تقرير صحفي

ميناء استراتيجي في عُمان لتجنب مضيق هرمز

كانت الدقم قديما ميناءً متواضعاً للصيد يطل على بحر العرب، وها هي اليوم تتحول إلى عاصمة اقتصادية. مشروع ضخم أطلقته سلطنة عمان قبل أن تحتكره القوى العظمى. وإن وقعت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية في 31 آذار-مارس لتسهيل ولوج أسطولها العسكري للميناء، فقد تلعب الصين دورا رئيسيا في هذا المشروع الذي يهدف إلى إحياء وتنويع الاقتصاد العماني.

© Sebastian Castelier

تهب الرياح وتدفع بالأمواج على شاطئ صحراوي تمتد في أفقه التلال. أما الأفق البحري للدقم، فلا يزال بريا على امتداد مئات الكيلومترات، إذ حرص السلطان قابوس طويلا على حماية عمان من أي مشروع قد يخل ببيئتها الطبيعية. لكن ذلك جعل محافظة الوسطى تبدو متخلفة مقارنة بمحافظات شمال البلاد وجنوبها التي تشهد نشاطا سياحيا واقتصاديا مهما. الدقم مدينة ساحلية صغيرة تطل مباشرة على بحر العرب، صارت السلطة المركزية منذ عقد تخطط لها. تعد هذه المدينة المنعزلة عن باقي البلاد 16 ألف ساكن (من بينهم أربعة آلاف عماني بحسب السلطات المحلية)، كانوا يعيشون أساسا من الصيد البحري التقليدي. ولم يشهد الميناء طوال فترة طويلة سوى نشاطاً قليلاً، غير كاف لخلق مواطن شغل. وتعود طموحات مسقط بشأن الدقم إلى اعتزام الحكومة العمانية التخفيض من اعتمادها على صناعة الغاز والنفط والتي تمثل 74% من مداخيل الدولة. وقد غزت الشاحنات والجرافات المكان منذ سبع سنوات لترسم الخطوط الأولى لمُجمّع عملاق يمتد على مساحة ألفي كيلومتر مربع. ويزمع انتهاء المرحلة الأولى من الأشغال سنة 2020، رغم تأخير وارد.

ميناء الدقم

طريق إلى أفريقيا وأوروبا

يتأمل المدير العام صالح حمود الحسني الأشغال من بعيد وهو في الطابق الأول لهيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة. بُني مقر هذه الهيئة بمنطقة نائية، على الطريق السريعة الجديدة والفارغة، التي تصل بين الدقم ومسقط. ويفتخر المدير العام بتقديم “أكبر مشروع اقتصادي لعُمان، والأهم بالشرق الأوسط، وأحد أهم المشاريع على المستوى العالمي”. يعد المشروع ميناء متعدد الأغراض، وأكبر حوض جاف في المنطقة، ومطارا دوليا، ومعملا لتكرير 230 ألف برميل نفط خام يوميا، والعديد من المُجمّعات السكنية والسياحية الفاخرة. وقد استثمرت الحكومة العمانية إلى حد الآن 1,7 مليار دولار في المشروع لكنها لن تضيف على ذلك الكثير، بل ستكتفي بالبنية التحتية الأساسية، إذ تود عُمان خاصة جلب المستثمرين الأجانب. “موقع الدقم استراتيجي، إذ نحن هنا خارج مضيق هرمز وعلى ممر الطرق البحرية الدولية، وقريبون جدا من بلدان مثل الهند والباكستان وبنغلادش. كما أن الدقم تقع على الطريق المؤدية إلى شرق أفريقيا وهي على تواصل مع دول عربية أخرى. كل هذا يجعل موقع هذه المدينة فريدا.”

صحيح أن مشروع الدقم له ميزات تجذب جميع المصدّرين، إذ يمنح هذا الميناء مرسى في منتصف الطريق الفاصلة بين شبه القارة الهندية وسواحل شرق أفريقيا. كما يوفر على البواخر المرور عبر مضيق هرمز للوصول إلى بلدان الخليج، ما يتطلب وقتا أطول، علاوة على عدم استقرار هذا الممر، كما يؤكد ذلك التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من جهة، وإيران من جهة أخرى. فمؤخرا، شهدت المنطقة توترا إثر تخريب بعض السفن في عرض ميناء الفجيرة والهجوم على أنبوب نفط سعودي وقد جد ذلك على التوالي يومي 13 و14 أيار-مايو 2019

يقول صالح الحسني: “لن نكترث بانعدام الاستقرار بفضل ما ستدره علينا الأعمال التجارية في الدقم”. طبعا، استعدّت الصين للمشاركة في هذا المشروع. فاهتمام بيكين بالدقم كما اهتمامها سابقا بمشروع “مدينة الحرير” في الكويت يأتي ضمن طموح الصين الواسع بإعادة تنشيط طرق الحرير القديمة، إذ ينخرط الميناء العماني تماما في هذا المشروع المدعو بـ“مبادرة الحزام والطريق”. من أجل ذلك تنوي القوة الآسيوية الأولى استثمار مبلغ 10,7 مليار دولار، واستأجرت لمدة 25 سنة أرضا تمسح 11 كيلومترا مربعا في المركز الاقتصادي للدقم الجديدة. وستقوم آنذاك الشركة المحاصة عمان فانفانغ والمتكونة من ست شركات صينية ببناء معامل سيارات وميثانول ومواد بناء وإنتاج طاقة شمسية، إلى جانب معمل لتكرير النفط الذي سيكون القلب النابض لاستثمارها. بهذا تطمح الصين يوما ما إلى تكرير النفط الذي تستورده من جميع بلدان مجلس تعاون دول الخليج مباشرة في الدقم. ويعلق صالح الحسني على هذا قائلا: “عُمان تمنحهم الاستقرار. لدينا علاقات جيدة مع الصين لذلك نمنحهم دور المتعهد”.

الجزء الناقص من طريق الحرير

تستطيع الصين بفضل ميناء غوادر الذي كان ملكا عُمانيا حتى سنة 1959 والواقع في إقليم بلوشستان بباكستان قبالة السواحل العمانية، وبفضل مرساها الجديد في دجيبوتي، أن تربط بين نقطتي مرور بعيدتين. وهكذا تصبح الدقم النقطة الأخيرة الرابطة بين القارة الآسيوية من جهة -عبر شبه الجزيرة العربية- والقرن الأفريقي من جهة أخرى. ويذكّر محمد زلفيكار رحمت وهو مختص في شؤون الشرق الأوسط وتحديدا في العلاقات بين الصين والشرق الأوسط أن “الصين كانت عبر التاريخ تستعمل اليمن كمركز لنقل البضائع، لكن القرصنة قللت من ولوجها إلى خليج عدن. وسيتسنى لها في المستقبل اجتناب هذا الطريق بفضل ميناء الدقم وبذلك تأمين طرقها التجارية”. ويتكهن الباحث على المدى الطويل بحضور صيني في خط الفراغ العماني. “لا شك بأن السفن الصينية الكبيرة سترسو في الدقم بينما ستُرسل السفن الأصغر إلى مناطق أخرى من الشرق الأوسط وشرق أفريقيا”.

عمال من الوافدين في ميناء الدقم

ستصير الدقم إذن، في غضون سنوات، منافسا مباشرا لميناءي خليفة (أبو ظبي) وجبل علي (دبي)، خاصة إذا تحقق مشروع السكك الحديدية الرابطة بين ميناء الدقم ودول الخليج. ويشير صالح الحسني إلى أن “الهدف من هذا المشروع هو الربط بين جميع بلدان مجلس التعاون لدول الخليج. لكنه معلّق حاليا بسبب تباطؤ الاقتصاد جراء الأزمة النفطية. وإن تحقق فسيشكل ميزة أخرى تضاف إلى الدقم، إذ سيسمح بوصول البضائع إلى الكويت خلال 48 ساعة، مقابل ثلاثة أو أربعة أيام عبر البحر”.

تحول الأزمة السياسية التي يشهدها الخليج منذ حزيران-يونيو 2017 إلى جانب مديونية بلدان مجلس التعاون لدول الخليج دون إنجاز مشروع شبكة السكك الحديدية الإقليمية. أمر يأسف له طلال ابن سليمان الرحبي وهو رئيس اللجنة الفنية لـ“رؤية عمان 2040” ونائب الأمين العام للمجلس الأعلى للتخطيط، قائلا إنه “لا يوجد حتى الآن تاريخ محدد لهذا المشروع”. ثم إن شبكة كهذه ستكون منافسا مهما للموانئ الإمارتية وستعزز ظهور القطب العماني كمنافس. وهو وضع عويص في ظل الفترة الصعبة التي يعيشها البَلدان . بيد أن الباحث محمد رحمت يؤكد أن بوسع الدقم “أن تكون ورقة إضافية إلى جانب ميناء جبل علي، فالصين لا تهدف إلى تعويض ميناء بآخر بل إلى بناء أكبر عدد ممكن من الموانئ في الخليج”.

وقد صرّح سفير الجمهورية الشعبية الصينية بسلطنة عُمان لي لينغبينغ في نيسان-أبريل بأن “عُمان والصين أعلنتا السنة الماضية إقامة شراكة في إطار”مبادرة الحزام والطريق". وقد انضمت عُمان رسميا لدائرة أصدقاء هذا المشروع. سلطنة عُمان والصين تتقاسمان موروثا تاريخيا طويلا. وتتمتع هذه البلاد بموقع جغرافي استراتيجي وبموانئ ممتازة مثل الدقم وصلالة وصحار، والتي لها مصلحة طبيعية في المشاركة في إعادة تنشيط طريق الحرير". هكذا قد تصبح هذه الموانئ الثلاث مراحل تجارية للصين حتى تلج سوق شرق أفريقيا ومن ثمة قناة السويس فأوروبا. وقد بلغ حجم التبادلات التجارية بين البلدين في 2018 قرابة 22 مليار دولار، وهو ارتفاع بنسبة 40% مقارنة بسنة 2017. وتعود إحدى الأسباب الرئيسية لهذا النمو إلى الحصار المفروض على قطر التي باتت مضطرة لتحويل وجهة وارداتها من الموانئ الإمارتية نحو الموانئ العُمانية.

سفينة صينية في ميناء الدقم

تحفظات محلية

نادرة هي المنشآت التي بنيت إلى حد الآن على أرض الدقم، لكن الأشغال تتكاثر وبدأ بعض السكان في التعبير عن تحفظاتهم وخوفهم أمام الاضطراب المهم الذي ستشهده بيئتهم. وقد توجه العديد من الصيادين المحليين إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري بالعاصمة مسقط، موفى سنة 2018، لتبليغ شكواهم. وقد كان موضوع هذه الشكاوى وفق المسؤول الوزاري حسن حسين الأغبري أن “قرابة 400 سفينة صيد كبرى ستستغل مواردنا البحرية الثرية، وأن معامل لتحويل السمك ومستودعات مبردة ستشتغل على مدار 24 ساعة لتصدير منتوجاتنا، خاصة نحو آسيا”. فازدهار الدقم سيتم عبر تصنيع الصيد البحري المحلي وتصدير دولي مكثف للسمك، وهو تحول لا يستحسنه المستثمرون العمانيون الصغار لسمك السردين، وعددهم 500، لما يتسبب فيه من تقليل لأسراب الأسماك في سواحل محافظة الوسطى. ويؤكد الصياد العجوز العماني الزبيب حمد الجنيبي أن “مجتمع صيادي الدقم لا يحبون هذه السفن الكبيرة التي ستمارس بلا شك الصيد الجائر، والحال أننا نفتقر للإمكانيات الكافية للاستثمار في هذا المشروع”. ويشتكي عامل آخر في نفس القطاع قائلا: “سيصيدون بلا شك كل السمك!”.

إلى جانب العاملين في قطاع الصيد البحري، تأثر كذلك العديد من البدو نصف الرحل من هذه الأشغال، إذ تمت مصادرة جزء من أراضيهم. وقد بنت لهم الدولة من باب التعويض مُجمّعاً سكنياً يعد 150 منزلا الواحد بمحاذاة الآخر، على بعد كيلومترات من جنوب المدينة القديمة. ومن المزمع إعادة إسكان ثلاثة آلاف صياد وبدوي مع عائلاتهم في هذه المنطقة الصحراوية. بيد أن الحي السكني لا يزال فارغا بعد أشهر من انتهاء الأشغال. ويجد صالح حمود الحسني ذريعة لتفسير هذا الأمر مطمئنا بأن عملية التثبت من هوية العائلات المؤهلة للتمتع بهذه الهبات تتطلب بعض الوقت. لكن الحقيقة هي أن بعض البدو والصيادين لا يزالون يرفضون التنازل عن ديارهم الموجودة على أراضٍ خصصت للاستثمار. ويواصل المدير العام لهيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بتفاؤل: “نود حث السكان المحليين على المشاركة في الدقم الجديدة. ممانعة الناس طبيعية، إذ لم يروا بعد فوائد هذا المشروع. لكن الأولوية ستكون لهم قريبا في بعض الاستثمارات، وخلق قرص عمل، والتمتع ببنى تحتية أفضل. لقد بنينا هنا طرقا وبنوكا ومراكز تجارية بها قاعات بولنج وسينما!”

في ضواحي الدقم، تبقى المنطقة السكنية التي تم بناؤها لإسكان 3000 من الصيادين و الرعاة شبه الرحل شاغرة تماماً

من المفروض أن يمكّن المشروع وفق الحكومة العمانية من بعث قرابة 300 ألف فرصة عمل خلال العشرين سنة القادمة، وأن تساهم الدقم بانتهائه بنسبة 5% من النشاط الاقتصادي الوطني. ويتبنّى أحمد بن سليم المحروقي، وهو والي الدقم، خطابا مطمئنا حول ردود فعل سكان مدينته أمام هذه الاضطرابات التي تطال منازلهم، إذ يقول بابتسامة حرجة: “من الطبيعي أن يشعر المرء بالخوف أمام أي جديد. لكن هذا الشعور لا يتعدى فترة الاكتشاف”. ووفق كلامه، فإن العمانيين لم يقدموا أي شكوى منذ توليه هذا المنصب في تشرين الأول-أكتوبر 2018، ولا حدث ذلك خلال الولاية السابقة: “لأ شك أن الأشخاص المستائين من مشروع الدقم سيرحبوا بهذا التغيير عاجلا أم آجلا، فالأمر إيجابي جداً بالنسبة لهم!”