جنوب غرب سوريا بات حلبة للقوى الإقليمية والدولية

مستقبل سوريا على المحك

لقد باتت سوريا ساحةً تتصارع فيها القوى الإقليمية والدولية. وفي جنوب غرب البلاد، تتنافس كل من روسيا و إيران وإسرائيل على تدعيم مواقفها وترسيخ وقف إطلاق النار في آن معاً في حين يسعى الأردن لصون مصالحه في هذه المنطقة الحدودية

لم يعد السوريون الذين أعلنوا الثورة منذ ست سنوات متحكمين في مصائرهم. وليس هناك ما يرمز لهذا الواقع أكثر من الجنوب الغربي السوري ـ حيث بالرغم من تردد أطراف النزاع في ترك السلاح ـ يبدو أن هناك حل قد برز مع اتفاق وقف إطلاق النار الأمريكي الروسي المبرم في 9 يوليو/ تموز الماضي. ويسمح الجنوب الغربي السوري، نظرا لموقعه الإستراتيجي بفهم الرهانات الجيوسياسية للنزاع وهو يمثل امتحانا للسيناريوهات التي قد توصل إلى حل.

وقد ارتكز هذا الاتفاق على قاعدة من ثلاث مراحل متتالية:

ـ الاستجابة للقلق الأردني والإسرائيلي عبر فصل الجنوب الغربي السوري عن مسار مفاوضات الأستانة وإبقاء القوات الإيرانية بعيدة عن الحدود الأردنية وعن منطقة هضبة الجولان المحتلة من طرف إسرائيل.

ـ الفصل بين قوات النظام وقوات المعارضة مع تحديد انتشار جغرافي مختلف لكل منهما.

ـ ضمان عودة السوريين اللاجئين في الأردن إلى محافظات درعا والقنيطرة.

وبغض النظر عن هذه التنازلات المختلفة يبدو الجنوب الغربي السوري قطعة فسيفساء يرمز كل جزء منها إلى مصلحة قوات جهوية أو دولية، ويلعب الأردن دورا أساسيا للوصول إلى توازن بين هذه المصالح المتناقضة غالبا سواء بين إيران وإسرائيل أو بين النظام السوري والمعارضة.

مصالح الأردن وإسرائيل لم تعد متوافقة

للقرب الجغرافي للأردن وإسرائيل من سوريا نتائج ذات حدين فهناك القدرة على حشد القوات والضرب عبر الحدود ولكن تقابلها خفة إيران في تحريك السلاح والمقاتلين بين لبنان وسوريا والعراق. كما يحافظ الأردن وإسرائيل على “منطقة عازلة” على أمل أن تؤدي هذه المبادرة إلى إبعاد المجموعات الإيرانية عن حدودها غير أن نجاعة هذه الإستراتيجية في حاجة إلى تأكيد.

فمنذ التدخل العسكري الروسي في سبتمبر/ أيلول 2015 أظهرت الحكومتان الأردنية والإسرائيلية استعدادها للتفاوض مع موسكو. وبعد التشاور مع عمان أوقفت روسيا غاراتها الجوية على المعارضين في جنوب سوريا قصد تشجيع هذه الجماعات المسلحة في التركيز على مكافحة داعش بدل قتال النظام السوري. كما سمحت موسكو أيضا لإسرائيل بضرب حزب الله عندما يقوم بتحويل أسلحة أو بالتخطيط لعمل بالقرب من الجولان. غير أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا أحدث اختلالا في لعبة التحالفات الجهوية حيث أنهى التوافق بين المصالح الأردنية والإسرائيلية في سوريا. فإسرائيل تركز على تحركات حزب الله ولا ترى في الأفق أي حوار مع النظام السوري.

وأمام هذا الانسداد تحاول كل من واشنطن وموسكو تطمين الدولة العبرية. فقوات حزب الله المتواجدة في سوريا والتي قادت في يونيو/ حزيران الماضي القتال ضد جبهة النصرة بعرسال على الحدود اللبنانية السورية تم سحبها من درعا في الجنوب السوري. وأدى هذا التحرك بمبادرة من القوتين العالميتين إلى قلب قرار سابق في مايو الماضي بتحريك ثلاثة ألاف مقاتل من حزب الله من القلمون نحو الجنوب السوري. ولكن ذلك لم ينجح في إقناع إسرائيل بأن الرئيس السوري بشار الأسد لا يعمل تحت التأثير الإيراني.

وفضلا عن ذلك فإن الضربات الإسرائيلية ضد النظام السوري ازدادت خلال الأسابيع الأخيرة قصد خلق مسافة بين دمشق وطهران وإضعاف الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا. فالرهان الأساسي بالنسبة للأردن وإسرائيل هو تأمين وجود قوى حليفة في “المنطقة العازلة” القريبة من حدوديهما. وهذه الإستراتيجية أسهل للإنجاز بالنسبة للأردن الذي فضلا عن شرعيته كبلد عربي يشرف مع الولايات المتحدة على هيئة “قيادة العمليات العسكرية” لدعم الجماعات المعارضة في جنوب سوريا، بالمقابل يتم حصر دور الحكومة الإسرائيلية (التي هي قوة محتلة في الجولان) في مساعدة بعض المجموعات السورية فقط.

تعايش صعب بين النظام والمعارضة

ويشكل البعد الوطني للنزاع السوري عائقا كبيرا آخر للاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا. فالمجموعات المعارضة تقاوم محاوَلَة فرض واقع قائم جديد بالقوة، في حين أن النظام السوري لا يعترف بوجود المجموعات المسلحة للمعارضة. ويعكس تنفيذ الاتفاق المبرم بين روسيا والأردن هذا الإشكال. فبمقابل الاعتراف بمنطقة نفوذ أردنية في الجنوب السوري وإبعاد الميليشيات المدعومة من طرف إيران عن الحدود الأردنية قدمت روسيا عدة مطالب. ومن بينها ضمان تحكم النظام السوري في الممر الحدودي “النصيب” وقيام الأردن بمحاولات مصالحة بين قوات النظام والمعارضة. وستواجه عمان دون شك تحديات في تنفيذ قسطها من الاتفاق. ويبقى التأكد مما إذا كان المقاتلون الموالون للأردن في الجيش السوري الحر والنظام السوري سيقبلون العمل معا. وفي حالة ما إذا رفض الجيش السوري الحر تسليم مراقبة المركز الحدودي “النصيب” للنظام السوري تفكر السلطات الأردنية في فتح الممر الآخر عبر محافظة السويداء التي هي تحت سيطرة النظام السوري.

أقامت المجموعات المسلحة للمعارضة السورية في جنوب سوريا جبهة مستقرة نوعا ما تحت إشراف “قيادة العمليات العسكرية” ولكن من المعروف أن هذه القوات تتشكل من وحدات متشتتة بدون قيادة هرمية ولا هيكلة. وتتعرض هذه المجموعات منذ الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا في جنوب البلاد إلى ضغوط قصد تجميعها، خاصة بعد القرار الذي اتخذ مؤخرا من طرف “قيادة العمليات العسكرية” بحل “جبهة الجنوب” وإعادة هيكلة القوات العاملة في درعا والقنيطرة.

ويتمثل الهدف النهائي ل“قيادة العمليات العسكرية” في تقليص عدد المجموعات المسلحة التي يمكنها أن تطبق بصفة فعلية الاتفاق الروسي الأمريكي والسماح بعودة اللاجئين القادمين من الأردن. وقد تشكلت مؤخرا تحالفات جديدة في جنوب سوريا بينما برز تأثير الاختلافات التكتيكية بين “قيادة العمليات العسكرية” والجماعات المسلحة المنضوية تحت لواء الجيش السوري الحر. وقد أدت هذه الخلافات إلى منع قوات المعارضة من المشاركة في عملية تحرير دير الزور من داعش، فقد كان النظام السوري وحلفاؤه في وضعية أفضل للاستفادة من العملية. وحاليا تتعاون الولايات المتحدة مع القوات الكردية للسيطرة على بعض الأراضي من هذه المحافظة الإستراتيجية على الحدود العراقية.

وإذا ما رفض النظام والمجموعات المعارضة التعاون سيكون من الصعب تصور تأثير بعيد المدى للاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا. فبالرغم من أنه تم تحديد المناطق الجغرافية المعنية بوقف إطلاق النار بوضوح لا يوجد هناك تفاهم بعد حول تحديد المناطق التي ستكون تحت سيطرة المعارضة أو النظام السوري.

وتتعارض المصالح الأردنية الأمريكية ومصالح النظام السوري وحلفائه في مناطق السويداء ودير الزور التي هي تحت سيطرة النظام السوري، وهذا يعني أنه لن يكون لقوى المعارضة دور مهم في غير الجنوب السوري وستكون الأردن بالنسبة لها بوابة النجدة الأساسية إن هي قررت عدم التعاون مع النظام السوري.

عدة سيناريوهات محتملة لحل النزاع

في وقت أصبحت فيه العربية السعودية وتركيا خارج اللعبة تبقى إيران وإسرائيل القوى الجهوية الأخيرة التي تحتفظ بقدرة تأثير في حل النزاع. فإيران التي هي في موقع قوة تتفق مع الإستراتيجية الروسية وتمتنع عن الوجود في جنوب سورية مقابل الحفاظ على خط إمداد لحزب الله اللبناني من طهران إلى بيروت. وما زال لإسرائيل من جهتها تحفظات عن الدور المستقبلي لإيران في سوريا.

وبالفعل قد تتمكن الدولة العبرية من استهداف قادة حزب الله أو إرساليات الأسلحة الإيرانية ولكن سيكون من الصعب عليها على المدى الطويل تتبع حركة المقاتلين والأسلحة والمحافظة على إثرها على طول خط الإمداد بين طهران وبيروت. فالرهان الوحيد بالنسبة لإسرائيل بغض النظر عن ضربات عسكرية استباقية هو تنفيذ الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا وعلى الخصوص مساهمة مكثفة لروسيا التي يمكنها أن تحد من التأثير الإيراني في النزاع السوري. وقد صرح الوزير الأول الإسرائيلي بينيامين نتنياهو في موسكو في أبريل/ نيسان 2016 بأنه “سواء أكان هناك اتفاق سوري أم لا ستبقى هضبة الجولان تحت السيادة الإسرائيلية”. وستستعمل إيران وحزب الله دون شك ورقة الاحتلال الاسرائيلي للدفاع عن مصالحها. ويبدو على المدى البعيد أن احتمالات المواجهة بين إسرائيل وحزب الله مرتبطة بشكل كبير بطريقة تنفيذ الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا.

فإن دام وقف إطلاق النار في جنوب سوريا وتطور يمكن لعمان أن تلعب دور الوسيط في النزاع السوري وأن يكون لها دور في مجهودات إعادة بناء الجنوب. وسيتعين ربما على السلطات الأردنية أن تجد طريقة للدخول في اتصال مباشر مع النظام السوري دون كسب عداوة قوى المعارضة في الجنوب التي تشك في أن يأخذ الاتفاق الامريكي الروسي بعين الاعتبار مصالحها. فللولايات المتحدة والأردن تأثير كبير على المجموعات المسلحة السورية عبر “قيادة العمليات العسكرية”. ويبقى أن نرى كيف يمكن استعمال هذا العامل. وإذا كان الأردن هو أول قوة تستفيد من اتفاق أمريكي روسي ناجح سيكون بالمقابل الضحية الأولى في حال انهياره. فالاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا وضع الجبهة الجنوبية في تحول يفرض على عمان اختيار صفها.

وفي الأخير يبقى مصير حل النزاع السوري مرتبطا بالتنسيق بين موسكو وواشنطن. فقوة القرار الذي يتمتع بها البنتاغون بخصوص الملف السوري تبدو كعامل استقرار أمام صعوبة التنبؤ بتصرفات الرئيس دونالد ترامب. ويبقى أن يتم تحديد استراتيجية أمريكية لا تقتصر على إلحاق الهزيمة بداعش. فالطرفان في حاجة لبعضهما في سورية: ففي حالة ما إذا انهار التنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا سيكون على القوات الأمريكية أن تختار بين مواجهة إيران أو بقاء منخفض المستوى أو الانسحاب.

لقد بدأ الطريق لحل النزاع السوري في جنوب البلاد وهو يشكل مرحلة أولى ضرورية ولكنها غير كافية. فمن المصلحة الاستراتيجية للقوى الجهوية والعالمية أن تأخذ الآن بعين الاعتبار إرادة كل السوريين الذين يتعين عليهم هم أيضا أن يعترفوا بأن النزاع وصل مداه وأنه حان الوقت للحد من الخسائر.