المملكة المغربية: العصا رد الفعل الوحيد من السلطة تجاه “الحراك”

الأحكام القاسية التي طالت منطمي الحراك تؤكد من جديد أن السلطة المغربية ترفض الإنصات إلى المطالب الشعبية. ذلك أنها لا تملك تجاه التطلعات الاجتماعية والديمقراطية إلا رد فعل وحيد هو القَمع.

25 يونيو 2018، مظاهرة تطالب بالإفراج عن معتقلي الحراك.
Vice News

المادة 1: يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء. (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)

لا شيء في العالم

يمكنه أن يجبرك على ثني الركبة

وأن تتخلى

عن هويتك الإنسانية

لا تقس قوتك

بميزان جلاديك.

عبد اللطيف اللعبي، في مديح الهزيمة (بالفرنسية والانجليزية)، First Archipelago Books edition, 2016 (édition bilingue).

في سبتمبر 2017 بعد اعتقال عدد من متظاهري “الحراك” من طرف الدولة المغربية، نشرت هيئة تحرير “نيويورك تايمز” مقالا بعنوان « Morocco’s Refusal to Listen » (رفض الإنصات في المغرب).الآن وقد تهاطلت أحكام ثقيلة على المتظاهرين، تثبت الحكومة المغربية، دون أن يكون في ذلك أي مفاجأة، أنها صماء تجاه صوت الشعب. غير أن ما يتجلى أيضا دون أدنى شك هو أن الشعب يرفض الركوع. لقد دخلت السلطة في علاقة تصادمية معه. فمن جهة هناك السلطات التقليدية التي تمتلك ثروات البلاد وتحكمه بالاستبداد. ومن جهة أخرى هناك الناس الذين أصبحوا لا يقبلون الحبس لمجرد أنهم تكلموا وهم يجربون الآن أنماطا جديدة من الحركات بدون قيادة عبر الإنترنت. لقد فقدوا ثقتهم في الدولة.

“هل قَتلوا كينيدي؟”

تصوروا أنكم رفعتم صوتكم جماعيا للمطالبة بمستقبل أفضل وأن الجواب يكون ثلاثة قرون متراكمة من السجن. وتصوروا أنكم تَمْثُلُون في أول محاكمة لكم ويتهمكم المدعون العامون بأنكم قمتم بتقويض الأمن الداخلي للدولة وأن ذلك يبرر سجنكم مدى الحياة. وأنتم تدافعون عن أنفسكم قائلين ببساطة أنكم تريدون عملا ومستشفى وجامعة ونهاية الوجود المكثف للشرطة ومخبريها في منطقتكم. وتؤكدون أن احتجاجكم السلمي لتحقيق هذه المطالب الشرعية هو حق مكفول دستوريا. وتتكرر المحاكمة 84 مرة خلال 9 أشهر و3 أيام. يتحول كل ذلك إلى مهزلة ويتساءل الناس في الشارع: “هل قتلوا كينيدي؟!”.

ولكن من هؤلاء المُدانون؟ إنهم ينتمون إلى الموجة الثانية من قادة ومتظاهري “الحراك” الذين تم سجنهم بعد موجة أولى من المتظاهرين كانت محكمة الاستئناف قد عاقبت كل منهم بالسجن سبعة أشهر في يوليو/تموز الماضي. بعد أن أُدين مناضل الحراك المرتضى اعمراشن ب5 سنوات سجنا وأدين جمال اولاد عبد النبي، وهو في سن الـ18، بـ 20 سنة سجنا تم تقليصها إلى 5 سنوات بعد الاستئناف. وتشمل هذه الموجة الثانية ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق ووسيم البوستاتي وسمير إيغيد الذين أدينوا كلهم ب20 سنة سجنا. أما محمد جلول الذي سبق وأن سجن في السابق 5 سنوات بسبب نشاطاته، فقد حكم عليه هذه المرة ب10 سنوات سجنا أخرى. كما أدين محمد الصريحي مدير جريدة “ريف”24، وربيع الأبلق المتعاون مع جريدة “البديل” المغلقة اليوم بعد اعتقال مؤسسها حميد المهداوي أدينا ب5 سنوات سجنا لكل واحد منهما. أما حميد المهداوي فأخذ 3 سنوات سجنا. وتتألف القائمة، المميزة لنظام سلطوي، من 54 سجينا سياسيا إجمالا. وينتظر أن يستأنف السجناء ضد هذه الأحكام على الرغم من أن هناك معلومات متداولة مفادها أن بعضهم متردد في القيام بذلك.

“اعترافات” تحت وطأة التعذيب

يستند عدد كبير من الأحكام على تصريحات للمتظاهرين تم الحصول عليها في ظروف سيئة. أي أحيانا تحت الضغط وحتى التعذيب لكي يُجبَر الأشخاص الموقوفين على التوقيع على اعترافات معدة سلفا لا يوافقون عليها ولا يمكنهم قراءتها بسبب أميتهم. وتؤكد منظمة حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش:

بموجب قانون الإجراءات المغربي لا يمكن قبول أي تصريح معد من طرف الشرطة كدليل إن تم الحصول عليه بالإكراه أو العنف. ولكن في الواقع تقبل المحاكم بصفة مستمرة “اعترافات” مرفوضة كدليل وتبني أحكام الادانة على هذه الاعترافات دون أن تفتح تحقيقا في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة الجسدية.

بالتأكيد كانت هناك حالات عنف مثلما حدث عندما حوصر عناصر من الشرطة في الطابق الأول من مبنى يحترق واضطروا إلى الهروب من النوافذ ومن السطح باستعمال سلالم وحبال. ولم يكن أمام بعضهم خيار سوى القفز مخاطرين بحياتهم. غير أن جمال اولاد عبد النبي الذي أدين بإشعال النار في المبنى ومهاجمة الشرطة نفى بشكل قطعي الاعترافات التي وردت في المحضر. وقال ذلك أحد إخوانه للأسبوعية المغربية “تال كال”:“أخي الذي لا يتكلم سوى التاريفيت،” اللهجة الريفية“، ـ ترك المدرسة في السنة السادسة ـ لا يمكن أن يكون قرأ التصريح (بالعربية). وفي جو خضم الأحداث قام بتوقيع المحضر لأن الشرطة طمأنته قائلة له بأن والده سيأتي ليأخذه لاحقا”.

وقد قام القاضي بإدانة جمال على أساس المحضر الذي وقعه على الرغم من أنه أنكر أمامه كل الاعترافات الواردة في الوثيقة. استأنف جمال وقد أكد ثلاثة شهود أنه خلال الأحداث كان جمال في السوق يبيع بضاعته. وقد أسقطت المحكمة تهمة “إشعال النار إراديا في أملاك الآخرين”. ويسعى محاميه الأستاذ رشيد بالعالي، المقتنع ببراءته، للحصول على البراءة في بقية التهم. من خلال قصة جمال وكل المتظاهرين المسجونين، نرى القصة المعقدة للريفيين وهم شعب الشمال الذي همش تاريخيا من طرف الدولة. يشتهر الريفيون بأنهم سحقوا المستعمر الإسباني في معركة “أنوال 1” وقد انتقم الإسبان منهم بإغراقهم بغاز الخردل. واليوم، في تصريح لموقع “فبراير. كوم.” يقارن والد ناصر الزفزافي سلوك الدولة المغربية بجيش إفريقيا الذي فرض الوصاية الإسبانية على المغرب (1859ـ 1956): “لقد انتصرنا في معركة أنوال1 التي يسميها الإسبان كارثة أنوال وأصبح كفاحنا ضد المستعمر لعنة. نوعا من الانتقام ضد مقاومتنا”.

ومن خلال قصة الريف هناك قصة مغاربة كل المناطق الذين ضاقوا ذرعا بالفقر وبدولة فاسدة.

المخزن ضد الشعب

يمكن تفسير شدة الأحكام، التي تماثل قمعا استعماريا، على أنها محاولة لاسترجاع سلطة الدولة عبر الترهيب لأن النخب الحاكمة رأت في الحركة السلمية للحراك مساسا بمواقعها. فمن خلال قيامها بتوزيع 3 قرون من السجن على المتظاهرين، تهدف الدولة إلى إعادة رسم حدود السلطة التي ما فتئ المتظاهرون يتجاوزونها في لعبة القط والفأر منذ “حركة 20 فبراير”. ويشهد على ذلك الشعار الجديد الذي ظهر منذ أشهر والذي كان يمكن سماعه أمام البرلمان في أعقاب صدور الأحكام: “باي باي زمان الطاعة، هذا عصر المقاطعة”. وكان المتظاهرون يشيرون إلى عملية المقاطعة الجارية حالياوالتي يقوم بها المستهلكون من دون زعيم. فهي عملية مقاطعة تجري كلية عبر الإنترنت. فالقوة الرقمية للمقاطعة توازي قوة الخضوع والطاعة البائدة والتي تتجسد بصفة جلية في مراسيم الولاء السنوية حيث ينحني فيها جميع الساسة ثانين ركبهم أمام الملك.

1دارت معركة أنوال بين كتيبة عسكرية إسبانية والجيش الريفي لمحمد عبد الكريم الخطابي في منطقة تامسامان في يوليو/تموز 1921، وهي تمثل بداية حرب الريف.