التاريخ

باريس وسياستها التائهة في دمشق

“شيراك والأسد والآخرون”- حول العلاقات الفرنسية السورية منذ 1946 · اضطرت فرنسا إلى إعادة رسم سياساتها بخصوص سوريا بعد الانتفاضة الشعبية في 2011. ولفهم الميكانيكيات التي ولّدت الوضع الدبلوماسي الحالي، ترجع المؤرّخة مانون نور طنّوس في كتابها الصادر مؤخرا “شيراك والأسد والآخرون” إلى تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين منذ نهاية الانتداب الفرنسي على سوريا (1920 ـ 1946) محاولة الإجابة على الأسئلة الكبرى: على أي أسس بنيت العلاقة الفرنسيةـ السورية؟ كيف يمكن تفسير تقلّباتها وأزماتها؟ من هي الأطراف الفاعلة فيها، ومن هي الأطراف التي تتدخّل فيها؟

بشار الأسد وزوجته في باريس 14 يوليو/تموز 2008
SZ Photo/Giribas Jose/Alamy Stock Photo.

سوريا ليست شريكا سهلاً، ولقد خاض إيمانويل ماكرون التجربة في شهر كانون الأول / ديسمبر 2017. في مقابلة أجراها على المحطة الفرنسية الثانية، قدّر الرئيس الفرنسي أنّ الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية ستنتهي بانتصار في سوريا قبل نهاية شهر فبراير/شباط، وأنَ “بشار سيكون هناك”. وبناء عليه “لا نستطيع القول: لا نريد محادثته” ولكنّه أضاف في الوقت ذاته أنّ الرئيس السوري “سيحاسب على جرائمه أمام شعبه، وأمام المجتمع الدولي”. ولكون استيعاب الأفكار المعقدة ليس من اختصاصات بشار الأسد، فإنه لم ير تغييراً بالمقارنة مع حقبة فرنسوا هولاند. ورد على الفور قائلاً إن فرنسا لا تملك الحق بالكلام: “فرنسا كانت رأس الحربة بدعم الإرهاب، ويدها غارقة في الدماء السورية منذ الأيام الأولى”. أقوالٌ اعتبرها ماكرون بدوره “غير مقبولة”.

“سياسة نفوذ”... صدئة

إلا أنّ الموقف الفرنسي يشير إلى رغبة في أن تلعب سوريا من جديد دوراً في سياسة فرنسا الخارجية، بهدف المشاركة في مفاوضات السلام التي تتأرجح بين جنيف وأستانة في كازاخستان. بالنسبة لفرنسا يتعلّق الأمر بالاعتماد على سوريا لاستعادة مكانة في الشرق الأوسط، أكثر مما يتعلق بإعادة إحياء العلاقات الثنائية. خصّصت مانون نور طنوس1 لإيمانويل ماكرون فصلاً كاملاً في كتابها شيراك والأسد والآخرون، الذي أشاد به هنري لورانس في مقدمته، معتبراً إياه “نموذجاً علمياً”. تحاجج المؤرخة بأن قادة سوريا وفرنسا سعوا دائماً إلى الاعتماد واحدهم على الآخر، دون أن ينجحوا في تأسيس علاقة حقيقية. فرنسا من ناحيتها، كانت تريد استخدام سوريا لتكون في المشهد الشرق أوسطي، بشكل رئيسي في وجه القوة الأمريكية. أمّا سوريا، فكانت تريد استخدام فرنسا لمحادثة الولايات المتحدة. يختصر المسؤول السابق في الاستخبارات الخارجية الفرنسية، آلان شويت، الوضع بعبارات مقتبسة في الكتاب: “لجميع بلدان المنطقة حلم وحيد: محادثة الولايات المتحدة على انفراد. ولكن، نظراً لشعورهم بالضعف بعض الشيء، فإنهم يبحثون عن حليف (فرنسي، إنكليزي) لمحادثته حديث الند للند”. وهذا ما سمّته مانون نور طنّوس “دبلوماسية النفوذ”

غير أنَّ هذه الآلية صدأت خلال فترة الانقطاع الطويلة التي بدأت في نهاية رئاسة نيكولا ساركوزي، على إثر تعليق العلاقات الدبلوماسية في آذار /مارس 2012، قبل شهر واحد من الانتخابات الرئاسية، والذي استمر خلال حكم فرنسوا هولاند. إلى الآن، وحدها فرنسا تحاول إعادة تشغيل الآلية، أما سوريا فتبدي استعداداً أقل، مستمدة قوتها من الدعم الدبلوماسي والعسكري النشطين جداً من إيران وروسيا، ومن عدم اهتمامها بالولايات المتحدة.

مع ذلك، يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه، حسب المسار الرائج منذ حوالي خمسين سنة: كلما حاول رئيس فرنسي جديد إعادة تقوية العلاقات التي ضعفت، تعمل الآلية الدبلوماسية من جديد. ولكن ما إن تصبح المصالح السورية موضع تساؤل فعلياً، تخرج فرنسا خالية الوفاض، ويمكن أن يصل الأمر إلى حد القطيعة حتى. تقول الكاتبة: “إن العلاقة متناوبة، وكلما كانت محاولة التعاون أكبر، كلما ازدادت حدّة المواجهة”. وبحسب عالم السياسة جوزيف باهوت، فإن هذه الرغبة الدورية في استعادة العلاقات مع سورية هي مرضية: “كجميع الأمراض العصبية، إنها تتجلى في التكرار”.

“أهون الشرين”، مفهوم قديم

هذه العودة الأزلية ليست مترسخة في ماض، وإن كان هذا الماضي حافلاً. في إطار تفكك الدولة العثمانية، انتُدبت فرنسا من قبل عصبة الأمم (سلف الأمم المتحدة) من أجل “مرافقة سوريا نحو الاستقلال”. ولكنها قامت على العكس بدور وصي استعماري، فقمعت حركات التمرد بالقنابل، وألّبت بين الطوائف، وجزّأت سوريا لتخلق لبنان لصالح المسيحيين المارونيين. بقيت هذه النزاعات دائماً في خلفية المشهد، ولكن السوريين استخدموها بتقتير. فالحاضر أهم. لقد كان خطاب الجنرال ديغول في بنوم بنه، الذي ندد فيه بحرب أمريكا في فيتنام، أول فرصة للسوريين للعب ورقة فرنسا ضد الولايات المتحدة. فجاء في برقية السفير الفرنسي في دمشق حينها: " ترفض سوريا البعثية الغرب الذي تسيطر عليه الإمبريالية الأمريكية، وتقبله حين يعين الجنرال ديغول نفسه كناطق رسمي له.

تابع فرنسوا ميتران هذا النهج ومضى أبعد. كانت فرنسا تتباهى بمعرفة أعمق بالبلد، على أساس تاريخي. فظهر مفهوم موعود بمستقبل باهر، وهو“أهون الشرين”. لا شكَّ في أن البلد يعاني من ركود سياسي داخلياً، ولكن بقاء حافظ الأسد في سدة الحكم مضمون. هذا ما كتبه السفراء الفرنسيون الذين توالوا على دمشق منذ 1979، في الوقت الذي كانت فيه العمليَّات تهز البلد، والأمريكيون يراهنون على سقوط النظام سريعاً.

بالنسبة للفرنسيين، كان لهذه الدولة القمعية قدرة كبيرة على الأذى في المنطقة وخارجها. بين عامي 1981 و1983، طالت الاعتداءات فرنسا، على أرضها وفي لبنان. فقد اغتيل السفير الفرنسي لويس دولامار في بيروت، وانفجرت قنابل في باريس، وفي تشرين الأول/أكتوبر من عام 1983، قتل 58 مظلّيا فرنسيا من القوى المتعددة الجنسيات التي أرسلتها الأمم المتحدة إلى لبنان في تفجير لمقرهم في بيروت. وذلك بسبب السياسة الفرنسية في المنطقة ودعم ياسر عرفات ووجود فرنسا في لبنان الذي تعتبره سوريا ملكاً لها.

لم تمنع أعمال العنف هذه فرنسوا ميتران من أن يصل بالواقعية السياسية إلى حد السخرية، خلال زيارته إلى دمشق في 1984. قال حينها إن فرنسا لم تستطع إثبات أن سوريا كانت خلف هذا الاعتداءات “وبما أنّ الرئيس الأسد أكد منذ البداية أن هذا غير صحيح، لا أرى سبباً للتشكيك في كلامه”. بحسب مانون نور طنّوس “إن هذه الفترة لم تتزامن مع إحدى محاولات بناء ثنائية سورية فرنسية. كان الهدف الأول هو التخفيف من أذى الآخر ومن ثم، على الهامش، جني مكاسب محتملة من الأمر”. مكاسب ضئيلة بالنسبة لفرنسا “فيجب الأخذ بعين الاعتبار إصرارها على دعم استقلال لبنان بكامل أراضيه، ولكنها لم تستطع في أي وقت التأثير في رغبة سوريا في السيطرة على البلد. وبالعكس، أخذت فرنسا تقتنع تدريجياً بدور سوريا في المنطقة”، التي سمحت لها بالمقابل“بأن تكون طرفاً فاعلاً ثانوياً”.

نجاحات وإخفاقات حقبة شيراك

أراد جاك شيراك، الرئيس السبَّاق، إنعاش العلاقة. وبحسب تحليل المؤلفة، كانت حقبة شيراك هي الفترة الوحيدة التي جنت فيها فرنسا مكاسب من علاقتها مع سوريا، وهو أيضاً زمن تعاون غير معلن بين البلدين، وهذا سبب وضع اسم الرئيس شيراك في عنوان المؤلف. ولكن على الصعيدين، بانت الحدود سريعاً، ما أدى إلى قطيعة مدوية. على صعيد المنطقة، كانت عملية “عناقيد الغضب” الإسرائيلية في لبنان فرصة شيراك والدبلوماسية الفرنسية للعب دور مفتاحي. ففي 18 نيسان/أبريل قُتل 102 مدنياً لبنانياً كانوا قد التجأوا إلى مركز القوات الدولية المؤقتة العاملة في لبنان، جراء قصف إسرائيل له. كان لدمشق 35 ألف جندي في لبنان وتريد حفظ ماء وجهها. كما كان يجب إدخال حزب الله، وإيران.

كانت واشنطن على وفاق مع سوريا، ولكنها كانت تمتنع عن الحديث مع طهران ومع حزب الله. بينما كانت باريس تقابل جميع الشخصيات العربية المؤثرة، بالإضافة إلى طهران. وبفضل دعم سوريا، تضمن الاتفاق النهائي معظم الاقتراحات الفرنسية: تحديداً منع أي هجوم على المدنيين. شاركت فرنسا في هيئة الإشراف إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان وسوريا. وتبادل البلدان التهاني. الحل كان في صالح معسكر سوريا/حزب الله. وشيراك فتح له باباً على أوروبا. ومن ناحيته، فقد حصل الرئيس الفرنسي على دور في المشهد الشرق أوسطي يتجاوز وزنه الحقيقي.

هكذا اعتقد الرئيس الفرنسي أنه يضمن الحفاظ على مهابة فرنسا في الشرق الأوسط بدفع سوريا نحو نظام أقل سلطوية. حتّى أنه رأى نفسه وصياً على الرئيس الشاب بشار الأسد الذي خلف والده في 17 تموز/يوليو 2000. وتوالت محاولات مدهشة لتحويل الإدارة السورية، المبنية على النموذج السوفييتي، إلى إدارة على الطريقة الفرنسية. وأخذت حملات من الخبراء الفرنسيين تحط في دمشق، بدعوة من بشار الأسد، لإجراء حسابات عامة واقتراح إصلاحات ضريبية ومالية واقتصادية... ومن بينهم كانت مديرة المدرسة الفرنسية الوطنية للإدارة، ماري فرنسواز بشتيل التي ساعدت ببناء مستنسخ محلي وهو المعهد الوطني للإدارة.

اصطدم حلم الإصلاح بحقيقة السلطة السورية. حدّثت مديرةُ المدرسة الوطنية للإدارة مؤلّفةَ الكتابِ مانون نور طنوس عن حفلات استقبال المبعوثين الفرنسيين في وزارة الداخلية السورية بحضور “خمسة عشر عنصراً من المخابرات، بالزي الرسمي، في نواحي القاعة المختلفة”. لا يمكن إجراء إصلاحات إدارية دون المس بالسياسة، لذا أخفقت المحاولة، وإن كان بشار الأسد صادقاً في نواياه، بحسب الكاتبة.

ولكن القطيعة الحقيقية والمذهلة وقعت بسبب الملف اللبناني. فقد كان جاك شيراك يأمل أن يثمر تقاربه مع بشار الأسد في فك قبضة سوريا عن لبنان. وهو ما لم يحدث. فقد فرض بشار الأسد على لبنان تمديد الفترة الرئاسية لإميل لحود، الرئيس اللبناني المؤيد لسوريا الذي شارك في تحويل مساعدات مالية دولية حصّلها شيراك نفسه بشق الأنفس.

زمن القطيعة

غزو أمريكا للعراق في عام 2003 غيَّر المعطيات. حاول شيراك حينها إفهام بشار الأسد أن الأمور لم تعد كما كانت في السابق. وفي الوقت ذاته، بعد رفض فرنسا العلني لغزو العراق، أراد الرئيس الفرنسي التقرب من واشنطن. فكانت فرنسا في طليعة محرري قرار الأمم المتحدة رقم 1559، والذي يوجب على القوات السورية مغادرة لبنان. سرّع القطيعةَ اغتيالُ رفيق الحريري (الذي كان قد استقال) في 14 شباط/فبراير 2005. كانت تجمع الأخير صداقة شخصية وحميمة بشيراك، ولكن بنظر الكاتبة، يجب اعتبار قرار جاك شيراك قراراً سياسياً وعقلانياً. أدرك الرئيس الفرنسي أنه أخفق في تحريك سوريا. ولكنه قال منذ صيف 2005 إن “سوريا مدعوة للعودة إلى اللعبة الطبيعية للعلاقات الدولية”.

نيكولا ساركوزي هو من تكفّل بهذه العودة، وفق نفس السيناريو من جديد: حد قدرة سوريا على الأذى، وحماية لبنان وإعادة تفعيل آلية النفوذ مع سوريا للتواجد في الشرق الأوسط. ووعده بشار الأسد بأن تشارك فرنسا في مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية، التي لم تحدث، وباتحاد من أجل المتوسط، لم يكن له مستقبل. ومقابل هذا، دعا ساركوزي بشار الأسد إلى مقصورة الشرف خلال العيد الوطني في 14 تموز/ يوليو 2008، مؤمنا له بذلك استعادة مكانته في المشهد الدولي.

إن انتفاضة الشعب السوري في 2011 والقمع الشرس الذي تلاها عجّلا قطيعة أخرى. لم يرد ساركوزي أن يفوّت ما اعتبره حلقة جديدة من “الربيع العربي”. وسرّع فرنسوا هولاند الحركة باعترافه بالمجلس الوطني السوري الذي أسس في تشرين الثاني/نوفمبر في قطر، معتبراً إياه “الحكومة المؤقتة المستقبلية في سوريا الديمقراطية، مما يتيح وضع حد لنظام بشار الأسد”.

تقول مانون نور طنّوس إن أزمة 2011 سبّبت “انهيار أسس دبلوماسية النفوذ: فقد كان على فرنسا إعادة النظر في عدم اهتمامها بالسياسة الداخلية السورية، القائم على اقتناع بأن الأنظمة الاستبدادية أنظمة مستدامة”. من المبكر معرفة ما إن كانت تصريحات ماكرون المتناقضة تمهّد من جديد “لعودة تشنجيّة للعلاقات بين باريس ودمشق”. على أي حال، لم يعد السؤال يطرح بنفس الطريقة تماماً، فبحسب مؤلفة الكتاب “إن تعدد الأطراف الفاعلة في كلا الطرفين يخفف من أهمية العلاقة السورية الفرنسية”.

1مانون نور طنّوس هي دكتورة في العلاقات الدولية وملحقة بالتدريس والبحوث في قسم تاريخ العالم العربي المعاصر في كوليج دو فرانس، كما أنها تدرّس في مدرسة العلوم السياسية في باريس، وأستاذة باحثة معاونة في مركز توسيديد (جامعة باريس الثانية) ورئيسة حلقة الباحثين في شؤون الشرق الأوسط بالجامعة نفسها.