مقابلة

خِلافة عثمان دان فودْيو

تُعتبر خلافة صكتو -الإمبراطورية الجهادية التي دامت مائة سنة- أكبر دولة في أفريقيا خلال القرن التاسع عشر، ولا يزال صداها واسم مؤسسها عثمان دان فوديو -الفاتح والمصلح الديني الفولاني [نسبةً إلى شعب الفولاني]- يتردّدان في ذكريات أفريقيا الغربية. تناول فانسان هيريبارين -المؤرخ والأستاذ الجامعي في كلية “كينغز” في لندن- هذا الموضوع في مؤَلّفِه “الأطلس التاريخي لأفريقيا” (منشورات “أوترومون”)، تحت إشراف كلٍّ من فرانسوا كزافييه فوفيل، الذي يشغل كرسي التاريخ وعلم آثار العالم الأفريقي في كُلية كينغز اللندنية، وإيزابيل سورون، الأستاذة بجامعة ليل (بشمال فرنسا) والمتخصصة في التّاريخ المقارن للاستعمار في أفريقيا. حاوره بيار برييي.

وُلد عثمان دان فوديو في العام 1754 في ماراتا -النيجر الحالية وقد كان متعلما ومثقفا. ينحدر دان فوديو من مجموعة مُربيي الماشية شبه الرّحل، وهي مجموعة عرقية تتوزع على كل أنحاء السّاحل، بما فيها المدن. حرصاً على إسلام مثالي، تفادى دان فوديو البلاط، وأعلن في عام 1804 جهاداً تمكّن بفضله من غزو الممالك الموجودة في شمال نيجيريا الحالية - خاصة الهوسا -، وكانت المقاومة الوحيدة التي واجهها -على مستوى الشّرق- من إمبراطورية “بورنو” القديمة النشأة.

يُمكن تشبيه هذا المشروع، في بعض جوانبه، بما تقوم به الحركات الجهادية الحديثة. فقد قام عثمان دان فوديو بغزو مناطقٍ مسلمة أصلاً، حيث أنّ الإسلام وصل إلى مناطق الهوسا بحلول القرن الرابع عشر. وقد أراد إصلاح المجتمعات، ونجح في ذلك إلى حدٍّ ما بعدما أرسى إمبراطورية تتألف من حوالي ثلاثين إمارة تُدار من سوكوتو، مقر الخلافة. لدى وفاة دان فوديو في عام 1817، خلفه ابنه محمد بيلو، ثم أسقط الجيش البريطاني الخلافة في عام 1903، وقام بضمّها إلى محميته شمال نيجيريا.

في هذا الحوار، يُوضّح لنا فينسنت هريبارين كيف أن اسم عثمان دان فوديو اليوم أبعد من أن يكون طيّ النّسيان.

بيار برييي: ألا يزال عثمان دان فوديو شخصية معروفة اليوم؟

فنسنت هريبارين: ما زال دان فوديو موضوع الحديث حتّى اليوم في نيجيريا، وأيضًا في النيجر. إنّه مرجع تاريخي، نظرا لقيادته للجهاد، لكنّه مرجع فكري أيضاً. إذ يُنظَر إليه كشخص أسّس إمبراطورية، رغم أن مصطلح “الإمبراطورية” مُبالغ فيه وتنقصه بعض الدّقة هنا، بسبب الطّبيعة اللّامركزية للسّلطة التي أرساها. بالإضافة إلى ذلك، يوحي اسم دان فوديو بصورة الأب المؤسس لمشروع فكري واسع النّطاق، إذ كان يعتبر نفسه مُصلحا لمن كان يغزوهم، وهذا نلاحظه في كل من النيجر ونيجيريا. بالطبع، يأخذ هذا الأمر مدى أوسع في نيجيريا، فصكتو ومعظم الأراضي التي غزاها توجد اليوم في نيجيريا.

على سبيل المثال، يوجد اليوم في صكتو سلطانٌ ينحدر من دان فوديو. لكن، نظراً لكبر العائلات وظاهرة تعدد الزوجات داخلها، يمكن أن نجد أنفسنا أمام الكثير من الأشخاص الذين يدّعون الانحدار من عثمان دان فوديو. بغض النظر عن مدى صحّة هذه المزاعم من عدمها -لأن هذه مسألة أخرى- من المثير للاهتمام أن نرى كيف يتم تبني هذا الإرث بقوة في نيجيريا الرّاهنة وكيف يُنظر إليه كموروث رفيع القيمة. هناك أيضًا أشخاص ينحدرون من عائلات أمراء عيّنهم دان فوديو، والذين يحبون القول أن أسلافهم تسلموا راية الجهاد من يد العظيم دان فوديو شخصياً، حتى يحافظوا على جزء من سلطتهم.

على أثر الرّسول

ب.ب.: هل كان يعتبر نفسه رسولاً؟

ف.ه.: لم يسبق له أن قدّم نفسه كرسول، لكنه كان يحتذي بالرّسول، فيُحيط نفسه بـ“صحابته” ويقوم بتقليد حركات النّبي والسّير على خُطاه من أجل إظهار صفاء إسلامه، تماماً كما قد يفعل السّلفيون اليوم.

ب.ب.: ما هي آثار جهاد عثمان دان فوديو اليوم؟

ف.ه.: إنها متعدّدة، فعلى سبيل المثال، تنتسب جماعة “بوكو حرام” إليه، وهذا بالمناسبة خطأ تاريخي، لأن “بوكو حرام” انبثقت عن إمبراطورية بورنو الموجودة منذ ألف عام، والتي قادت الحرب ضدّ الجهاد. وعندما نقول “الحرب” فنحن لا نتكلم هنا فقط عن استخدام السّلاح، لأن المعركة كانت أيضاً لاهوتية. تبادل محمد الكانمي -وهو المستشار الديني للمملكة- العديد من الرسائل مع دان فوديو، وكلاهما كان يزعم أنه يمثل الإسلام الحقيقي. كان عثمان دان فوديو يكتب ما فحواه: “لستُم مسلمين حقيقيين، سأغزوكم”، فيجيبه الكانمي: “كُنّا مسلمين قبلكم وقمنا بتعليم أجيال من المثقفين في جميع أنحاء المنطقة”.

لا يزال هذا الجدال حيًّا في الأذهان إلى اليوم، إذ يمكن سماع الناس في شمال نيجيريا -أي على أراضي إمبراطورية البورنو القديمة- يحكون كيف تمّت مواجهة عثمان دان فودي هنا. فالفولان بالنسبة إليهم مجرّد انتهازيين يستغلون الإسلام بغرض غزو جيرانهم. وهم يتبنون هنا خطاب محمد الكانمي، الذي كان يعترف لدان فوديو بصفة المسلم التقي، ولكن كان يذكّره بأنهم في بورنو مُسلمون منذ القرن الحادي عشر على الأقل، وأنهم كانوا يذهبون إلى مكّة للحج منذ تلك الفترة، وكانوا على اتصال شبه دائم مع شمال وشرق الصحراء. وبالتالي، فإن تاريخهم أعرق وإن إسلامهم السّني لم يكن بحاجة إلى إصلاح. أي باختصار: “شُكراً، لسنا بحاجة إلى جهاد”.

“غمس القرآن في البحر”

ب.ب.: هل تطفو ذكرى جهاد عثمان دان فوديو على السّطح خلال الصّراع الدّائر اليوم بين الفولان والجماعات العِرقية الأخرى في الساحل؟

ف.ه.: نعم، يتّم تصويرهم بشكل ساخر كمُختلّين ومُتعصّبين. كما يتم اعتبارهم من خلال استحضار تاريخ هذا الجهاد مسؤولين عن كل الشّرور في الساحل. في شمال نيجيريا -حيث اختلط الفولاني مع الهوسا إلى درجة أنّ النيجيريين كثيراً ما يتحدثون عن “الهوسا فولاني”- اعتُرف دائما بهذا التّاريخ الطويل داخل اللعبة السّياسية، سواء أثناء الاستعمار البريطاني أو بعده.

يعود تاريخ هذه الاتهامات ضدّ الفولان إلى فترة جهاد دان فوديو، حيث كان يُتوقع أن يقوموا باحتلال جيرانهم في الجنوب. تؤمن العديد من الجماعات المسيحية الخمسينية [العَنصرة] بوجود مؤامرة فولانية تسعى إلى “غمس القرآن في البحر”، أي بوجود ضغوطات من مُسلمي الشمال على مسيحيين الجنوب لجعلهم يعتنقون الإسلام أو لرميهم في البحر. إلّا أن هذه المجموعات نسيت أنّ أفريقيا عرفت انتشاراً متواصلاً للمسيحية خلال القرن العشرين وفي تاريخ نيجيريا بشكل عام.

يمكننا قضاء ساعات في شرح تطوّر العلاقات بين كل هذه المجتمعات، إلّا أن بعض الجماعات المسيحية تُفضّل الاكتفاء بـ “النفخ على الجمر” وتأجيج الصّراع بين المسيحيين والمسلمين، أو خلق جماعات ضغط في بلدان أخرى -لا سيما في أوروبا- بغرض الإبقاء على هذه الصورة كما هي.

ب.ب.: نُلاحظ في إحدى الخرائط المنشورة في “الأطلس التاريخي لأفريقيا” أن مُدناً انضمت آنذاك إلى الجهاد في حين رفضت أخرى. كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟

ف.ه.: لا يجب أن نتخيل جهاداً كبيراً ومُوحّداً. طبعا، تداولت هذه الأفكار، إلّا أنّ الصّراعات بقيت في كل مرة محلّية، تماماً كما هو الأمر اليوم بالمناسَبة. الخريطة تُعطينا فقط نظرة عن حجم نطاق المعارك. من المستحيل تحديد إلى أي مدى تأثرت كلّ المناطق، خاصة القُرى، من عمليات الجهاد هذه. يمكننا، بالمناسبة، مقارنة الوضع بخرائط الجهاد في القرن الحادي والعشرين؛ فالّلون على الخريطة لا يعني أرضاً تحت السيطرة الكاملة للجهاديين.

دور المستعمِر البريطاني

ب.ب.: تقول أيضاً بأن الخلافة لم تختفِ نهائياً، على اعتبار أن المستعمِر البريطاني جعل منها نموذجاً لتطبيق مفهومه عن الحُكم غير المباشر…

ف.ه.: كانت مساحة الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية أكثر شساعة من نظيرتها الفرنسية، وهو ما مكّنها سريعاً من من تطوير نموذج حُكم عن طريق الملوك والأمراء المحليّين، لا سيما في شمال الهند. وبمجرد وصول البريطانيين إلى أفريقيا، قاموا بتطبيق نفس النموذج، بل وقاموا بوضع نظرية له، انطلاقاً من سلطنة صكتو تحديداً. في دليلٍ حول كيفية استعمار أفريقيا، أشار فريدريك لوغارد -المقيم العام لنيجيريا- إلى نموذج صكتو، موضحًا كيف اتخذ خيار الإبقاء على حكومة السّلطان. الأمر بسيط: نُبقي على الهرم التّراتبي الموجود مُسبقاً، ثم نضع أنفسنا فوقه. هكذا لم يعد السلطان سلطاناً بمباركةٍ من الله، ولكن لأن البريطانيين منحوه صولجاناً. الأمر مُفيد عمليّا، إذ كيف يمكن إدارة شؤون القضاء أو تحصيل الضريبة من دون السلطان؟ وحتى لو توقف السّلطان عن الخضوع لأوامر المستعمرين، يبقى للبريطانيين خيار عزله واختيار خلف له، كما كتب لوغارد.

يمكننا أيضًا أن نقول بأن الخلافة لم تزُل تمامًا لأن البريطانيين احتفظوا بالأمراء الذين عَيّنهم عثمان دان فوديو. فأمير كانو الحالي على سبيل المثال، هو في نفس الوقت سليل أمير الجهاد والمحافظ السابق للبنك المركزي النيجيري. لقد درس في الخرطوم وأكسفورد، ويمتلك في ذات الآن سلطة دينية بصفته رئيسًا لطريقة صوفية.

ب.ب.: كيف يمكن قراءة وتحليل مرحلة خلافة صكتو اليوم؟ كحركة دينية، أم عِرقية، أم اجتماعية؟ ما الذي تبقى منها خلال القرن الحادي والعشرين؟

ف.ه.: استهدَف هذا الجهاد تغيير المجتمع برمّته. طبعاً كان البُعد الديني حاضراً بقوة، بل وكان يسود على نطاق واسع في جميع المجالات، سواء كانت سياسية أو مالية أو قانونية... وهذا ما يدفع إلى الحديث عن ثورة، طالما أن التغييرات المنشودة كانت جذرية. لكن من السّهل المغالاة في تقدير حجم تأثير الجهاد.

في الواقع، واجهت هذه الخلافة صعوبات في إصلاح كلّ المناطق التي تم فتحها لأنها كانت شاسعة. فبمجرد انتهاء الغزوات، يبقى الجهاد ظاهرة حضرية، إذ لم تتأثر العديد من المناطق الريفية بنفس الحجم الذي تأثرت به مدينة صكتو أو كانو. بالإضافة إلى ذلك، ربّما بالغ السياسيون النيجيريون من حجم الدور الذي لعبه الجهاد، وذلك سعياً منهم إلى الاستفادة من الهالة الفكرية لعثمان عثمان فوديو واستغلالها لمصلحتهم. كما حاول باحثون من غرب أفريقيا وأماكن أخرى فهم الجهاد وتحليله وفقًا لمقاييس كل عصر، فاستنتج بعضهم بُعدًا عرقيًا، والبعض الآخر بُعداً اجتماعيًا أو حتى دينيًا، ولا يزال جهاد صكتو يواصل إلهام الباحثين إلى اليوم!

إنّنا نحتاج -وهذا من المفارقات- أن نعرف المزيد عن الدور الذي لعبه الاستعمار البريطاني، إذ يتم تقديمه في كثير من الأحيان على أنّه استطراد بين خلافة صكتو واستقلال نيجيريا، في حين أنّ البريطانيين هم من ساهموا في تحقيق نوع من التّجانس بين الممارسات القانونية التّي خلّفها الجهاد، من خلال إتاحة إدارة المناطق الحضرية والريفية من طرف الأمراء. وبالتالي، فحتّى مع حظر بعض الممارسات من قبل المستعمرين، كعقوبة الإعدام، فإن هؤلاء عملوا على نشر قضاء الأمراء بشكل كبير في الريف. هكذا نرى أنه حتّى مع التحوّلات الجذرية التي عرفتها مؤسسات منبثقة عن الجهاد، فإنها تمكنت من عبور القرن العشرين بأكمله.