المسلمون في الصين: “نظام احتجاز وقائي” لطائفة الأويغور

مقابلة مع ربيعة قدير · أُنشأت في نهاية شهر سبتمبر أيلول الماضي في باريس اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني لطائفة الأويغور. وليس من المتوقع أن تحل هذه الهيئة محل المؤتمر العالمي للأويغور، حيث حضرت رئيسة الشرف في المؤتمر السيدة ربيعة قدير ولادة اللجنة. ولقد التقينا بالسيدة قدير بهذه المناسبة للتحدث معها عن الأوضاع في ولاية تشيجيانغ، التي تغطي مساحة شاسعة في شمال غرب الصين، بلد المنشأ بالنسبة لهذه الطائفة.

ربيعة قدير خلال منتدى الأقليات الذي عقدته الأمم المتحدة في جنيفا في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2011
إيريك برايدرز/ بعثة الولايات المتحدة الأميركية في جنيفا

ولدت ربيعة قدير في قلب ولاية تشيتشيانغ، وتبلغ اليوم من العمر 71 عاماً. وهي سيدة أعمال ناجحة انتدبتها حكومة الصين عام 1995 كممثلة لها الى المؤتمر العالمي الرابع للأمم المتحدة حول المرأة المنعقد في بكين. بعد ذلك بسنتين أصبحت عضواً في المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني وشاركت بهذه الصفة في جلسات الاستماع الى شهادات ضحايا القمع البوليسي الذي كان قد أوقع أكثر من 170 قتيلاً في مدينة غولجا في شمال شرق ولاية تشيتشيانغ. ولقد ألقت وقتها كلمة نددت فيها بالمجزرة التي ارتكبها رجال الشرطة. كما رفضت إدانة زوجها الثاني، المفكر صديق روزي، الذي حكم عليه بعشر سنوات من الاحتجاز في معسكر العمل الإجباري التجأ على إثرها الى الولايات المتحدة الأميركية حيث قام بتصريحات عديدة انتقد فيها السلطات. وعندها أصبحت ربيعة قدير شخصية غير مرغوب بها ولم يجدد انتخابها في المؤتمر الاستشاري.

المناداة باستقلال ذاتي فعلي

ومنذ اعتُبِرت محسوبة على المعارضين، حُكِمَ على ربيعة قدير عام 1999 بثماني سنوات من السجن منها سنتين أمضتهما في عزلة تامة وعتمة مطبقة. ولقد أُطلِق سراحها قبل انقضاء مدة الحبس بسنة واحدة بفضل حسن سلوكها وبسبب وضعها الصحي. وغادرت السجن عام 2004، وحازت في العام نفسه على جائزة رافتو1.ويبدو أن الإفراج عنها قد تم بضغط من الولايات المتحدة الاميركية ولا سيما كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في الولاية الثانية لجورج بوش، ومؤسسة دوي هوا2. ولقد تمّ إبعاد ربيعة قدير الى الولايات المتحدة الأميركية حيث اجتمعت مجدداً بزوجها وخمسة من أطفالها الأحد عشر. أما الأطفال الآخرون فيعتبرون رهائن لدى الحكومة الصينية وبمثابة “كفالة” لاستمرار والدتهم في “حسن سلوكها”. وبالرغم من المخاطر التي تتهددهم فربيعة قدير مستمرة في كفاحها ضد القمع والتمييز الذي يطال الأويغوريين. وفِي عام 2006 انتخبت رئيسة للمؤتمر العالمي ومنذ ذلك الحين كما تقول “سأظل أناضل الى أن ينص الدستور الصيني على استقلال ذاتي حقيقي للولاية”.

شهدت ولاية تركستان الشرقية (والتي أعيد تسميتها تشينجيانغ “الأرض الجديدة” في اللغة الصينية) عبر التاريخ فترات من الاستقلال، طويلة حيناً وقصيرة حيناً آخر، وفترات أليمة من التسلط الأجنبي. وفي عام 1949، بعد انتصار ماو تسي تونغ والشيوعيين على الوطنيين التابعين للحزب الوطني الصيني (الكوومينتانغ) تم ضم الولاية الى الصين الشعبية. وتبلغ مساحة الولاية ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا ويقطنها ما يربو على عشرين مليون نسمة (ليسوا جميعاً من الأويغوريين)، وفيها موارد جوفية من الغاز والنفط والفحم واليورانيوم. والأهم من ذلك أن موقع الولاية الجغرافي استراتيجي في آسيا الوسطى. حيث للولاية حدود مشتركة مع منغوليا وكازاخستان وكيرغيزستان وطادجيكستان وأفغانستان وباكستان والهند، كما تقع على مسار مشروع ضخم، مشروع طرق الحرير الجديدة الذي أطلقه الرئيس شئ جينبنغ. ومع أن المنطقة تحظى باستقلالية نسبية إلا أنها كانت دائماً في حالة غليان كما كانت تصطدم بالتشكيك المستمر من قبل الحكومة الصينية وبالقمع الشرس كذلك.

المناطق الصفراء الداكنة تشير الى أغلبية الأيغور والبيضاء تكاد تكون غير مأهولة
عن مجلة كوريي أنترناسيونال

معسكرات لإعادة التأهيل

لقد تطرقت الصحافة الى معسكرات إعادة التعليم والتربية هذه حيث يقدر عدد السجناء بما يقارب مليون نسمة3. وبمعنى آخر فالاحتجاز الإداري لا يتطلب وجود حكم من القضاء. لا حاجة لأي إجراء قانوني ولا حتى تهمة موجهة للمحتجَز، كما أن أي إمكانية في الحصول على محام معدومة تماماً. ويمكن للمرء أن يقضي وقتاً طويلاً للغاية في هذه المعتقلات بل وبشكل مؤبد أحياناً. وتضم هذه المعتقلات بشكل منفصل رجالاً ونساءً تتراوح أعمارهم بين 18 و 30 سنة. والأمر يطرح مشكلة أخرى:" لقد أُودِع الكثير من الأطفال في دار الأيتام بعد احتجاز الوالدين. ولا يعرف أحد مكانهم بالضبط ولا مصيرهم. ومن غير المستبعد أن يكونوا خاضعين للاتجار بالأعضاء. وهذه المعسكرات ليست معسكرات أشغال بل “إعادة تأهيل”. ومن المعلوم أن الأويغوريين ناطقون باللغة التركية، وهم من المسلمين السنة. وحتى فترة قريبة كانت نظرتهم للدين بعيدة عن التطرف أو السلفية. ومع ذلك فإن سلطات بكين تذرعت بوجود بعض الأوغوريين في صفوف داعش وقررت أن تراقب عن كثب الخطب في المساجد. بل ونظرت في إمكانية إعادة كتابة القرآن. وليس من النادر أن ترى في شوارع أورومكي، العاصمة الحالية، أو كاشغار، المدينة التاريخية، سيارات الشرطة تذيع على الملأ تحذيرات ضد رجال الدين “المتطرفين”. فضلاً عن ذلك فإن السجناء في المعسكرات مطالبون يومياً بالاستماع إلى مقولات من فكر الرئيس شي جينبينغ وتعلّمها. وهو الفكر الذي يؤمن “بالاشتراكية ذات السمات الصينية من أجل عصر جديد”، وهو الفكر المدوّن في ميثاق الحزب الشيوعي الصيني في مؤتمره الأخير، إلى جانب فكر ماو تسي تونغ و دانغ كساوبينغ (وفي ذلك محاولة لربط التخلي عن الدين الإسلامي مع الإرشاد العقائدي. وذلك بهدف إعادة تأهيل المتمردين في صفوف الأويغوريين).

استعمار استيطاني

وتترافق هذه العملية بحملة استيطانية للولاية من قبل عرق “الهان” الذي له الأغلبية في الصين حيث ارتفع عدد المستوطنين الهان في الولاية من 200.000 عام 1949 إلى عشرة ملايين نسمة اليوم. وتوضح ربيعة قدير أن احتواء الثقافة والشخصية الإوغورية ضمن حدود ضاغطة إنما يؤثر أيضاً على المستوطنين أنفسهم. هـؤلاء في غالبيتهم من الفئات المحرومة في الصين. وهم يحصلون على تحفيزات مالية ووعود بشقة سكنية وبأجر أكبر مضمون لتشجيعهم على الاستيطان في الولاية. إلا أنهم لا يستطيعون العودة الى مناطقهم الأصلية كما يأملون. وهكذا، شيئاً فشيئاً ومع موجات المهاجرين المتتالية، باتوا يمثلون 40% من الشعب، في حين لا يمثل الأوغوريون سوى 46%. علماً أن هذه العملية لم تنته بعد، فثمة ترحيل للعديد من الأويغوريين الى أطراف المنطقة، مما يفسح مجالاً للمزيد من المستوطنين من عرق الهان ليحلوا محلهم. وبحجة القلق من خطر الإرهاب، فإن سلطات الولاية وعلى رأسها تشان كوانغو المعروف بقبضته الحديدية ولا سيما في ولاية التيبت حيث له سوابق في القمع، تسعى في حقيقة الأمر الى التصدي لأي شكل من أشكال الاحتجاج والمعارضة. ولقد باشرت بعمليات قمع تستند الى أحدث التقنيات. ولقد اعترفت الحكومة المركزية بأنها تطمح لإحلال نظام التعرف الإلكتروني على هوية أي شخص في الصين (علماً أن عدد السكان يقارب المليار وأربعمائة ألف!) وبهذا المعنى فلقد أصبحت الولاية مختبر تجارب، مع نقاط تفتيش مزوّدة بأجهزة تعرّف على الأجسام وحدقة العين.

ثلاثمائة من الجهاديين

من ناحية أخرى فإن الجالية الأوغورية في الخارج تخضع بدورها الى الملاحقة. وتؤكد ربيعة قدير وجود المخاطر المحدقة بهم.( يخضع الأوغوريون في البلاد التي يتواجدون بها الي مضايقات من قبل الشرطة الصينية. ويجري تجنيد بعضهم للتجسس على البعض الآخر، وذلك باستخدام التهديد بالنيل من الاقارب الذين بقوا في الولاية).

ويشعر الأويغوريون بحالة من العزلة التامة في مواجهتهم لهذا التطهير العرقي، سيما وأن عددهم قليل للغاية لا يمثلون سوى 1,5 % من إجمالي الشعب. حتى طيب أردوغان نفسه فلقد ضم صوته الى صوت السلطات الصينية باعتباره الأوغوريين من الجماعات الخطرة، بعد أن كان قد أعرب عن تضامنه معهم في الماضي.

هذا ولا يمكن أن يكون سبب إهمال المجتمع الدولي لقضيتهم هو التحاق 300 عضو من عناصر حزب تركستان الإسلامي بصفوف داعش ولا مظاهرات الاحتجاج العديدة من قبل المعارضة والتي تتهمها السلطات فوراً بالجماعات “الإرهابية”. “ما أرجوه” تقول في الختام رئيسة مؤتمر الأوغوريين العالمي“هو أن تجد هذه القضية التي أدافع عنها صدى ً بين البلدان التي ترفع راية الدفاع عن حقوق الإنسان بدءاً بفرنسا ودول أخرى في أوروبا. أما الولايات المتحدة الأمريكية فبعد تنديدها الحاسم والمتكرر فأنتظر منها أن تفتح قنصلية في أورومكي للدلالة فعلاً على تصميمها مساندتنا.”

1وهي مكافأة تقدم كل سنة لشخصية قامت بنشاط لصالح حقوق الانسان

2وهي من مؤسسات النفع العام تهدف الى تحسين الأوضاع في مجال حقوق الانسان عبر الحوار بين الولايات المتحدة الأميركية والصين

3والمعسكرات هذه تمثل منظومة اعتباطية بشكل تام، على شكل اعتقال وقائي يستند الى التوقيف الإداري. وهي منظومة كانت متبعة في ظل الحماية البريطانية على فلسطين ومازال معمول بها حالياً ضد الفلسطينيين، على يد إسرائيل