تقرير صحفي

جيجل: بعيداً عن الجزائر العاصمة، الحلم نفسه بتغيير سلمي

كيف يمكن أن نرى الثورة السلمية من خارج العاصمة؟ الإجابة نبحث عنها على بعد ثلاثمائة كيلومتر شرقا، بولاية جيجل التي ورثت عن تسعينيات القرن الماضي سمعة المدينة المحافظة المرتبطة بسنوات الاستقطاب الايديولوجي والحرب الأهلية. وفي حين تتمركز قوى القمع الرئيسية في العاصمة، فإن الحراك في جيجل، المتسم بالتعددية والوحدة، قد عقد العزم على المضي قدماً رغم كل الصعاب من أجل تحقيق حلمه.

جيجل، مسيرة 14 يونيو/حزيران 2019
JijelNews/Facebook

“نحن هنا من أجل تغيير النظام”.. هكذا تحدث رجل في العقد السادس، يقف أمام مقر بلدية جيجل، حيث كان الناس يتوافدون تباعا للمشاركة في المسيرة التي تنظم كل جمعة منذ أربعة أشهر، جاء كلام الرجل تعليقاً على ما كان يقوله شاب عشريني باستعمال مكبر صوت، يصف الجزائر التي يُريدها، بأنها “جزائر باديسية نوفمبرية” (نسبة إلى عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وثورة نوفمبر 1954 التي انتهت باستقلال الجزائر) وليست جزائر العلمانيين “المسلوخة” عن هويتها.. قال لي أحد المداومين على المشاركة في المسيرات منذ 22 فيفري إن الشاب المتحدث ينتمي إلى حركة مجتمع السلم (حزب مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين).

هذه التجاذبات الإيديولوجية، بدأت تطفو على السطح منذ الشهر الثاني من الثورة السلمية، لكنها لم تؤثر كثيرا على انسجام المتظاهرين ولا أبعدتهم عن مطالبهم الجوهرية، المتعلقة بإحداث تغيير حقيقي يُعيد للجزائريين الحق في اختيار من يحكمهم.. بعد أن أنهى الشاب كلمته المقتضبة صفق عليه بعض الحضور وسلم مكبر الصوت ليفسح المجال لمتدخل آخر، ردد بعض الشعارات المتداولة ثم تحدث عن “الجزائر حرة ديمقراطية” وهو الشعار الذي بقي إلى عهد قريب علامة دالة على الانتماء إلى أحزاب سياسية ذات توجه علماني.

لقد حلت مطالب إقامة دولة مدنية يكون القانون أساسها وتعود السيادة فيها للشعب، محل الشعارات التي سادت في التسعينيات عندما كان الاستقطاب بين الإسلاميين والعلمانيين على أشده وانتهى إلى حرب أهلية، وإلى غاية 22 فيفري بقيت هذه التصنيفات التي تضع المحافظ المتدين مقابل الحداثي العلماني قائمة، وعلى المستوى السياسي بقيت مناطق بعينها، ومن ضمنها جيجل، تصنف على أنها من معاقل الإسلاميين، ففيها أنشأ الجيش الإسلامي للإنقاذ (كان يوصف بالذراع المسلح للجبهة الإسلامية المُحلة) مقر قيادته، وفي أم الحوت، وهي منطقة جبلية وعرة تقع على بعد أربعين كيلومترا جنوب عاصمة الولاية، تفاوض أمير جيش الإنقاذ مع الرجل الثاني في المخابرات إسماعيل العماري، وتوصلا معا إلى اتفاق نزل بموجبه آلاف المسلحين من الجبال بعد سبع سنوات من حرب أهلية أحدثت شروخا في المجتمع وتركت ندوبا عميقة في النفوس.

يقول كمال، تاجر في الخامسة والأربعين، إن “هذه الثورة السلمية حررتنا من أشباح الحرب الأهلية التي ظلت تسكننا لعقدين كاملين بعد نهايتها ونحن اليوم نعرف طريقنا جيدا”، والحقيقة أن هذه الثقة لم تتكرس إلا بعد مرور أسابيع من مسيرات حاشدة لم تشهد أي عنف وبعدها صار الحفاظ على السلمية من أهم ما يحرص عليه المتظاهرون.

خلال عشرين سنة من حكم بوتفليقة ظل الخطاب الرسمي يستحضر آثار ما جرى في التسعينيات لتذكير الجزائريين بقيمة الأمن والاستقرار الذي يتم ربطه باستمرار النظام القائم، وفي كل مرة كانت هناك دعوات لانفتاح سياسي أو إطلاق عملية انتقال ديمقراطي، كانت السلطة والإعلام التابع لها يتهمون أصحاب المبادرات بالسعي إلى جر البلاد مجددا إلى سنوات “الدم والدموع”، وحتى بعد المسيرات الأولى وقف الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، الذي يقبع في السجن بتهم فساد، أمام البرلمان ليذكر الجزائريين بأن ما يجري في سوريا بدأ أيضا بمتظاهرين يحملون الورود، غير أن الرد جاء من الشارع بالتأكيد على سلمية المظاهرات والإصرا ر على تغيير حقيقي وعميق، فلا التخويف بالعودة إلى الحرب الأهلية، ولا تكرار سيناريو المآسي التي تشهدها سوريا وليبيا أقنع الملايين بالكف عن التظاهر والعودة إلى بيوتهم.

الأحزاب خارج اللعبة

يعتقد كثير من المتظاهرين بأن الاستقطاب الايديولوجي قد يؤدي إلى تشتيت الصفوف، ولذلك وجبت العودة إلى نقطة البداية، عندما كان الإجماع حاصلا على أولوية تغيير النظام، ففي الميدان يسير المتظاهرون جنبا إلى جنب، فقط بعض اللافتات، وعلى قلتها، تخبر عن قناعات إيديولوجية أو سياسية، لافتة هنا تطالب بـ “مرحلة انتقالية ومجلس تأسيسي”، ولافتة هناك تصف الجزائر بـ “الإسلامية وباديسية ونوفمبرية”، فلا وجود للممثلين المحليين للأحزاب تماما مثلما كانوا غائبين عن الساحة خارج المناسبات الانتخابية. خلال عقدين من حكم بوتفليقة انقسمت الساحة بين مؤيد حول حزبه إلى لجنة مساندة تدعم كل السياسات الحكومية وتبررها، وبين معارض خاضع لقواعد اللعبة التي فرضتها السلطة، لكن الصلة مع المجتمع بدت مقطوعة تماما، وحتى التجمعات التي تنظم بمناسبة الانتخابات لم تكن تستقطب إلا أعدادا قليلة من المهتمين، في معظمهم من منخرطي تلك الأحزاب، وعندما انطلقت المظاهرات الحاشدة وجدت هذه الأحزاب نفسها على الهامش ولم تستطع استيعاب ما يجري إلا بعد ثلاثة أسابيع، عندها بدأت ترسل بعض الشباب لتصدر المظاهرات ورفع لافتات تدعم أطروحاتها السياسية، وهي لافتات تغطي عليها قوة الشعارات التي يرددها المتظاهرون، الذين جاء أغلبيتهم من هامش الساحة السياسية لاطلاق ثورة شعبية تفرض الآن توازنات جديدة. عبر الميسنجر وصلتني رسالة، هي عينة عما يجري تداوله عبر الخاص، يحاول مضمونها تبرير تخلف المنطقة - جيجل - اقتصاديا بالمواقف التاريخية لأبنائها الذين لعبوا دورا حاسما في مكافحة الاستعمار، لذلك تمت معاقبتهم من طرف النظام الحاكم، وتنسب هذه الرسائل إلى ما يعرف بـ “الذباب الإلكتروني”، وحسب أحد الخبراء في تكنولوجيات الاتصال، فإن السلطات تستعين بشركة صينية من أجل تسيير حرب إلكترونية تستهدف التشكيك في عفوية الثورة السلمية، وتؤكد وجود جهات تتلاعب بالمتظاهرين، وتبدو الرسالة التي وصلتني منسجمة تماما مع تلك الأطروحات التي تحمل مسؤولية الخراب الاقتصادي لبوتفليقة المتحالف مع فرنسا والقبائل، وقد تصاعدت هذه الحملات الإلكترونية مع نهاية حكم بوتفليقة وخروج قيادة الجيش إلى الواجهة.

الجيش في قلب الجدل السياسي

عشية المسيرة كان قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح قد ألقى خطابا مثيرا، تحدث فيه عن حظر رفع كل الأعلام باستثناء الراية الوطنية، وعن توجيه تعليمات إلى الأجهزة الأمنية بتطبيق صارم للقانون، وكان واضحا أن المقصود هم من يحملون الراية الأمازيغية.. هنا أيضا تظهر هذه الراية منذ بداية المظاهرات، يحملها ثلاثة أو أربعة أشخاص ولم يثر الأمر أي جدل، ورغم أن الولاية لم تُعرف بتبنيها للمطلب الثقافي والهوياتي الأمازيغي، فإنها لا تظهر أيضا أي عداء لهذا المطلب، لكن خطاب قائد الجيش أثار الكثير من المخاوف.. بالنسبة لجمال الدين الأمر واضح تماما “هذه محاولة لتشتيت الجزائريين والقضاء على ثورتهم السلمية، وليس هناك من رد إلا بأن نرفع هذه الراية جميعا”، لم يكن هذا ما شاهدته عندما نزلت إلى الشارع.. في الصباح كانت الأغلبية قد تابعت عبر فيسبوك بثا مباشرا لما جرى في العاصمة من اعتقالات في صفوف من حملوا الراية الأمازيغية وكيف كان رد المتظاهرين، فالمصدر الوحيد لمتابعة ما يجري في بقية مدن البلاد، والعاصمة تحديدا، هو “فيسبوك” باعتبار أن القنوات التلفزيونية الخاصة لا تنقل ما يجري على الأرض بموضوعية بسبب خيارات ملاكها أو ضغط السلطة عليها. كان المتظاهرون الذين يتجمعون أمام مقر البلدية يركزون مع هواتفهم، قلت لأحدهم يبدو أن الأمور متوترة في العاصمة رد علي “نحن نتابع ما يجري هناك، بعد قليل ستنطلق المسيرة وستسمع الهتافات نفسها التي تتردد في العاصمة”. هذه ثورة تلعب التكنولوجيا دورا حاسما فيها، كما قال لي أحد المختصين، وهذا يجعل القضاء عليها أمرا مستحيلا، تأكد لي هذا التشخيص عندما شاهدت كيف توحد منصات التواصل الاجتماعي المواقف وتعطي المظاهرات صبغة وطنية، وتنقض الخطاب الرسمي الذي يزعم أن المناوئين لقائد الجيش وخيارات السلطة هم مجرد أقلية قليلة تحاول اختراق المظاهرات في العاصمة وتستفيد من تغطية إعلامية محلية وأجنبية لتضخميها.

قبل انطلاق المسيرة بقليل، كان جمال يلف على وسطه الراية الأمازيغية وعلى كتفيه يحمل صبيا متدثرا بالعلم الوطني، هو يفعل هذا في كل مسيرة ولم يشعر بأن خطاب قائد الجيش يرغمه على تغيير موقفه، لم يلتفت إليه أحد، وعلى بعد أمتار منه كان كهل يقف وقد غطت الراية الأمازيغية جسده وتحتها العلم الوطني، كان واضحا أن الأمر يتعلق بتحدي الخطاب وما تضمنه من وعيد، وعلى عكس ما جرى في العاصمة لم يأت أحد لمصادرة الرايتين واعتقال حامليهما، اقترب شخصان بالزي المدني من الكهل وطلبا منه نزع الراية الأمازيغية وإخفاءها فرفض، تدخل شاب من المتظاهرين دفاعا عن حرية الرجل في حمل الراية، فرد الشخصان بأنهما من رجال الأمن وأنهما ينفذان التعليمات، انتهى النقاش بسرعة بامتثال الرجل الذي أخفى الراية، في حين بقيت راية أخرى ترفع في المسيرة إلى غاية عودتها إلى نقطة انطلاقها بعد أن جابت الشوارع الرئيسة للمدينة.

حصار العاصمة يحرر بقية الجزائر

لا شرطة هنا لتنفيذ التعليمات بصرامة، ولا وجود لقوات مكافحة الشغب، كل شيء يسير بهدوء لأن المعركة كلها تدور في العاصمة وحولها، يقول لي حميد “منذ بداية المظاهرات قبل أربعة أشهر لم نشاهد أي حضور لقوات الأمن، يبدو أنهم نقلوا أغلبيتهم إلى العاصمة، أما هنا فيكتفون برجال أمن بالزي المدني يتابعون المسيرات من داخلها ويراقبون كل التفاصيل”، بالنسبة للسلطة تُعتبر السيطرة على العاصمة أهم من أي شيء آخر، كانت هذه هي السياسة المتبعة خلال السنوات العشرين التي بقي فيها بوتفليقة في الحكم، لكنها لم تتغير عقب رحيله في الثاني من شهر أفريل الماضي، لا يزال حظر المظاهرات في العاصمة قائما رغم أن تطبيقه على مسيرات الجمعة لم يعد ممكنا بسبب العدد الكبير من المتظاهرين، في حين تتعرض مظاهرات طلاب الجامعات التي تجري كل يوم ثلاثاء إلى تضييق شديد لمحاولة منعها، ومن المفارقة أن الخطاب الرسمي الذي يؤكد على أن العاصمة ليست الجزائر كلها، تنقضه ممارسات السلطة التي تركز كل جهودها في السيطرة على الوضع بالعاصمة وبعض المدن الكبرى دون غيرها. عند الوصول إلى مقر الولاية يتوقف المتظاهرون لرفع العلم وترديد النشيد الوطني وأثناء مسارهم يقتربون من سور مدرسة عسكرية يوجوهون أنظارهم إلى براج المراقبة، حيث يتابع جندي ما يجري، فتنطلق الأصوات الرافضة لحكم العسكر “مللنا من حكم الجنرالات” و“الجيش شعب خاوة خاوة والقايد صالح مع الخونة”، يمتعض بعض المشاركين في المسيرة من الشعار، يقول أحدهم “ليس من الحكمة مهاجمة الجيش”، يرد عليه آخر “نحن لا نهاجم الجيش كمؤسسة لكننا نرفض خيارات رئيس الأركان”، جدل يحتدم مع نهاية كل مسيرة لكنه يجري في هدوء تام، فالأغلبية التي بقيت لسنين على هامش الممارسة السياسية متعطشة لهذه النقاشات العلنية التي تجري في كل شارع ومقهى، حيث يتعلم الناس كيفية الاستماع إلى الرأي الآخر ومناقشته والتعايش معه.

الثورة تسقط الأنانيات الصغيرة

مع بلوغ المتظاهرين منتصف المسار، لمحت شابا يقف على سور صغير ويردد الشعارات مع المتظاهرين بحماس كبير ويصور ما يجري.. سمير مهندس اتصالات، عمل مع شركات الهاتف المحمول قبل أن ينضم إلى الفريق الذي يعمل ضمن مشروع أطلقته شركة كوجيسي (kougc) المملوكة لعائلة كونيناف بقيمة 250 مليون دولار، ويتضمن إنشاء مصنع لإنتاج الزيوت والأعلاف الحيوانية، ومنذ إلقاء القبض على الإخوة كونيناف المقربين من عائلة بوتفليقة وإيداعهم السجن توقف العمل بالمشروع الذي كان من المفترض أن يدخل مرحلة الإنتاج قبل نهاية السنة الجارية. يتولى سمير الآن الاتصال بوسائل الإعلام من أجل تحسيس السلطات بضرورة المحافظة على المشروع، وحجته أن هذا الاستثمار ممول بنسبة 80 بالمائة من طرف بنك عمومي، وتوقف المشروع قد يسبب تلف التجهيزات التي كلفت غاليا وسيكون البنك هو الخاسر الأكبر، فهذا المشروع الذي يعتبر أهم استثمار للخواص في المنطقة يمكن أن ينعش الاقتصاد المحلي بمنطقة تعاني العزلة وضعف الموارد، وباستثناء الاستثمار القطري في مصنع الحديد بالميلية، والذي تبلغ قيمته 2.5 مليار دولار لم تشهد الولاية تنفيذ مشاريع كبيرة في السابق، وحتى مشروع مصنع تركيب سيارات رونو تم نقله إلى وهران بسبب شروط الشركة الفرنسية، عكس رغبة الحكومة الجزائرية التي أعلنت سابقا بأن المشروع سيتم تجسيده بجيجل. لا يشعر سمير الذي يبلغ الأربعين وهو أب لثلاثة أطفال، أن الثورة السلمية التي أدت إلى وقف المشروع وسجن مالكه، وقد تجعله بلا وظيفة، عاكست آماله، قال لي “أنا أشارك في المسيرات منذ 22 فيفري ولن أتوقف، فهذه فرصتنا التاريخية لبناء جزائر جديدة وهذا هدف لابد له من تضحيات، ثم ماذا يساوي فقدان وظيفة مقارنة بفقدان أرواح؟”، فمن وجهة نظره وكثير غيره، تعتبر السلمية مكسبا لا يقدر بثمن.