لتل أبيب على عكازين، قذرا وغير حليق. كان الناس ينظرون إلي وإلى الجنود الآخرين العائدين إلى بيوتهم بإعجاب. لم أشاهد ذلك أبدا من قبل.. وكان الجميع يقترح المساعدة ويقترب لتقبيلي، لكن عائلتي كانت تحت تأثير الصدمة. وفي تل أبيب كانت الإشاعات المتعلقة بالجنود القتلى أكثر دقة. قتل أميرام أقرب أصدقائي في مدخل رفح في اليوم الأول للحرب. كان مساعدا للاتصال في عربة يقودها مدربنا العريف يوشوعة فريش الذي أصيب برصاصة مباشرة في القلب. أظن أنني لم أكن أستوعب الذي حصل جيدا. ففي سيناء كنت أرى يوما تلو آخر كثيرا من الجثث إلى درجة أن صارت أحاسيسي شبه مخدرة.

كانت بعض الجنائز قد أقيمت وقيل بأنه سيتم تنظيم تكريم عام في كيبوتس بيري قررت أن أحضره. كنت ما أزال أحتفظ بعكاز واحد ولكنني كنت قادرا على الحركة. وفي المقبرة المرتجلة كانت تسود فوضى عارمة، شققت لنفسي طريقا حتى عائلة آميرام عبر المئات وربما الآلاف من الأشخاص. كان هناك والداه، أخته، وحنة حبيبته التي كنت أعرفها أكثر من غيرها. ضمتني إليها وهي تبكي، كانت لي رغبة في البكاء أنا الآخر ولكنني كنت مرتديا الزي العسكري وبصفة غريبة فكرت أنه عليَّ ضبط نفسي. وكانت هناك قبور كثيرة منتشرة على جزء كبير من الكيبوتس.

كان يتعلق الأمر، وأذكر ذلك بدقة، بقبور مؤقتة. إذ كان الجميع يرددون بأن عمليات دفن ستنظم في مقابر عسكرية فيما بعد. زرت عائلة آميرام بتل أبيب رفقة زملائه في التدريب من آليانس فرانسيز حيث درس. لم يكن أحد يجد الكلمات المناسبة وأنا أكثرهم ومن هناك التحقت بالقاعدة.

عينت في فصل تكوين قادة الدبابات، وكانت نشوة الانتصار في أوجها. كنا نتلقى الدروس على دبابات سانت أوجون أو باتون. كنت أتعلم تسيير السنتوريون وأنهيت الدورة بتفوق وبدأت تدريباً كضابط.

عملية انتقامية

في 18 مارس 1968 انفجرت حافلة مدرسية من ثانوية جيمناسيا هرزليا (حيث درست) على لغم في جنوب البلاد فقتل اثنين من المرافقين ومنهما طبيب وجرح 28 تلميذ. وفي 20 مارس أرسلنا بدباباتنا إلى القدس. كانت وحدتي من ضمن عملية انتقام. قد زودنا القائد (الذي سيصبح فيما بعد جنرالا) بالتعليمات مقدما المهمة على أنها “سهلة جدا”.

كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد اتخذت مواقعها في الأردن في بلدة الكرامة الصغيرة. ولم تكن الحكومة الأردنية تنظر بعين الرضا إلى وجودها على أراضيها. “إنها مهمة للنزهة، فالجيش الأردني لن يقاتل إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية ولن يكون صعبا عليكم سحق الإرهابيين الفلسطينيين”.. تلك كانت عبارات قيادتنا. كما أُعلمنا أن الجيش سيقوم عشية العملية برمي مناشير باللغة العربية موجهة إلى السكان والجيش الأردني قصد توضيح هدفنا الذي هو إرهابيي منظمة التحرير الفلسطينية فقط وبأننا لن نتعرض لا للسكان ولا للجيش الأردني. كما تمت الإشارة إلى وجود ياسر عرفات في البلدة وأسندت مهمة القبض عليه إلى المظليين. نمنا في ذلك المساء على أرض المحطة بالقدس.

تم إيقاظنا نحو الساعة الرابعة صباحا ونقلنا في الحافلات إلى جسر إلنبي (نقطة عبور على نهر الأردن)، وكانت الدبابات تتبعنا فوق حاملات الدبابات. تركنا الحافلات بالقرب من الجسر لنركب الدبابات وهكذا عبرنا الجسر. وكان أغلب جنود وحدتي قد انتهوا لتوهم من دروس ضباط مدرعات. كنا معا منذ بداية خدمتنا العسكرية. عينت شخصيا كجندي مدفعي في حين أن تكويني الأصلي كان سائقا. وكان آميرام بيرنبوم وهو صديق من تل أبيب قائد دبابتنا.

كانت بلدة الكرامة تبعد بـ 10 كلم فقط عن الجسر. وبعد ربع ساعة من التوغل لم نصادف فيها أية مقاومة تراءت لنا المساكن الأولى للبلدة. كانت ترافق دباباتنا الثلاث قوة هائلة من المظليين ومنهم كومندوس من النخبة. ولما ظهرت المساكن والمسجد بدأنا في قنبلة خفيفة لمركز البلدة قصد تحييد أية مقاومة. ولا أذكر كمدفعي أنني تلقيت أوامر واضحة عبر الراديو. كنت أطلق نحو المكان الذي يبدو لي أنه الهدف. ولا يرى المدفعي سوى ما ينقله له المنظار وبالتالي لم تكن لي نظرة على المنطقة غير مكان نقطة التحديد في منظار الدبابة، ولم تكن تخرج في أغلب الوقت عن الطريق المؤدي إلى القرية. لم أستطع نسيان مشهد لفت انتباهي عند مدخل الكرامة. فعلى حافة الطريق الرئيسية كان يقف هناك حمار. ولسبب غير مفهوم رمى أحدهم الحمار الذي ارتعش لبضع ثوان قبل أن ينهار. كان أول ضحية في معركة الكرامة شاهدتها.

النزهة التي تحولت كابوساً

لكن عند مدخل البلدة تعرضنا إلى إطلاق نار مكثف. كان مقاتلون فلسطينيون يطلقون النار علينا من داخل البيوت وأيضا من الشارع. لم يكن في إمكاني رؤية المظليين من داخل الدبابة. كان من الأرجح أنهم كانوا ضمن مفرزات مدرعة وراءنا. وكان بعضهم يتنقل في سيارات خفيفة فرنسية أسرع بكثير من دباباتنا التقليدية. وكان هذا أول خروج عملياتي لهذه المركبات وقد تم تخصيصها لمحاصرة المداخل الشمالية والجنوبية للبلدة.

كانت نيران العدو تأتي من أسلحة خفيفة ورشاشات ولكنها كانت أكثر كثافة مما كنا ننتظر. وكان واضحا أن مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية يتحكمون في أغلب المباني على الطريق الرئيسية. ولم يكن هذا النوع من النار بالنسبة لسائق دبابة مقلقلا البتة. وقد حاول إرهابي أن يرتمي على إحدى دباباتنا قصد الصعود إليها ولكن لم يكن له أي حظ في النجاح. كان لا يمكن لأي جندي من المشاة كما هو حال مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية أن يتسبب لنا في أي ضرر مادام هناك أحد على برج الدبابة ولكن عند وصولنا وسط البلدة اهتزت الدبابة بعنف. كل الذين كانوا في البرج جرحوا وقد واصل السائق طريقه وبعد ثوان قليلة دوت انفجارات أكبر وامتلأ البرج بالنار والدخان.

كنا قد تعرضنا للرمي بقذيفتين من نوع “خالول” من دبابة أردنية متربصة في كمين وقد تمكن قائد الدبابة التي كانت خلفنا مناحيم شابيرا من تحديد موقع الدبابة الأردنية وتحييدها. ولكن الذي حصل كان مخالفا تماما لما كان منتظرا. فحسب معلوماتنا الأولية كان من المفروض أن لا تشارك الدبابات الأردنية في القتال. وكان علينا أن نستهدف بالمنظار مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية فقط. ولكن دبابتنا تعرضت لإصابة بليغة وكذلك جنود البرج.

السلوك الغريزي لمدفعي في دبابة تعرضت لإصابة هو الخروج بأقصى سرعة من البرج المشتعل الذي قد ينفجر في أي وقت، حيث كانت هناك كثير من الذخيرة داخل الدبابة. صعدت إلى أعلى البرج وتركت نفسي أسقط على الطريق من علو مترين ولكنني لم أتمكن من النهوض حيث أصيب ساقي بشكل كبير أثناء السقوط.

وبينما كنت أتعرض لنار كثيفة واصلت الدوران حتى حافة الطريق حيث ولدهشتي وجدت حفرة بحوالي متر من العمق ارتميت داخلها. بالنسبة لي كانت هذه الحفرة حظي. إذ لم يكن بإمكان مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية في البيوت المجاورة أن يصيبوني وأنا مختبئ فيها. ولكنني لم أكن قادرا على الحركة، وبدت لي الثواني القليلة التي بقيت فيها دهرا.

كانت حياتي مرتبطة مائة بالمائة بعوامل خارجية. وفي الأخير وصل الخلاص بسرعة. كنت في نصف وعيي ولم أكن أعرف كم مر من الوقت عندما أمسك بي مظلي فجأة وحملني على كتفيه وأوصلني على طول الحفرة حتى المحطة الطبية للكتيبة وهناك وضعني إلى جانب جرحى آخرين. كان أميرام بيرنبوم قائد دبابتي ملقى على يساري. كنت محظوظا جدا، أكبر شظايا القذيفة (13سم) التي مزقت شريان فخذي الأيمن بقيت محصورة داخل جسدي. وقرر آنذاك طبيب الكتيبة أن لا يخرجها في الحال. وقد أنقذ ذلك حياتي.

طلب أميرام بيرنبوم، الذي أصيب بحروق وأيضا بشظايا قذيفة، من الفريق الطبي أن لا يعلموا والديه: “إنهم مرضى وهم ناجون من المحرقة”. كنت مصدوما، لم يكن هناك أي سبب كي لا أبلغ أهلي ولكنني كررت ما قاله آميرام، وبسرعة نقلتنا فيما بعد مروحية إلى مستشفى هداسا في عين كرم. كنت مصابا بحروق في الوجه ومليء بشظايا قذيفة في الجزء العلوي من جسدي على الخصوص، كما تمزقت طبلة أذني اليمنى وفقدت السمع منها. تم إخراج أكبر وأخطر الشظايا من فخذي اليمنى وتم تعويض الشريان الفخذي بمجازة لنقل الدم إلى الطرف السفلي، وبفضل سلسلة من العمليات تمكن الأطباء من تفادي البتر.

وبعد العملية الجراحية الثالثة أو الرابعة قللوا من كميات مواد التخدير وكان الألم فظيعا. وعاد الحديث يدور مرة أخرى حول البتر غير أن قرار القيام بعملية قطع ودي جعلت الدورة الدموية تعود إلى رجلي مما أنقذ الموقف.

كان المستشفى يغص بالجرحى ومنهم من هم في حالة خطيرة. وكان قد قتل خلال العملية 28 من مقاتلينا وتركت ثلاث جثث في الدبابات المحروقة. وأنقذ دبابتنا سائقها الذي لم يصب. وفي قسم جراحة الأعصاب كان بجانبي المظلي غابي روبنفيلد يصارع الموت وقد توفي بعد ذلك بشهر. ووصل عدد القتلى بعد ذلك إلى 35. أعطيت الإذن بإبلاغ والديَّ بإصابتي وجاءا على الفور وتناوبا على الجلوس عند سريري.

“تقصير إعلامي”

كان تعاطف الرأي العام مع الجنود كبيرا وهو ربما من بقايا حرب حزيران 1967، لكن حصيلة المعركة تركتنا جميعا في حالة صدمة. فالعملية العسكرية التي ستعرف فيما بعد ب“معركة الكرامة” كانت أصعب مما كان منتظرا. فقد تحولت هذه العملية التي قدمت لنا على أنها نزهة إلى فاجعة. ووصلت خسائرنا إلى 35 قتيلا والعشرات من الجرحى. وكون أن القوات الفلسطينية والأردنية كانت قد تكبدت خسائر أثقل لم يكن ذلك ليواسينا. وراح الرأي العام، الذي كان يرى أن المشاكل الأمنية بعد انتصار 1967 قد حلت، يطرح أسئلة كـ: لماذا هذا العدد الكبير من القتلى؟ لماذا لم يتم القبض على عرفات؟

أعلنت الحكومة الإسرائيلية بإصرار وقوة أن العملية كانت ناجحة مشيرة إلى الذين بقوا غير مقتنعين أن هناك “نقص في الإعلام”. فقد كان الخطاب الرسمي يتمثل في القول بأنه عمليا كان هناك انتصار لكن “التبليغ” حول العملية كان فاشلا. وأنه تم ترك المسرح الإعلامي لأعدائنا وبالتالي لم يأخذ الانتصار العسكري معناه الكامل.

وبالنسبة إلي، ولقد أصبحت فيما بعد دبلوماسيا، كان التحجج ب“العجز في الإعلام” مع الوقت حجة متكررة على أفواه القادة وقوى الأمن بل وحتى لدى الرأي العام. وعندما أنظر إلى الوراء بعد مضي خمسين سنة تبقى مرحلة 1967 ـ 1968 متميزة بموت أصدقاء مثل أميرام آران (ولتكن ذكراه مباركة) وكذلك الجروح التي أصبت بها، وهي أحداث تركت بصمتها في حياتي. وولجت في الأخير إلى الموقع الرسمي للجيش الإسرائيلي باحثا عن معلومات عن العريف آران، وقد قال عنه آنذاك مدير آليانس فرانسيز حيث درس: “من كان يصدق بأن يكون مصير آميرام قد خصص له الشرف، الشرف العظيم لكل إنسان، في أن يقدم حياته في التاسعة عشر للدفاع عن شعبه وبلاده”. الشرف العظيم لكل إنسان؟! قرأت وكررت هذه الجملة وبقيت مشدوها. وبالرغم من أن إسرائيل ليست أقل وطنية منذ 50 سنة أشك في أننا يمكن أن نقرأ جملة مماثلة مرة أخرى.

فعلى المستوى التاريخي تشكل معركة الكرامة حلقة هامة، إذ كانت الإبرة التي فقعت فقاعة الثقة والغطرسة اللامحدودة لقادة تلك المرحلة. كما جاءت حرب يوم الغفران في أكتوبر 1973 الضربة الثانية. فبالنسبة للفلسطينيين اعتبرت المعركة انتصارا وشكلت تحولا هاما، فالجيش الأردني قاتل إلى جانبهم وكبدوا الجيش الإسرائيلي “تساحال المُروّع” خسائر ثقيلة. فخطأ الإستخبارات الإسرائيلية بخصوص سلوك الأردنيين وتحقير العدو وإرادته وكذلك مسألة ترك دبابات محترقة وجثث جنود في الساحة كانت عوامل تمثل بداية للانتقاد وسمحت باستعادة القوة المعنوية للفلسطينيين. وحتى يومنا هذا ما زال يُنظَر إلى الكرامة على أنها أول انتصار حققه الفلسطينيون على الإسرائيليين.

وهنا في إسرائيل بعد خمسين سنة لم يعد أي كلام يدور عن هذه المعركة ولا أذكر أنه خلال الثلاثين سنة الأخيرة قام القادة أو الأصدقاء أو المقاتلون بلقاء للتذكر أو الاحتفال بالكرامة، وبالمقابل يتم الاحتفال بحرب الستة أيام وغزو القدس بصخب كبير إلى حد أن السلسلة الساخرة الأكثر شهرة في البلاد والتي تحمل عنوان “البلد العجيب” تهكمت مؤخرا كون أن السنوات التسع عشرة الأولى من حياة إسرائيل (سنوات ما قبل غزو الأراضي ل1967) قد محيت من الذاكرة. فالقادة الحاليون لإسرائيل يفضلون رواية “إسرائيل الكبرى” مع الضفة الغربية والقدس موحدين إلى حد أن الاحتفال بالذكرى الخمسين لحرب 1967 كان أهم وأكبر من الاحتفال بإنشاء دولة إسرائيل في سنة 1948.