سلطنة عمان : حيادية تحت الضغط

بين السعودية وإيران

لطالما كانت سلطنة عمان حريصة على الحفاظ على التوازن بين علاقاتها بالمملكة العربية السعودية وعلاقاتها بإيران، ما سمح لها بلعب دور وسيط مفيد في خلافات المنطقة. إلا أن تصاعد التوتر، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، قد يودي باستقلاليتها، لا سيما أنّ السلطنة ملزمة بواجهة مصاعبها الخاصة على الصعيد الداخلي.

“لا تصب المواجهة في مصلحة أي طرف” هذا ما صرح به وزير الخارجية العماني، في بيان أدلاه تعقيباً على إعلان انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني. لقد كان للسلطنة دور مفتاحي في توقيع هذا الاتفاق التاريخي، فقد جرت المفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وإيران على أرضها. لقد وجدت عمان نفسها بين كفي كماشة بسبب التنافس بين إيران والسعودية، وكانت تحاول الحفاظ على علاقة متوازنة مع كل من البلدين، فتنجح تارة وتفشل تارة، لذا أملت أن يسمح الاتفاق بنزع فتيل التوتر المتصاعد في المنطقة. لكن سدىً، فالانسحاب الأمريكي قد بدد آمال الوساطة كلياً، ووضع السلطنة في قلب الزوبعة.

دور وسيط مع إيران تتصف السياسة الخارجية العمانية بالحيادية والتوسط. فمنذ أن وصل السلطان قابوس إلى السلطة عام 1970 سعى إلى تعزيز التهدئة بين دول المنطقة. وهي سياسة نابعة من تاريخ وموقع السلطنة الجغرافي عاليي الخصوصية. فمساحتها الصغيرة وموقعها المطل على مضيق هرمز. الذي يمر عبره نحو 40 مئة من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم، على مسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات عن السواحل الإيرانية، كلها عوامل تجعل من عمان بلداً شديد التأثر بالتوترات الإقليمية وبنزعات الهيمنة لدى كل من القوتين الجارتين.

منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، تحذّر عمان حلفائها من خطر تحول المنظمة إلى تحالف معاد لإيران. كما أن السلطنة سعت إلى البقاء على مسافة من مجلس التعاون الخليجي، خشية تحكم مفرط للسعودية به. فعبّرت مثلاً عن تحفظها على إقامة اتحاد أو إصدار عملة مشتركة.

في سياستها الخارجية، تنصلت السلطنة غير مرة عن جيرانها، محتفظة بموقف بالغ الاستقلالية. فهي مثلاً الدولة الوحيدة من دول الخليج التي لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية بسوريا بشار الأسد بعد الربيع العربي، والوحيدة التي رفضت الانضمام إلى التحالف العربي في اليمن، الذي تقوده السعودية. وأخيراً، فهي لم تؤيد سياسة مقاطعة قطر، حتى أنها، على العكس من ذلك، طورت علاقاتها التجارية معها. ولكن أكبر اختلاف بين سياسية عمان الخارجية وسياسات حلفائها الخليجيين يكمن في الملف الإيراني. في الواقع، يتمتع البلدان بعلاقة متميزة منذ ساعد الشاه الإيراني السلطان على قمع ثورة الظفار في السبعينات. ثم ترسَّخت الأواصر بين البلدين بمرور الزمن. فطهران ومسقط تنظّمان بشكل دوري تدريبات عسكرية مشتركة في مضيق هرمز منذ عام 2014، وقامتا بتوقيع عدة اتفاقيات تعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة. سمحت هذه العلاقة الخاصة لعمان بلعب دور وسيط أساسي بين إيران وبلدان المنطقة العربية، خاصة أثناء الحرب بين إيران والعراق، ومن ثمّ، وهو الأهم، أثناء المفاوضات السرية بين طهران وواشنطن التي أدت إلى توقيع الاتفاق حول النووي بتاريخ 14 تموز/يوليو 2015. كما أن عمان استضافت عدة مفاوضات سرية حول النزاع في سوريا وفي اليمن.

طموحات الإمارات العربية المتحدة

لا تنظر الإمارات العربية والسعودية بعين الرضى إلى علاقات عمان الحميمة مع كل من إيران وقطر. وتعتبران في الواقع أنها لا تأخذ مخاوف البلدين الأمنية بعين الاعتبار بشكل كاف، ويتهمانها بالسماح بتحويل أراضيها إلى معبر للأسلحة التي ترسلها إيران للحوثيين لدعمهم في النزاع اليمني.

مؤخراً، قامت السعودية والإمارات بزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على السلطنة لحملها على العودة إلى الصفوف. فقرار الملك سلمان بعدم الذهاب إلى عمان لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي عام 2016، هو دليل على برود العلاقات بين البلدين. من ناحية أخرى، يتحدث البعض في عمان عن ضغوط اقتصادية تتمثل في تأخير إبرام اتفاقات معينة، أو فرض قيود جديدة على التجارة العابرة للحدود. ووفقاً لما ينقل، فقد قامت الإمارات بكل ما في وسعها لتأخير بناء خط سكك حديدية يربط عمان بباقي دول مجلس التعاون الخليجي، ما أثر سلباً على اقتصاد الشركات العمانية. وفي الآن ذاته، ينظر العمانيون بقلق شديد إلى طموحات الإمارات في المنطقة ـ الملقبة بسبارطة الصغيرة ـ حيث أن حضورها المتزايد في جميع أنحاء المنطقة يزيد من إحساس العمانيين بالحصار. فقد توغلت القوات العسكرية الإماراتية في اليمن بالفعل، وخصوصاً في محافظة المهرة التي تحدُّ عمان، وعلى امتداد الموانئ الجنوبية كالمخاء، وعدن، والمكلا وسقطرى. وقد وصل الحضور الإماراتي حتى سواحل القرن الأفريقي والمحيط الهندي. وتزداد استثماراتها حتى في عمان ذاتها، في منطقة الباطنة الحدودية وفي شبه جزيرة مسندم، ولهذا يخشى العمانيون خطر سيطرة اقتصادية وسياسية إماراتية.

الالتفات إلى الهند والصين

في وجه تصاعد قوة الإمارات في المنطقة، تسعى سلطنة عمان إلى استغلال موقعها الاستراتيجي بشكل أفضل لتضمن استقلالها الاقتصادي. في الواقع، لقد أصبح الخليج العربي منذ عدة سنوات محل منافسة متزايدة للسيطرة على الطرق التجارية التي تربط آسيا بأوروبا. فقد حولت الصين عدة موانئ في المنطقة إلى نقاط توصيل في إطار مشروعها “طريق الحرير”. وهي تستثمر بشكل هائل في تطوير دبي، وجوادر في الباكستان، وشندهار في إيران، وحتى في الدقم وصحار في عمان. وفي الآن ذاته تسمح هذه الاستراتيجية للصين بضمان حاجتها من المحروقات التي تعتمد عليها بشكل أساسي (الصين هي أكبر مشتر للبترول والغاز في المنطقة في الواقع). وإلى جانبها، تسعى الهند إلى تأكيد حضورها. على هذه الخارطة، تمتلك عمان إمكانية شَغل مكان استراتيجي. فميناءي دقم وصحار يمكن أن يسمحا بتجنب مضيق هرمز الحساس والدخول إلى الخليج العربي مباشرة. استثمارات الصين الهائلة في المنطقة الصناعية الصينيةـ العمانية في مرفأ دقم تشير إلى أنّ الصين لم تفتها إمكانيات عمان. وكذلك الأمر بالنسبة للسلطنة، فبعد عدة أيام فحسب من إعلان ترامب بخصوص الاتفاق النووي، التقى وزير الخارجية العماني، يوسف بن علوي، بنظيره في بكين، مؤكداً على التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين. مع ذلك، ما زالت الموانئ العمانية غير قادرة على منافسة التجهيزات الإماراتية في جبل علي وميناء خليفة. والأهم، بمرور الوقت تظهر المزيد من العلامات التي تشير إلى هشاشة عمان اقتصادياً وسياسياً. فانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني قد يدفع إلى إعادة النظر بمشاريع تطوير العلاقات التجارية مع إيران. وربما تجب إعادة التفكير بمشروع خط أنابيب النفط الذي يربط الهند بعمان مروراً بإيران. يضاف إلى هذا، تأثير انخفاض أسعار النفط على استقرار عمان الداخلي، نظراً إلى أن دخل الحكومة يعتمد على المحروقات بنسبة 80%. عدا أن نسبة بطالة الشباب تصل إلى49%، وأنّ عجز الميزانية يبلغ 21%، وهي عوامل تفاقم خطر التوترات الاجتماعية في عمان.

لقد وظف السلطان قابوس شعبيته إلى حد الآن لتهدئة بداية أي احتجاج، إلا أن مرضه وعدم وجود وريث شرعي له، يتركان العديد من الأسئلة المعلّقة حول مستقبل السلطنة. هذه الصعوبات الاقتصادية ستجعل عمان أكثر اعتماداً على استثمارات قوى الجوار، وبالتالي، أكثر عرضة للضغوط الخارجية. إلى يومنا الراهن، تمنّعت السلطنة عن قبول تمويلات من دول المنطقة، خوفاً من تقليص استقلالها السياسي. إلا أنها قبلت في كانون الثاني/يناير 2018 تمويلاً من المملكة العربية السعودية بقيمة 210 مليون دولار لتطوير ميناء دقم، وهو ما يبدو خروجاً عن مبادئها.

فيما تجهد أوروبا لإنقاذ ما تبقى من الاتفاق النووي الإيراني، عليها ألا تنسى دعم مَن يمكن أن يكونوا حلفائها الطبيعيين في المنطقة. لهذا فإن مساعدة عمان على الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، لا سيما عن طريق الاستثمارات والشراكات الاقتصادية المتزايدة، هو أمر جوهري للمصالح الأوروبية.