تونس: الانقلاب العسكري شائعة، لكن الأزمة السياسية حقيقة

تسبب إعفاء وزير الداخلية التونسي لطفي براهم من منصبه في السادس من يونيو/ حزيران الماضي بإطلاق شائعة مشروع انقلاب. ما يشير إلى تزايد الاضطراب، في الوقت الذي تتراكم فيه الملفات الحساسة، وتعاني فيه المؤسسات من أجل فرض وجودها.

11 سبتمبر ٢٠١٧— لطفي براهم رئيس الحكومة (في الوسط)، إلى يساره عبد الكريم زبيدي وزير الدفاع، وإلى يمينه رضا شلغومي وزير المالية.البرلمان التونسي.
Mohamed Krit/Newzulu/Alamy Live News

العالم السياسي مسكون بكائنات مرئية ـ المؤسسات والأحزاب والشخصيات العامة ـ لكنه مسكون بكيانات من نوع آخر أيضاً: الأموال، والولاءات المناطقية والعشائرية والعائلية، التأثيرات الخارجية، والتكوينات النفسية الفردية، والملفات المشينة... وهذه الكيانات لا تظهر إلا عبر أحداث؛ بعضها قابل للتفسير أكثر من بعضها الآخر، ربما تكون حملة صحفية، أو تصريح، أو تعيين ما. ربْطها ببعضها البعض وفهم منطقها شأن المطلعين، وقلة منهم يمتلكون معرفة شاملة تسمح لهم بفك ألغاز معانيها، وبالتصرف حيالها. كلما ازدادت المساحة التي تحتلها الكيانات “غير المرئية”، كلما اهتزت الكيانات الرسمية، وضعفت وتمزقت.

فيما يمتد الزمن بالمفاوضات التي يراد منها تحقيق تغيير، أعلنت وسائل إعلام أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد أعطى مهلة48 ساعة لإيقاف الناجم الغرسلي (الذي شغل منصب وزير الداخلية بين فبراير/ شباط 2015 ويناير/ كانون الثاني 2016، والذي أدلى بأقواله أمام المحكمة العسكرية خلال الشتاء الماضي أثناء محاكمته بالتآمر على أمن الدولة)، تم تكذيب هذا الخبر في اليوم التالي، ولكن، إن أخذنا الأحداث التالية بعين الاعتبار، يبدو الأمر نذير نقمة على وزير الداخلية، وربما كانت تجلياً إضافياً لمسرح الظلال. تم تبرير إعفاء براهم من منصبه بعدم سيطرته على مغادرة المهاجرين غير الشرعيين، إثر موت 84 شخصاً في حادثة غرق بالقرب من شواطئ جزيرة قرقنة، وهو ما يصعب اعتباره أكثر من حجة.

تنحية الرئيس قايد السبسي جانبا

منذ إعفاء الوزير من منصبه، هناك محاولات كثيرة لإرجاع المسألة إلى دور“غير المرئيين”. وهذا بالضبط ما فعله الصحفي نيكولا بو في مقالة نشرت في 15 يونيو/ حزيران، فقد وصل به الأمر إلى الحديث عن مشروع انقلاب عسكري أعده وزير الداخلية الأسبق بالتعاون مع رئيس جهاز الاستخبارات الإماراتي أثناء لقائهما في جزيرة جربة في نهاية شهر مايو/ أيار الماضي. وأورد ما يلي : "رسم كل من الوزير التونسي وضيفه الإماراتي خارطة الطريق التي كان من شأنها أن تؤدي إلى تغييرات تمس رأس هرم الدولة، عبر إقالة الشاهد، وتعيين كمال مرجان بدلا منه، وإقصاء السبسي من رئاسة تونس لأسباب طبية. هدف المخطط الأول كان إبعاد إسلاميي حركة النهضة عن الحياة السياسية التونسية بشكل نهائي.

اشتهر نيكولا بو في تونس منذ نشر كتابه “حاكمة قرطاج” في عام 2009، (الذي كتبه بالتعاون مع كاترين غراسييه) وهو كتاب يروي الأعمال المشبوهة لليلى طرابلسي، زوجة زين العابدين بن علي، ويتضمن الكثير من التصريحات التي أسرَّ بها الخصوم الذين غُضب عليهم منذ نهوض عشيرة الطرابلسي. لقد ساهم الكتاب في إفقاد النظام لمصداقيته (علماً بأنه كان ممنوعاً ويهرب سراً إلى البلاد). مع ذلك، لم تُؤخذ المعلومة على محمل الجدية في تونس هذه المرة. وبالطبع قام سفير الإمارات في تونس بتكذيب الخبر. كما فعل المعني بالخبر، الذي أشار إلى أنه لم يكن في جربة في يوم اللقاء الجوهري هذا، بل في تونس. وبالتالي فإن المعلومة، التي بناها الصحفي من مكاشفات وتأويلات لفاعلين .في اللعبة السياسية، تثير الشكوك على أقل تقدير

رجل صلب يثير الإزعاج

لا تبنى معلومة كهذه من عدم طبعاً. فشخصية لطفي براهم تحتمل هذا النوع من التكهنات. فقد تم تعيينه في منصبه في سبتمبر/ أيلول 2017، مع أنه كان آمر الحرس الوطني، ما شكل ثلاثة منعطفات. فبدايةً، تلك كانت أول مرة يتم فيها تعيين وزير داخلية من الجهاز الاستخباراتي منذ الثورة (وحتى منذ عام 1995). ومن ثم، فإن دخوله الحكومة أتى في إطار استعادة السواحلة لقوتهم في قمة هرم الدولة (خصوصاً إلى جانب عبد الكريم الزبيدي في وزارة الدفاع)، لتعزيز موقع باجي قائد السبسي، في وجه رئيس الحكومة يوسف الشاهد. حيث أن الأخير بسياسته التحررية يشكل تهديداً متعاظماً بالنسبة لابنه حافظ قائد السبسي، قائد نهضة تونس. في الواقع، منذ الاستقلال يعتمد كل من نخبة السواحلة (ومنهم الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي) وخصومهم التوانسة، على بعضهم البعض لتعزيز سيطرتهم على الدولة. وختاماً، لم يكن اختيار براهم (المعروف بعدائه لحزب النهضة) أمراً مجمعاً عليه في إطار الـ“التوافق” بين الطرفين المشكلين للتحالف الحكومي.

سرعان ما منحته سمعته كرجل صلب بعداً سياسياً، يبدو أنه عمل على تنميته. فوسائل الإعلام الالكترونية التونسية، التي تنقل أصداء النزاعات بين العشائر، أقامت حوله جواً يدعم طموحه أو يعاديه، مؤكدة بذلك أنه كان طموحاً حقيقياً. رحلة براهم إلى الإمارات العربية في نهاية شهر فبراير/ شباط عام 2018 التي التقى خلالها الملك سلمان، والتي لم تراع البروتوكولات المتعارف عليها، أيقظت الشكوك وغذَّت التكهنات وإن تم تبريرها بالحاجة إلى تعاون أمني. بالنسبة إلى يوسف الشاهد، أصبح براهم وزيراً مفرطاً باستقلاله وخصماً محتملاً. وبالنسبة لرئيس الدولة، كان يمثل متغيراً يصعب التحكم به في لعبة التوازنات. أما بالنسبة للنهضة، فقد كان يمكن أن يصبح قائداً لا يناسبهم، وإن كان قد التزم بخطاب شديد الصرامة حول الصيام في الأماكن العامة خلال شهر رمضان. ربما أراد بهذا الحصول على دعم لشعوره باقتراب فقدانه لحظوته. إن كانت تلك محاولة فقد باءت بالفشل، اما إعفاؤه من منصبه فقد أدى الغرض للشخصيات السياسية الأساسية.

الإمارات، وصد التدخُّل

لعبة الإمارات في تونس سر مفضوح. فتونس دون شك هي “ساحة المواجهة بين دول الخليج” بين محور قطرـ تركيا (الذي يتباطأ منذ عام 2013) ومحور الإمارات ـ السعودية ـ مصر. للإمارات وسطاء كثر يدعمون محاولات تدخلها في اللعبة السياسية التونسية، كما كشفت جريدة لوموند الفرنسية في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2017،1 وذلك لصد الإخوان المسلمين وللسيطرة على عدوى الديمقراطية التي قد تضع مصالح العشيرة الحاكمة في موضع التساؤل. الفترة الحالية هي فترة عودة الحكم الأمني.

رغم ذلك، يجب عدم التعظيم من أثر هذا التدخل في تونس. فقد نجح بربط فاعلين من الدرجة الثانية فحسب، والأهم، أنه يصدم بالسياسة الجزائرية في تونس. وقد بدا هذا واضحاً خلال مجلس وزراء داخلية جامعة الدول العربية الذي أقيم في جزائر العاصمة في مارس/ آذار. فبينما كان السعوديون والإماراتيون يضغطون على حلفائهم المغاربة للاصطفاف إلى جانبهم في هجمتهم المعادية لإيران، واضعين في خط النار نفسه قطر وحلفاءها السياسيين من الإخوان المسلمين ( في هذه الحالة حركة النهضة)، شهدوا رفضاً قاطعاً من قبل الجزائر التي يخضع نموذجها إلى قاعدتين: عدم التدخل في الصراعات الداخلية للـ“دول الشقيقة”، والحفاظ على توافق وطني يشمل قوى الإسلام السياسي لتجنب التطرف الإرهابي. تسمح هذه المظلة بإبقاء مناورات بلدان الخليج على مسافة، كذلك تفعل تقاليد توازن الدبلوماسية التونسية. فلم يكن هناك من داع لمشروع انقلاب عسكري لتبرير اقصاء لطفي براهم، عدا عن أن تدخل الإمارات بهذه الصورة المفضوحة سيضع أي مسؤول سياسي تونسي يتولى زمام الأمور بعدها في موقف لا يطاق داخلياً وخارجياً. إن لم تحدث إضرابات إقليمية شديدة.

ملفات ساخنة ومؤسسات ضعيفة

بالمقابل، إن ظهور نظرية الانقلاب العسكري هو دون أي شك دليل على تقلب الطبقة السياسية التونسية وهشاشة الوضع. الملفات الساخنة تتراكم : قيادة الإصلاحات الاقتصادية، تركيب الأغلبيات البلدية لانتخاب رؤساء البلديات عقب انتخابات السادس من مايو/ أيار، عدا عن أن الاتحاد التونسي العام للشغل، وإدارة نداء تونس، قاما بالضغط للعمل على تغيير حكومي واختيار رئيس حكومة جديد. تبدو الرهانات أكثر درامية مع اقتراب الانتخابات التشريعية والأهم الانتخابات الرئاسية في عام 2019، وبسبب الضغط المتزايد الذي يمارسه صندوق النقد الدولي، الذي قرر التوقف عن منح استثناءات لتونس في شروط التمويل. وسيضاف إلى المعركة الانتخابية الشرسة احتجاجات اجتماعية قوية لا بدّ منها بسبب خفض كتلة الأجور، والإصلاحات المتعلقة بآليات تمويل صناديق الضمان الاجتماعي التي فرضها المقرضون الدوليون.

إلا إن كوادر التفاوض لإدارة جميع هذه الملفات الساخنة تبدو في أضعف حالاتها. فانطلاقاً من فكرة جمع كافة التنظيمات السياسية والنقابية خلف برنامج حكومة، أوجد رئيس الجمهورية حيز مفاوضات موازيًا للمؤسسات، اكتسب صفة رسمية بعد توقيع اتفاق قرطاج في 13 يوليو /تموز 2016، الذي يتم التفاوض على مسودته الثانية منذ عدة أشهر. لقد أثمرت منهجية رباعية الحوار الوطني في عام 2013، وسمحت بالخروج من الأزمة السياسية، ولكن مجلس النواب كان في تلك الفترة هشاً بسبب استنفاده لشرعيته، وكان تماسك أطراف المصلحة يضمن فعالية القرارات. الحال معكوس هذه المرة، فلا اعتراض على شرعية البرلمان، أما أبطال المشهد السياسي فهم عرضة للشكوك.

تقدم النهضة على نداء تونس، على خلفية تنصُّل الطبقة السياسية أثناء الانتخابات البلدية، هزَّ التوازن الذي كان قائماً في التحالف الحكومي وزاد توتر معارضي الحزب الإسلامي المحافظ. لكن رغم هذه التقلبات، لعبت العلاقة بين باجي قائد السبسي وراشد الغنوشي رئيس حزب النهضة دوراً هاماً في إدارة الوضع السياسي منذ أغسطس / آب 2013. مع أنها فقدت سلاستها بعض الشيء.

يعيش الحزب الرئاسي اضطراباً منذ خسارته في الانتخابات البلدية،يتفاقم بسبب أزمة قيادته، وضعف تنظيمه وعم امتلاكه لمشروع. فقائد الحزب، حافظ قائد السبسي، ورئيس الحكومة، يحمل أحدهما الآخر مسؤولية الفشل الانتخابي. من المقرر عقد مؤتمر انتخابي في نهاية العام لتوضيح هذه المسائل، وبانتظار هذا، تنتشر عدوى أزمة نداء تونس في سائر الحقل المؤسساتي.

أما النهضة، وإن كان نجاحه النسبي في الانتخابات قد حمل له بعض الراحة، إلا أنه يبقى معزولاً، ولا يقدم أي مقترح سياسي واجتماعي، وقيادة الغنوشي لاستراتيجية الحزب تحيد أحياناً عن اتجاهه الخاص. وختاماً فإن الاتحاد التونسي العام للشغل يجد نفسه ممزقاً بين سياسته التقليدية القائمة على مشاركة إدارة الدولة ومرافقة الإصلاحات، وبين قاعدته المعادية لإجراءات التقشف، وخصوصاً خفض كتلة الأجور. قيادة الاتحاد المركزية، وهي في طليعة المطالبين برحيل يوسف الشاهد، تنالها الانتقادات حتى من داخل صفوفها بسبب مشاركتها في المجال السياسي على حساب العمل النقابي.

منهجية الحوار الموازي تحرم المؤسسات من جزء من مهامها. كما أن فعاليتها تتضاءل نتيجة لضعف الفاعلين فيها، وأكثر من ذلك، تميل هذه المنهجية إلى إذابة جميع المسائل في مساومة فضفاضة، وذلك بربط جميع الرهانات ـ اختيار الوزراء ورؤساء البلديات، والتعيينات الإدارية، والإجراءات الاقتصادية ـ بدلاً من اعتماد المسارات المنطقية الخاصة بكل حقل من هذه الحقول.

تربة خصبة للشائعات

تتراكم عوامل عدم اليقين، ما قد يحط من الإيراد الديمقراطي الذي تتمتع به تونس من قبل المقرضين الدوليين. وضع سياسي كهذا، يحبذ أن تقود البلاد شخصية بونابرتية. لطفي براهم كان أحد المرشحين، ولكن تم استبعاده إلى حين. يوسف الشاهد لديه أفضلية ترؤّس الحكومة، ولكنه بعيد عن فرض نفسه على جميع قطاعات الدولة وعلى الطبقة السياسية. يتحضر آخرون مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2019. وشراسة المنافسة تدعو إلى استخدام ملفات مُدينة للقضاء على الخصوم دون إثارة جلبة، وإلى طلب مساندات دولية للتعويض عن الضعف الداخلي، ما سيفتح ثغرات لتدخلات الأطراف المتنافسة. أي باختصار، لغزو الحقل السياسي من قبل “غير المرئيين”. فإن كان الفاعلون المرئيون، أي المؤسسات والأحزاب، غير قادرين على الأخذ بزمام الأمور من جديد بسرعة، وعلى تقديم رؤية واستراتيجية قادرة على الحشد، ستثمر هذه التربة الخصبة المزيد من شائعات الانقلاب، ومن التشكيك بالأساليب، ومن التدخلات الأجنبية و“الكشوفات”

1« De Gaza à Abou Dhabi, l’ascension de l’intrigant Mohammed Dahlan », réservé aux abonnés.