أنشودة الأمل في عتمة الليل

تقاطع، أسطوانة تانيا صالح الأخيرة

تانيا صالح مغنية ومؤلفة وملحنة ورسامة في ساحة الفن العربي المعاصر المسمى بالبديل. ولقد سعت منذ بداياتها عام 1990 الى اختبار أشكال جديدة من التعبير سواء أكان ذلك على صعيد الموسيقى أم الغناء أم الرسم (الغرافيك) الأمر الذي جعلها تبتدع عالماً خاصاً مميزاً فريداً من نوعه. ويُعتبر عملها الفني الأخير “تقاطع” مثالاً حياً على روح التجديد هذه، فهو يزاوج بين الشعر والموسيقى العربية الكلاسيكية والأصوات الإلكترونية الحديثة ورسوم الجداريات المعروفة بالانكليزية بال ستريت آرت.

تتابع تانيا صالح، المغنية اللبنانية التي تجمع بين بريق النجوم وبساطة الناس الطيبين القريبين من الشعب، مسيرتها الخاصة، خارج الأطر التقليدية.

تشهد على ذلك أسطوانتها الأخيرة الصادرة في أكتوبر/ تشرين الأول : مثيرة للدهشة، مؤثرة ... ومتوفرة بشكل مجاني على الانترنت

سألتُ تانيا صالح: “لماذا تم وضع هذا العمل الفني برمته مجاناً في متناول الجميع؟” فجاء جوابها مفاجئاً: “لم يعد بيع الأسطوانات هو المحرك في عالم الفن بل القدرة على المشاركة في مهرجانات دولية لها قيمتها”.

ويعتبر “تقاطع” فعلاً عملاً فنياً ذَا قيمة عالية، يجمع بين موهبتي الموسيقى والرسم لدى فنانة تتلاعب بأشكال التعبير بحرية كبيرة وبشيء من الدعابة، كما يُبين لنا الشريط الذي يقدم مجموعتها الجديدة (والذي يدوم 15 دقيقة)

YouTube

وكما نرى ذلك أيضاً في شعار الريشة والمايكرفون المتقاطعين على غلاف الأسطوانة

إلا أن “تقاطع” هو أيضاً عملية تفاعل خصب بين التراث الشرقي والموسيقى الإلكترونية أنتجت عالماً صوتياً فريداً من نوعه تلتقي فيه النغمات الهادئة بألحان الجاز، بالنبرات الغجرية، بالإيقاعات السريعة المتلاحقة، بالهمسات، بالأصوات الإذاعية، بشتى أنواع الصدى المتواتر الى ما لا نهاية على قمم افتراضية. كما أن “تقاطع” هو عبارة عن حلف رائع بين الشمال والجنوب عبر دعم منتج نرويجي لفنانة لبنانية، بعيداً عن روتين الترويج التجاري للمطربات الشهيرات في العالم العربي.

ولكن “تقاطع” هو، فوق هذا وذاك، لقاء الشعر بالسياسة في أنبل معانيها.

والشاعرية في هذا العمل مكثفة للغاية، تنبع من التوزيع الموسيقي المثير (من أداء خليل جدران) كما تنبع من التفنن بموسيقى اللغة نفسها، فالغناء هنا يبرز جمالية الكلمة ويزيدها اتساعاً وبعداً كمن يمنحها ظلالاً ممشوقة باسقة. وتتجلى شاعرية اللغة العربية هنا بالتناغم التام بين الأشعار بالفصحى (التي يفترض بها أنها تعبير عن كل ما هو بليغ ورسمي ورصين)، وتلك المكتوبة باللهجة العامية (والتي يقال فيها عموماً إنها أكثر التصاقاً بالحياة اليومية والمشاعر الحميمية)، والروعة هنا أن كلا الأسلوبين متوافقان تماماً، الى حد أنهما يتبادلان الأدوار أحياناً، فترى الفصحى تعبر عن مشاعر حميمية للغاية (“تعال لنحلم ...) في حين ترتقي اللهجة الدارجة الى هيبة النشيد الوطني في قصيدة”لا سلام ولا كلام".. كما تنبع الشاعرية أيضاً من أصداء خطابات سياسية غابرة بصوت“الريس” جمال عبد الناصر ، وهو الصوت الذي ما زال يراود الشارع العربي.

ويمكن اعتبار هذا العمل الفني حقاً تحية إكبار للشارع العربي، سواءً أتمثلت هذه التحية برسوم الجداريات ذات الرسائل الشبيهة بالمنشورات أم بإعلاء صوت شعبي حائر بين تناغم ونشاز، أم بكلمات أشعار ملتزمة من وضع أحمد فؤاد نجم وغناء الشيخ إمام

"الشارع بيتنا وغنوتنا

والشارع أعظمها مغني

من لحم الشارع كلمتنا

على لحن الشارع بنغني"

“يأس مؤدب”

وتشير هذه القصائد الواردة من كافة أرجاء العالم العربي، ومن ضمنها قصيدتين بقلم الفنانة نفسها، إلى حيرة الوطن العربي أمام “تقاطع” طرق، في مواجهة الخيارات الصعبة حول مصيره. ولقد جاء أداء تانيا صالح لهذه الأشعار أداءً دقيقاً حساساً، يتلون بلون الرثاء تارة وبلون الدعابة تارة أخرى.

هذه الدعابة التي وصفها كريس ماركر إنها “يأس مؤدب” تجد خير مثالٍ لها في أغنية "خناقة مع الله

فهي تبدأ بتقليد طريف لأغنية وديع الصافي “لبنان يا قطعة سما”، تكاد تُرتلها تانيا صالح ترتيلاً بصوت عذب ملائكي، فتتحول بسرعة الى حوار عادي جداً بين أحد العِباد من اللبنانيين وربه، يشكو فيه اللبناني بمرارة المصير البائس الذي وصل إليه بلده، فيؤنبه الله بكل عطف ومحبة على ادعاء هذا الشعب وجنونه الذي جعله يبتدع ما يقارب من اثني عشر إلهً لتبرير حروبه الأهلية، مخاطباً إياه بعبارة “إنتو اللبنانجيي” وهي كلمة ظريفة منحوتة باللهجة العامية فيها نفحة كاريكاتورية تفيد معنى الحزب المتطرف بوطنيته.

« Homeland »

أما زال الأمر يتعلق بلبنان في الاغنية التي تحمل عنوان “قول لي كيف بروح؟” والتي تبدأ بصوت مذيعة أميركية تلوك تعليقاً مبهماً عن “هذا البلد الصغير، لبنان” أم أن الأمر بات يشمل الوطن العربي بأسره ويعبر عن حالة الضياع أمام فقدان حلم الوحدة العربية ؟ فالأسلوب المازح هنا يشي بالحيرة التي انتابت المتحدثة :“ما عم بفهم شي من شي” ومن حدة تساؤلاتها حول “مين مع مين؟” أمام تعدد الميليشيات والحروب، وبؤر التوتر والنزاعات

"من الخرطوم لحلب

من الرباط لشط العرب

أي تاريخ عم ينكتب

قل لي كيف بروح؟"

وفي إشارة لا لَبْس فيها إلى انكسار الثورات العربية، مع أن هذه القصيدة لبدر شاكر السياب -تنتمي لحقبة سابقة من الزمن، يتحول الغناء أنيناً:

"يا أيها الربيع

ما الذي دهاك

جئتَ بلا زهر

جئتَ بلا ثمر

وكان مبتداك

مثل منتهاك

يا أيها الربيع

ما الذي دهاك"

وتبرز فجأة وسط القصيدة كلمات أغنية خفيفة راقصة لسعاد حسني، نجمة الستينات المصرية:

"الدنيا ربيع

والجو بديع

قفّل لي على كل المواضيع

مفيناش كاني

ومفيناش ماني

كاني ماني إي؟؟

دي الدنيا ربيع !"

إلا أن نهاية الأغنية تقلب المرح السطحي شجناً وأسى بمجرد أداء الكلمات إياها بدندنة حالمة.

ويتراءى لنا هنا البعد المأسوي للربيع العربي الخاطف، الذي أبصر النور في “غابة” لا عدل فيها، كما في قصيدة جبران خليل جبران

وفي ربوع شرق “فيه جو منور والفكر ضلام”، كما في قصيدة بيرم التونسي

وفي عالم حيث “الحزن ما بيخلص؟” كما تقول المغنية

“حتى أرضي .. كأهاليها منفية”

عالَم يبحث بأسى عن هويته في كلمات القصيدة اليمنية لعبد الله البردوني التي تكتسي مغزى رهيباً على ضوء أحداث اليوم:

"من أين أنا

من يدري

أوَ ليست لي جنسية؟

(...)

حتى أرضي يا أرضي

كأهاليها منفية

عربي لا تعرفني

حتى الدنيا العربية"

« Sewing the Arab world »

وكأن الهوية العربية نزلت عليها لعنة لا تفارقها، كما توحي بذلك قصيدة نزار قباني “دمشق”

"ما للعروبة تبدو مثل أرملة

أليس في كتب التاريخ أفراح؟"

وبصوت هامس يكاد يختنق في الحنجرة، تغني تانيا ترنيمة بسيطة باللهجة العامية، ترتقي بفضل خشوع أدائها الى مصاف الأناشيد الوطنية “

”يللي ماتوا للحرية وعمرن ما عاشوهاكتبوا لغيرهن غنية هن ما غنوها"

ومع ذلك وبالرغم من الحزن المهيمن ، فنحن نلمس في هذه المجموعة نسمة رقيقة من الأمل، وشفافية طفولية تذكرنا بمرح الفتيات المتمردات في الأفلام المصرية القديمة باللون الأسود والأبيض، اللواتي كن يواجهن قساوة الشارع ويتغلبن على كل الصعاب (الطفلة المدعوة فيروز في فيلم ياسمين، و نعيمة عاكف في صغرها في فيلم أربع بنات وضابط، ولبنى عبد العزيز في فيلم الشحاتين)، ووبنفس روح المرح والدعابة يزدحم كليب" الأغاني بصور النساء في كل حالاتهن، من ملكات جمال العالم في زمان عتيق باهت اللون الى النساء المحجبات ذوات الزِّي المتناقض الى النساء الباحثات عن نور العلم... ويأتي صوت الكاتبة جمانة حداد تلقي بنفسها قصيدتها “أنا، ليليت”

على خلفية نغم بعيد، ليعلن استعادة المرأة سلطانها على جسدها ومصيرها، في حين يدوي في مكان آخر صوت جمال عبد الناصر في مقطع من خطاب حماسي يشيد بالمرأة التي تعمل.

كذلك نلمح الأمل جذوةً لا تنطفيء في أغنية الشيخ إمام المفعمة بالعنفوان الشعبي

"حنغني

ودايماً

حنغني

ونبشر بالخير ونمنّي

ونلف الدنيا الدوارة

على صوت النغمة الهدارة"

كما وتأخذنا نشوة البهلوان في شعر صلاح جاهين

"غمض عنيك وارقص

بخفة ودلع

الدنيا هي الشابة وانت الكدع

تشوف رشاقة خطوتك، تعبدك

لكن إنتَ لو بصّيت لرجليك

تُقع..."

أمل مؤجل الى حين

حتى الحنين يصبح نوعاً من الأمل المؤجل الى حين، في شعر نازك الملائكة

"تعال لنحلُم

إن المساء الجميل دنا

وليل الدجى

وخدود النجوم تنادي بنا"

(...)

سنحلم

أننا نسير الى الأمس

لا للغد

وأنا وصلنا الى بابل ذات فجر ندي

نبض الحياة هذا نلمسه أيضاً في كلمات محمود درويش البسيطة الصافية، التي يمنحها صوت صالح نبرةً رقراقة

" فرحاً بشيء ما

خفيّ

كنت أمشي...

حالماً بقصيدة زرقاء

من سطرين

كنت أمشي..."

«Peace man »

هذا الأمل الخافت العنيد في آن معاً، يشكل البداية والنهاية في أسطوانة المغنية وعندما نسألها عما تتمنى أن يظل في الذاكرة من عملها لا تتردد في القول:“الحب. هو المُلهم الأساسي بالنسبة لي، في كل عمل أقدمه. هـو المحرك. الحب يصنع المعجزات”.

هذا الأمل الذي لا يصيبه الملل يذكرنا بالأبيات الأخيرة في قصيدة الشاعر والكاتب الفرنسي لويس أراغون، التي تحمل عنوان:“ما من حب سعيد أبداً”

"وحبّك أنتِ

كحب الوطن

يحيا بالدموع أبداً

وما هم؟ فهو حبنا معاً"

وبصوت تانيا صالح يأتي الرد على قَوْل أراغون عبر كلمات توأم له في مناجاة الحب، الشاعر الفلسطيني محمود درويش:"

يا حب

لا هدف لنا

سوى الهزيمة في حروبك

فانتصر

أنت انتصر

وعد إلينا

خاسرين

وسالماً"