قبرص: نيقوسيا، آخر عاصمة أوروبية مقسّمة

تحتل نيقوسيا حيزاً خاصاً في مساحة تتلاقى ضمنها أبواب الشرق الأوسط وآخر أوروبا. ربما نشأت فيها، في الستينيات والسبعينيات، لحظة مؤسسة لصراعات غير بعيدة جغرافياً، كانت لا تزال مقبلة. فهذه المدينة التي يتنازعها صراع قوميتين، شهدت انقسامها قبل حروب لبنان واجتياح بيروت عام ١٩٨٢ بقليل، وقبل تفتت يوغوسلافيا بنحو عقدين. لكنّ الأكيد أنّ فيها اليوم مختبراً حياً لأسئلة الهوية والذاكرة... والآفاق الغامضة.

نيقوسيا: جزء من الخط الأخضر (أبريل/نيسان 2017)
Kamen24153/Wikimedia Commons

حلّ الخريف في نيقوسيا. الأخبار تقول إنّ “تركيا اجتاحت شمال-شرق سوريا”. طيف عتيق يعود إلى نيقوسيا، عمره ٤٥ عاماً. ففي ٢٠ تموز ١٩٧٤، انقسمت هذه المدينة بفعل الاجتياح التركي لجزيرة قبرص “دفاعاً عن القبارصة الأتراك” إثر الانقلاب الذي نظمته “الطغمة العسكرية” الحاكمة في أثينا بهدف تحقيق اتحاد جزيرة قبرص، والقبارصة اليونانيين، مع اليونان. ينبّه أندرياس: “هل تذكر ما قلته؟ كل من يأتي يرحل، إلا الأتراك”.

فصل جديد يأتي وجغرافيا جديدة ترتسم، ولكن ديمتري السبعيني كان قبل أيام من ذلك لا يزال مواظباً على طقوسه. نحو ال١١ صباحاً، يضع قهوته فوق منضدة صغيرة أمام منزله الكائن في “المدينة القديمة” التي يحيط بها سور منذ ما يزيد عن خمسة قرون، انقسم بدوره في ذلك الصيف بين شمال يتبع “جمهورية شمال قبرص التركية” التي لا تعترف بها سوى أنقرة، وبين جنوب يتبع لـ“جمهورية قبرص” المعترف بها دولياً وعضو الاتحاد الأوروبي.

يوزّع كرسيين حوله أيضاً، لمن يودّ مجالسته من المارة. لدى سؤاله عن هوية مدينته، يشير إلى “صور وذكريات” تبقى من نيقوسيا التي أصبحت مع مرور الوقت رمزاً لانقسام قبرص وباتت النظرة إليها “رومانسية (...) إذ بخلاف المدن الساحلية، كانت هذه المدينة دوماً جوهرة هذه الجزيرة لأنّها المدينة المسوّرة”. “لو ولد” هذا الأستاذ المتقاعد “في مدن مثل صيدا أو طرابلس أو دمشق، لأصبح حكواتي المدينة”، يعلّق الصديق المشترك. يجيبه ضاحكاً: “تعرف... كل شيء يدور حول القصص، غير ذلك فهو هراء”.

الوحدة مع اليونان

يروي ديمتري أنّ المدينة القديمة “غادرها أهلها تدريجاً في ١٩٦٣ و١٩٦٧ و١٩٧٤”، في إشارة إلى عام الاجتياح وإلى إرهاصات الانقسام التي تتابعت بعد ثلاثة أعوام من الاستقلال عن الاستعمار البريطاني. لا يفوته أن يبدي، في سياق حديثه، رأيه بالاستقلال: “النضال من أجله في ذلك الزمن لم يكن سعياً للتحرر على غرار الجزائر مثلاً، وإنّما كان الهدف تحقيق الوحدة مع اليونان”.

نتيجة أحداث الستينيات والسبعينيات، “انتقل السكان إلى خارج المدينة القديمة فتحوّلت منازلها بالأغلب إلى حرفيات ومعامل”، ويهزأ قائلاً: “منذ مدة قصيرة بدأ الناس يعودون إليها، لكن حين اشترينا منزلنا هنا أنا وزوجتي في بداية الثمانينيات، كانوا ينتقدوننا، ويسألوننا مثلاً: هل تريدون العيش بين بيوت الدعارة؟”.

حكايات مماثلة تخرج من ألسنة أهل “الشمال”، مع فارق أساسي عرفه ذلك الشطر وتمثّل بقدوم “أعداد كبيرة من أهل الأناضول (تركيا) إليه ضمن سياسة تتريك”، كما يردد كثر. قبرصي-تركي يعمل في مكتبة بإحدى الأسواق العتيقة يوضح أنّ “أكثر من نصف السكان هنا أصبحوا من الأتراك”، قبل أن يضيف بلهجة يختلط فيها المزاح بالجد: “تركيا تريد إنهاءنا وجعلنا أكثر تديناً وأكثر محافظةً”.

نعم، “أنا من عند رجب طيب أردوغان”، يجيب “قهوجي” عشريني في كشك غير بعيد عن تمثال أتاتورك في “نيقوسيا التركية”. يلفت آخر: “أنا أتيت من أضنة قبل ٢٥ عاماً (...) كنت أعمل أستاذاً، أستاذ تربية بدنية”.

مركب يبحر باتجاه الوطن-الأم

هذه المدينة التي يفصل بين شطريها خط أخضر لم يسمح للقبارصة بالتنقل بين جهتيه إلا منذ عام ٢٠٠٣، تحمل ثلاثة أسماء: نيقوسيا بالانكليزية، لفكوسيا باليونانية ولفكوشا بالتركية. إنّها “لعبة الاسم”، بوصف بحرية كمال في مقدمتها للكتاب الجماعي “نيقوسيا خلف الحواجز”. قبل ١٩٧٤، كانت جزيرة قبرص بمجملها، وفق يورغوس مولسكيس بـ“الوطن في الشعر القبرصي”، بمثابة “مركب، وكل واحد كان يريد له أن يبحر باتجاه هذا الوطن-الأم أو ذاك”.

في الواقع، “على امتداد القرن العشرين، عندما بدأ الوعي القومي بالتشكّل داخل الجماعتين، شدّدت كلتاهما، القبارصة اليونانيون والقبارصة الأتراك على حدّ سواء، على أنّ الجزيرة يونانيّة أو تركيّة”، كما يشرح أستاذ التاريخ القبرصي نيكوس كريستوفيس، لافتاً في الوقت نفسه إلى أنّ “الجماعتين ركّزتا على الفظائع التي ارتكبتها كلّ جماعة بحقّ الأخرى (بمعنى أنّ) القبارصة الأتراك ركزوا على فترة الستينيات حين أجبرهم عنف القبارصة اليونانيين على الهرب، فيما بدأ كلّ شيء بالنسبة إلى القبارصة اليونانيين عام 1974 مع الغزو التركيّ والفظائع التي رافقته”.

مرّت كل هذه السنوات على نيقوسيا. “هكذا مرّت السنون – ذئاب، كلمات وأقمار”، يقول الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، في جملة يبدو أنّها تحتل مكانتها في نيقوسيا.

“باسم الجزيرة بأكملها”

يعتبر أحمد الواقف داخل متجره على بعد أمتار قليلة من إحدى نقاط العبور، أنّ “الشطر الجنوبي منظّم بشكل أفضل (....) فهم أعضاء في الاتحاد الأوروبي ولديهم دعم وغير ذلك”.

قد يصبح الشمال “أوروبياً” بدوره يوماً ما، وفق الأستاذة المساعدة في جامعة ليون-٢ الفرنسية ماغالي غرويل-ديوديه التي توضح أنّ السلطات القبرصية وقّعت على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام ٢٠٠٤ “باسم الجزيرة بأكملها”، وتلفت إلى أنّ العضوية تحققت بعدما “ضغطت اليونان لضم قبرص إلى الاتحاد الأوروبي خلال قمة هلسنكي عام ١٩٩٩، في مقابل عدم اعتراضها على ضم دول شرق أوروبا”.

بانتظار تحقق “الأوروبية” الشاملة، من عدمه، يعيش الشطران حياتين تجمع بينهما نقاط مشتركة قليلة، وحتى العمارة نادراً ما تتشابه. حين دخل الأتراك نيقوسيا شكلوا مسافة آمنة بجوار مسجد السليمية، وضمّوا حي عرب أحمد المسمى على اسم أحد قادة الجيش العثماني الذي دخل المدنية في نهاية القرن السادس عشر، وبدا أنّهم توقفوا عند هذا الحد. من بين تلك المشتركات القليلة، تبرز الجداريات (غرافيتي)، وتصلح جملة مكتوبة على أحد جدران “الجنوب” لتكون شعاراً لهذا الفن: “اترك لوناً”. القاصة اراتو ايوانو، تجعل جدارية تتكلم في واحدة من قصصها: “كل ما أعرفه أنني ما أنا عليه (...) أنني داخل جدار (...) لا بدّ أن ثمة شيئاً ما بين الجدران وهذه المدينة (...) هل حاولت يوماً الهرب من الجدار؟ أن تسير خارجه؟”.

ثمة من فعل. فعلاوة على الجداريات، هناك أشخاص يوحّدون بين الشطرين، على غرار الشابة نيكوليتا التي تشير إلى “قضايا مشتركة” تجمعها مع نظرائها في الشمال. “مثلاً؟”، ترد: “قضايا سياسية أو حتى ذات طابع تربوي على علاقة بالتاريخ الذي نتعلمه بين الجانبين”. مثلها سبيروس، محترف التصوير الذي يجد صعوبة في العثور على صور ضمن مجموعته “تكون على علاقة بمسألة الانقسام (...) إنّه تحد بالنسبة لي إذ إنني لا أرى الانقسام في المدينة، على الأقل لا أراه عبر الأشخاص المحيطين بي”. أيضاً ثمة صحافيون قد لا يفعلون سوى التعاون فيما بينهم، ومنهم من شارك في مشروع عام ٢٠١٨ لإصدار كتيّب حول المصطلحات السياسية والاجتماعية ومغزاها بين الجانبين، “الكلمات التي تهم”. “الكلمات التي تهم”.

الذاكرة، التاريخ، القومية

أمطرت بالأمس في نيقوسيا، للمرة الأولى هذا العام. قد يكون الفصل المقبل غزيراً على غرار الشتاء الماضي. لكن في قبرص التي “يمكن التعريف بمسألتها عبر المسار الطويل لبناء قوميتين متنافستين”، وفق نيكوس كريستوفيس، لم يمحُ لا الشتاء ولا أي فصل آخر على مدار نحو نصف قرن “إرث العنف المؤسس” (بعبارات بول ريكور، المفكر الفرنسي صاحب كتاب “الذاكرة، التاريخ، النسيان”).

الأكاديمي القبرصي الذي يعتبر أنّ “الذاكرة الجماعية، أو الذاكرة الانتقائية، لعبتا دوراً أساسياً (لدى الطرفين) لتأكيد أنّ جانباً على حق والآخر مخطئ”، كان أول الحديث معه بسبب عبارة للمؤرخ والمستشرق الفرنسي ارنست رينان وضعها كشعار لموقعه الالكتروني الخاص: “الفهم الخاطئ للتاريخ شرط ضروري لكينونة الأمة”.

-  هل تلمّح مباشرة إلى بلدك بهذه العبارة؟
-  أعتقد أنّ مقولة رينان هي واحدة من أهم الأقوال في التاريخ وأبعدها نظراً. لا ينحصر تطبيقها على قبرص، وإنّما تشمل حالات عدة في كافة أنحاء العالم. ولكن حين يتعلق الأمر بقبرص، فإنّها عنصر مركزي في مسار بناء الأمّة.

لعلّ ما يعرقل هكذا مسار في قبرص، وفي عاصمتها-الرمز، هي لُعب الذاكرة والقوميات “التي تبقى أصواتها تشكّل الغالبية، فيما خطوات المصالحة هامشية”، وفق كريستوفيس. تقول صاحبة متجر ستينية، في “الجنوب”، “لست ضد القبارصة الأتراك ولكن أنا شخصياً غير مستعدة للعبور نحو الجهة الشمالية حيث سيتوجب عليّ أن أقدّم بطاقة هويتي في بلدي، لتتفحصها سلطة أعتبرها غير شرعية”.

تمّ اللقاء معها صدفةً في إحدى المكتبات. إلى جانبها كان يقف شاب ثلاثيني لم يتوانَ عن المشاركة: “لا أكره أحداً ولكنني لم أذهب إلى الشمال سوى لمرة واحدة (....) وحين ذهبت أخذت مياهي وأكلي في حقيبتي. لا أريد شراء شيء من هناك حيث الاحتلال”. يضيف “لوالدتي أملاك في الشمال، ولكن جرى احتلالها”، في إشارة إلى مسألة الملكيات التي كانت واحدة من بين أكثر النقاط تعقيداً في المفاوضات التي أقيمت في مراحل سابقة برعاية الأمم المتحدة. وتقول الناشطة داريا بياتلي خلال لقائها في إحدى مقاهي الشطر الشمالي إنّ “كثراً مستفيدين (من هذا الأمر الواقع). وثمة في الشمال أناس كوّنوا ثروات بفضل أملاك تعود إلى قبارصة يونانيين”.

استثناء وحيد خرق القاعدة حديثاً باستعادة نيكولاس سكوريدس أرضه الواقعة في مسقط رأسه شمالاً. تبلغ مساحتها ٣٤٩ متراً مربعاً، ونجح في مسعاه بالتعاون مع لجنة الممتلكات غير المنقولة في الشمال التي تأسست عام ٢٠٠٦ بغية التعامل مع “المطالب المرتبطة بالممتلكات المهجورة”، كما تعرّف عن نفسها. غير أنّ الاستثناء لا ينشئ قاعدة، ولهذه اللجنة قصص طويلة.

سيّدة ستينية أخرى تروي حكايتها، ولكن هذه المرة عند الجهة المقابلة من الخط الأخضر. “نحن بالأصل من مدينة بافوس (جنوب-غرب، تقع ضمن قبرص اليونانية حالياً). كان والدي يمتلك كروماً من العنب ويبيع محصولها لمنتجي النبيذ” من القبارصة اليونانيين.
-  أين هي هذه الكروم اليوم؟
-  ذهبت (...) بدأنا كقبارصة أتراك نتجه شمالاً في التسينيات (...) وفي ١٩٧٤ كنا نركض خشية القتل.
-  والآن؟
-  ننام مطمئنين (...) لا أعتقد أننا سنتوحد مجدداً. لنبقى هكذا مقسمين، أفضل. يكاد مصطفى، ثلاثيني يعمل في دار نشر في الشمال، أن يوافق على هذه الخلاصة. بيد أنّ الحل بالنسبة إليه، يكمن في “إنشاء فدرالية”. يقول “ينبغي على جمهورية قبرص وجمهورية الشمال الخروج مما يعتبرانه نطاقات مريحة والذهاب نحو الحل الفدرالي الذي يسمح بتشارك السلطة، ولكن بصيغ جديدة خارج أطر الجمهوريتين”. وبينما يشدد على أنّ “الزمن لن يعود أبداً إلى ما قبل ١٩٧٤”، يشير إلى أنّ على “الجنوب” إدراك أنّه “كلما تأخر السلام أو الحل، يصبح الشمال أكثر ارتباطاً بتركيا”.

العوائق على طريق السلام

في مكان غير بعيد عن جادة مكاريوس الثالث، الرئيس-الأسقف الأول لجمهورية قبرص، يهزأ صحافي قبرصي مخضرم حينما تُطرح عليه فكرة “ريبورتاج عن هذه المدينة، بصفتها آخر العواصم المقسمة”. يجيب “كانتا اثنتين. سقط جدار برلين، وبقيت نيقوسيا”.

يستطرد في حديثه ليختمه بقصة عن بيروت: “في نهاية الثمانينيات، كان اليمين القومي هنا (في الجنوب) ساذجاً. اعتقدوا أنّه بالإمكان تبني قاعدة: عدو عدوي صديقي (...) في تلك الفترة، ذهبت مع وفد إلى بيروت حيث كان يفترض أن نلتقي عبد الله أوجلان. انتظرنا لنحو ثلاثة أيام في فندق في شارع الحمرا. لم يلتقوه، وإنّما ممثلين عنه. كانت رحلة جيّدة”، فيما نواصل الضحك.

بعد وداعه، صوت غريب عن هذه المدينة يخرج من أحد أزقتها. “بادام، بادام، بادام.... يصل مسرعاً خلفي.... يسألني فجأة، هل تذكر ذلك؟”. صوت الأغنية الفرنسية الشهيرة قريب، بيد أنّه في الواقع غريب عن لغتي الانقسام اللتين تلعب بينهما الإنكليزية الموروثة من زمن الاستعمار البريطاني، دور الوسيط بين ألسنة تنطق بما لا يفهمه غيرها.

اختفى الصوت، ولا شيء سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء. في الأثناء، وصلت أجوبة أحمد سوزن، رئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة شرق المتوسط (في الشمال)، بعدما تعذّر لقاؤه مباشرة. ساهم الرجل في العديد من المفاوضات، وهو يعتبر أنّ “الجماعتين القبرصيتين أخفقتا في تجاوز خلافاتهما حول قضيتين جوهريتين: الحوكمة وتقاسم السلطة، والأمن والضمانات”.

يبدي اعتقاده بأنّ “بعد أكثر من خمسين عاماً” على المفاوضات الأولى بين الجانبين، فإنّ “ثلاثة عوائق تقف أمام سلام حقيقي وحل مستدام. أولاً، القدرة على صياغة تسوية من قبل القادة والضامنين، وهذا أمر عسير بالفعل، ولكن حتى لو توصلنا إليه فلن نكون وصلنا إلى نهاية الطريق. ثانياً، عرض خطة السلام المتوافق عليها من الجميع على استفتاءين متزامنين (في الشمال والجنوب)، وهذا أيضاً صعب جداً، ومجدداً فحتى إذا ما حققناه، لن نكون وصلنا إلى نهاية الطريق”.

تحيل لازمة “نهاية الطريق” في عرض سوزن إلى عبارة يانيس ريتسوس “طريق واحد بسيط لا يقود إلى المستقبل”، قبل أن يخلص إلى النقطة الثالثة. “لكي ينجح الحل” ثمة حاجة “إلى إنشاء مؤسسات فدرالية مرنة وقادرة على امتصاص الصدمات والاشتباكات/الصراعات بين الجماعتين، وليس كما كان حال مؤسسات عام ١٩٦٠”.

الوجهة إلى معبر “ليدراس بالاس” عند أطراف المدينة. لا سياح هنا ولا وجود لعبور كثيف كما هو الحال في “شارع ليدراس” التجاري. حوالي مئتي متر تفصل بين نقطتي العبور، يتوسطهما “منزل التعاون” الذي تأسس في عام ٢٠١١ وتندرج أعماله في خانة نشاط المجتمع المدني لبناء سلام. بمجرد الإشارة عند النقطة القبرصية اليونانية إلى أنّ الوجهة هي ذاك المنزل، لا يقوم الشرطي بأي إجراءات. فقط ينظر إلى الأوراق الثبوتية، ويمزح: “إذن لن تعبر إلى المنطقة المحتلة؟”.

يعود هذا المنزل بالأصل إلى عائلة مانغويان الأرمينية، قبل بيعه. يشرح المؤرخ غايل روث هوك في كتابه “قبرص تحت الحماية: القوة الإمبريالية البريطانية ما قبل الحرب العالمية الأولى”، أنّ هذه العائلة “كانت بين مجموعة من الأرمن اللاجئين الآتين من كيليكيا، وصل أفرادها إلى مدينة لارناكا (جنوب) في كانون الأول ١٩٢٠ (...) الشقيقان هايغاز وليفون أسسا استديو تصوير في فاماغوستا (شرق، وتتبع الآن للشمال) ثم انتقلا إلى نيقوسيا حيث أصبحا المصورين الرسميين للحكومة الاستعمارية في قبرص”. الأغلب أنّهما بناة هذا المنزل في الخمسينيات.

في الوقت الراهن، يعرّف القيّمون على “المنزل” نشاطهم بأنّه “يشجّع الناس على التعاون فيما بينهم بعيداً عن القيود والخطوط الفاصلة”. لكن كيف يتم ذلك؟ تشرح خيرية روزغار من المكتب الإعلامي بأنّ الأمور “تتم أولاً من خلال هذه المساحة المادية التي يمكن للجميع الوصول إليها. حتى الذين يتعذر عليهم العبور بين الجهتين بمقدورهم اللقاء هنا”. تتابع “ثمة الفكرة أيضاً: جمع الناس بناء على الاهتمامات المشتركة وعلى الشغف”.
-  حين كنت آتياً بسيارة الأجرة، قلت للسائق إنني ذاهب إليكم، علّق: نعم أعرفه، هناك يبيعون الأمل
-  (تضحك العشرينية كثيراً): لا أعرف إذا كان ذلك إيجابياً أو سلبياً (...) عموماً إذا خسرنا الأمل، فلا يجب علينا أن نكون هنا.

في مكان ويوم آخرين، كان ديمتري بدأ بلملة أغراضه. جلسته الصباحية الروتينية شارفت على الانتهاء. آذان يخرج من أحد المساجد القريبة، بينما يقول هو “تعال، اتبعني”. خلف منزله مزار صغير لأحد القديسين “الأرثوذوكس”. “يمر أناس هنا صباحاً لأخذ البركة. يعتبرون أنّ هذا المزار أرثوذوكسي تاريخياً، ولكنه قبل ذلك كان كاثوليكياً”.

-  ما أريد قوله أنّهم علمونا حين كنا صغاراً أنّ قبرص تقع عند ملتقى الحضارات، ولكنّهم نسوا أن يخبروننا التفاصيل. يريد المؤرخون إثبات أننا يونانيون ولكن تحت الهويات الحالية ثمة سويات أخرى، عديدة
-  نعم، تاريخ قبرص ليس بلون واحد، ولا بلونين. ولكن اعذرني ديمتري، هل تعتبر أنّ السلام قريب؟
-  لا أعرف. ربما سنصل متأخرين (...) انظر إلى اميركا وأوروبا، إنّهم يعودون إلى القوميات (...) في الماضي، شاهدت وثائقياً عن بيروت، تعلّمنا الأمر نفسه بأننا لن نتحارب، ولكن فات الأوان، العالم يسير في الاتجاه المعاكس.