المملكة السعودية وعواصف الإصلاح الاقتصادي

السعودة، عمل المرأة، هجرة العمالة الأجنبية · مخاطرات تواجه الإصلاحات الاقتصادية السعودية والتي تستهدف ضمن أشياء عديدة إكمال مسيرة سعودة سوق العمل، وتعظيم إدماج المرأة في تلك السوق. تزيد أهمية هذا خاصة في مرحلة الانتقال الحالية والتي شهدت رحيل أعداد كبيرة من العاملين الأجانب.

DR

أعلنت مديرية الأمن العام السعودية يوم 25 فبراير/ شباط فتح باب الترشح للنساء للوظائف العسكرية برتبة “جندي”. وسرعان ما غرق الموقع الالكتروني الخاص بجمع الترشحات بالطلبات على الرغم من القيود العديدة الموضوعة والمرتبطة بالسن والقامة والوزن والزواج من الأجانب ومكان إقامة ولي الأمر.

ويوفر سوق العمل السعودي فرصا متزايدة للنساء. وذلك بعد تغيير شامل مس مجال بيع الساعات والنظارات والتجهيزات والأجهزة الطبية والكهرومنزلية والإلكترونية وقطع غيار السيارات ومواد البناء والسجاد والسيارات والدراجات النارية والأثاث وملابس الأطفال وإكسسوارات الرجال وأواني الطبخ المنزلية والحلويات.

ويثير الطابع التجريبي لعملية “السعودة” أسئلة كثيرة بخصوص القطاعات المستهدفة وقدرة المؤسسات الصغيرة على التعامل مع زيادة الأجور إن هي قامت بتوظيف مواطنين سعوديين. ومع ذلك فمن شأن هذه السياسة أن تفتح آفاقا لكل السعوديين وعلى الخصوص السعوديات.

قلق بين المواطنين

تهدف سلسلة من الإصلاحات بوشر بها في السعودية إلى ترشيد تكاليف الوقود والكهرباء. كما أدخلت ضريبة جديدة للقيمة المضافة، واستحدثت مساعدات نقدية وجهت مباشرة إلى الأسر ذات الدخل الضعيف وذلك عبر برنامج “حساب المواطن”.1 كل ذلك أثار قلقا في مجال الاقتصاد في الوقت الذي تحاول فيه الأسر تحديد موازنة نفقاتها الشهرية.

فقد تضاعفت أسعار الطاقة ب 2 أو 3 مرات بينما ارتفع سعر البنزين من 80 إلى 120 % في 2017 وفقا لدراسة قامت بها “المجموعة المالية هيرميس”. وهو ما جعل المستهلك في المملكة يشعر بالقلق سواء كان سعوديا أو وافدا. ومثلما تختبر فكرة “النساء الجنديات” السعوديات حدود تقبل المجتمع، فإن ثقة المستهلكين تتآكل بسبب السؤال المُلح: “ما الذي ينتظرنا أيضا؟”.

ويظهر مؤشر “إيبسوس” لثقة المستهلك في نهاية عام 2017 توقعات سلبية مستمرة في مجال التوظيف والاستثمار والنمو. كما شهد مؤشر مديري المشتريات ل“بنك الإمارات دبي الوطني” انخفاضا كبيرا حيث تراجع من 57,3 في ديسمبر 2017 إلى 53,0 في يناير 2018، أي إلى أدنى مستوى في تاريخ هذا الرصد.

ومن الغرابة أن هذا القلق يأتي في ظرف يتميز بأعلى مستوى نفقات الموازنة في تاريخ السعودية الحديث، فقد ارتفعت الميزانية السعودية في سنة 2018. ومع الأخذ بعين الاعتبار النفقات الإضافية لصندوق الاستثمار العمومي، فمن المتوقع أن تصل هذه الميزانية لسنة 2018 إلى 340 مليار ريال سعودي (حوالي 73,70 مليار أورو). وحتى تكون الحكومة في انسجام مع ذلك، قررت تأجيل التزامها بتقديم ميزانية متوازنة إلى سنة 2023.

لكن النهج المتبع للخروج من حالة الركود الحالية عبر الإنفاق ينطوي على مخاطر جوهرية. ويبرز أحد أهم عوامل الشعور المتشائم للمستهلك والضيق العام على الخصوص في القطاع الخاص عند السكان المغتربين، الذين هم ضحايا غير مقصودين للإصلاحات السعودية. فبالنسبة لأولئك الذين بقوا في المملكة كانت الزيادة في تكاليف الحياة باهظة عليهم. أما بالنسبة للعمال الأجانب الذين غادروا، فقد فاقم غيابهم ضعف النشاط الاقتصادي. وكثيرون هم المغادرون.

ويتعرض العمال الأجانب الذين يمثلون ثلث سكان السعودية إلى الزيادة في الأسعار من دون الاستفادة من وسادة مص الصدمات المتمثلة في برنامج “حساب المواطن” أو استئناف دفع علاوات القطاع العام(لسنة 2018 فقط).

ضرائب من كل نوع

يخضع العمال الأجانب لسلسلة من الضرائب الإضافية لا يدفعها المواطن السعودي. والهدف من زيادة هذه الرسوم والضرائب هو إيجاد مصدر بديل لمداخيل الحكومة لتعويض انخفاض عائدات البترول التي ما انفكت تتدهور منذ نهاية 2014. وعلى الرغم من أن ميزانية السعودية ل2018 هي الأكبر في تاريخها، هناك مجهودات لخفض التكاليف.

فترشيد أسعار الطاقة ومحاولات الحد من كتلة الأجور في القطاع العام رافقها ضرائب جديدة على التبغ والمشروبات المحلاة. كما يتم التفكير في فرض رسوم على استعمال الطرقات السيارة وفي تطبيق ضريبة قيمة مضافة ابتداء من أول يناير/ كانون الثاني. وتدرس أيضا إمكانية تطبيق فريضة الزكاة بأثر رجعي على المؤسسات المالية وعلى الخصوص إمكانية حجز أصول في إطار حملة مكافحة الفساد.

غير أن هذه المجهودات لا تأتي بالضرورة بالعائدات التي كان يعد بها بعضهم. فحملة التطهير ضد الفساد لم تحقق الوعد بجني 100 مليار دولار (81 مليار أورو) حيث لا تتحدث التقديرات الحكومية لحد الآن إلا عن ما يقارب 13 مليار دولار.

أما مداخيل الضريبة المضافة لـ 2018 فستقارب 6 مليارات دولار (4,8 مليار أورو). فيما يخص ضريبة القيمة المضافة (23 مليار ريال سعودي أي ما يقارب 5 مليار أورو) فهي تجلب للميزانية موارد أقل من زيادة رسوم التأشيرة والكفالة الأسرية للأجانب (28 ريال سعودي أي 6 مليارات أورو).

العمال الأجانب في المواجهة

قررت الحكومة السعودية بشكل واضح أن تضع عبء إيجاد موارد بديلة للدخل على عاتق العمال الأجانب. وإن كان بعضهم قد اختار المغادرة فكثير منهم يتم تسريحهم من طرف الشركات التي تتكيف هي أيضا مع زيادة أسعار الطاقة وانخفاض النشاطات التجارية. وقد أدى كل ذلك إلى ارتفاع كبير في عدد المغادرين.

ووفقا للهيئة العامة للإحصاء السعودية فإن أكثر من 300 ألف عامل (معظمهم في قطاع البناء) فقدوا مناصبهم خلال التسعة أشهر الأولى من سنة 2017، منهم 100 ألف في الربع الثالث من السنة وحده. ولم يتم تعويض وظائفهم بسعوديين. كما لم تواكب الخسائر في وظائف المستخدمين نفس الوتيرة لدى الإطارات وبقي الطلب على العمالة في البيوت مستقرا.

وستأخذ عملية إعادة هيكلة سوق الشغل الضرورية وقتا حتى تجعل السعوديين يتبوؤون مناصب قائمة على المعرفة وذات إنتاجية أكبر. ومن شأن هذه الفترة الانتقالية أن تحدث اضطرابات خصوصا في قطاع البناء والخدمات. ويبقى الأمل في أن يكون لرفع رواتب قطاع الخدمات والبناء والأشغال العمومية الأثر الإيجابي على السعوديين على المدى الطويل.

لكن على المدى القصير يضيف ذلك في الضغوط التضخمية الناتجة عن تطبيع الأسعار في مجال الطاقة وتنفيذ قرار تحصيل الضرائب في حين لا يتم بالضرورة تحفيز أي نمو جديد إلا بالإنفاق الحكومي. وينطوي كل ذلك على مخاطر تضخيم قيمة العقود مع إنجازات رديئة وهي ظاهرة تشكل وباء منذ سنوات وكانت السبب المزعوم لحملة مكافحة الفساد التي شنت مع نهاية 2017.

سيتطلب الأمر عقدا من الزمن أو أكثر (وهنا تأتي خطة “رؤية 2030”)2 لدفع العمالة السعودية نحو مناصب الياقات البيض ذات الرواتب العالية، ولبروز طبقة من العمال السعوديين مستعدين لتقبل مناصب عمل في قطاع الخدمات وتجارة التجزئة والبناء.

ويتمثل الجانب الإيجابي من ذلك في إدماج النساء في القوى العاملة وهو ما يمثل وسيلة بسيطة في التحفيز على توفير مناصب عمل وزيادة دخل الأسر وإنتاجية اليد العاملة. كما يمكن ل“السعودة” ومغادرة الأجانب أن تسهل مشاركة النساء في سوق العمل في بعض القطاعات من الخدمات والبيع بالتجزئة. أما بالنسبة للقطاعات التي تعتمد بشكل كبير على اليد العاملة الأجنبية “ذكور”، فإن التوقعات أقل تفاؤلا.

1برنامج وطني أطلق لحماية الأسر السعودية من الآثار المباشرة وغير المباشرة المنتظرة من مختلف الإصلاحات الاقتصادية. يتم تقديم الدعم في شكل تحويلات نقدية مباشرة للمستفيدين.

2خطة تنمية أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان آل سعود. وهو برنامج سنته الحكومة سنة 2016 ويهدف إلى إخراج البلاد من التبعية للريع البترولي عبر تنويع الاقتصاد واللجوء إلى عمليات خصخصة.