ليبيا: فوضى سياسية وتدخلات أجنبية

فرنسا وروسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة وقطر · ساهمت العديد من القوى الأجنبية في استمرار تدهور الوضع في ليبيا، فقد أعادت إلى الواجهة مسؤولين من النظام السابق بتفضيلها الخيارات العسكرية على حساب الحلول السياسية. نحلّل هنا هذا الإخفاق الدبلوماسي، بينما أطلق المشير خليفة حفتر هجومه على طرابلس بدعم متزايد من القوى الأجنبية، بما فيها فرنسا.

تُعتبر الفوضى التي غرقت فيها ليبيا تبريرا للتدخلات الأجنبية المختلفة، كما يُنظر إليها كنتيجة لفشل سياسي في مواجهة العنف وتفتيت البلاد. ويأتي انسداد الطريق أمام المبادرات السياسية المختلفة في سبيل ضمان انتقال سلمي وتوافقي، بالإضافة إلى الخلاف الدائم بين نُخبها، ليؤكد هذا الفشل. ما قوّى بالنسبة لبعض القوى الدولية إغراء الحلّ العسكري والإيمان بـ “الرجل القوي”.

غير أن فشل السياسي يظهر في إبعاد الحلول السياسية منذ بداية المرحلة الانتقالية. بل إن غيابه هو ما يفسر فشل العملية الانتقالية في ليبيا.

ركائز النظام القديم في المناصب الرئيسية

بدأ هذا الإبعاد مع استيلاء نخب النظام السابق -بعد تحوّلها- بشكل رسمي على قيادة الثورة. فمع بداية التمرد وبوادر التعبئة المحلية والمستقلة، قام منشقون عن النظام وبعض المنفيين، بالموازاة مع التمرد وعلى عجل، بإنشاء المجلس الوطني الانتقالي. وهكذا وجدت أعمدة من النظام السابق نفسها في مناصب رئيسية: فرئيس المجلس مصطفى عبد الجليل، كان وزير القذافي للعدل حتى بدء التمرد. وكان عبد الفتاح يونس، مسؤوله العسكري، وزير الداخلية تحت النظام السابق. أما الرئيس التنفيذي محمود جبريل، فقد شغل بدوره منصب الوزير القوي للاقتصاد زمن القذافي.

لم ينجح المجلس الوطني الانتقالي في إقامة سلطة ولا علاقات وثيقة مع مختلف الجهات الفاعلة في الانتفاضة. غير أن نشاطه الدولي للحصول على الدعم ضمن له اعترافاً سمح لهذه النُّخب القديمة بفرض نفسها كممثلة للثورة. وقد تم ذلك بدعم كل من فرنسا وقطر -وهما الفاعلان الرئيسيان في الميدان- واللتان وجدتا في هذه النخب التي انضم إليها إسلاميون موالون لقطر على غرار بلحاج، وسيلة لتوسيع نفوذهما. بفضل هذا الدعم، تحكمت هذه النخب في عملية الانتقال بمفهوم “تغيير كل شيء حتى لا يتغير أي شيء”. فقد أعلن مصطفى عبد الجليل منذ أوّل تصريح له، أن “القذافي يتحمل وحده مسؤولية الجرائم التي ارتكبت”، وهي طريقة لإغلاق الباب أمام أي جرد نقدي للنظام السابق.

تعزيز المحسوبية المحلية

على خلاف مطلب نشطاء الثورة بفترة انتقالية لا تقل عن عامين من أجل السماح بتكوّن الأحزاب والجمعيات وترسّخها في المشهد السياسي، فرضت النخب القديمة خيار التوجه بسرعة إلى الانتخابات، عازمة بذلك الاستفادة من الصورة التي اكتسبتها على رأس المجلس الانتقالي، ومن الدعم الأجنبي الذي حقّقته، لكن على الخصوص من شبكات الوجهاء التي تتحكم فيها. كما حصلت أيضاً على دعم الإسلاميين، الذين حفزهم نجاح نظرائهم في كل من مصر وتونس. أمّا فرنسا وقطر، فقد عملتا على إضفاء الشرعية المؤسساتية على حقيقة السلطة التي اكتسبها عملاؤهم.

تم إجراء الانتخابات بنوع من التسرع، مع التراجع عن الترتيبات التي ينص عليها القانون الانتخابي كعدم احترام حصة الـ 10٪ المخصصة للنساء وحظر الأحزاب على أساس ديني أو عرقي، لكن على الخصوص من خلال تخفيض المقاعد المخصّصة للأحزاب كرد على احتجاج الناشطين بعدم وجود تقاليد حزبية. تم تخصيص الثلثين -أي الأغلبية الساحقة- لـ “المستقلين” الذين يُنتخبون على أساس محلي، بهدف إعطاء الأفضلية لمحسوبية “غير مُسيَّسة”.

وقد تم تقليص حجم الإسلاميين إلى أقلية -لكن كافية ليكونوا مصدر إزعاج- ومكنّت هذه الانتخابات من عودة النخب القديمة، التي نجحت في تعبئة شبكات محسوبية تمثل المصالح المتباينة للمناطق والقبائل والعائلات الكبرى. كانت النتيجة برلمانًا مجزّأً للغاية وضع البلاد على سكّة المُتعذّرة حكمها، ما سمح للإسلاميين وقادة الحرب المتطرفين بالنجاح، في ظل غياب مؤسسات قادرة على مواجهتهم.

لإضفاء المزيد من التعقيد على المشهد، قامت النخب الثورية الجديدة التي همّشتها الانتخابات بفرض قانون إقصاء سياسي يهدف إلى قطع الطريق أمام نخب النظام السّابق. غير أن تقييد هذا القانون وتوسيع نطاقه ليشمل كل من تولى المسؤولية على مختلف المستويات منذ عام 1969، أدى إلى إقصاء جزء كبير من النخبة، بما فيها تلك التي التحقت بالثورة.

نتيجة لذلك، أطلق عنان الصّراعات الداخلية التي فتحت الطريق أمام الانقسامات والعسكرة. ورأى الإسلاميون الراديكاليون في هذا الوضع فرصة لاستعمال الترهيب ضد المجتمع المدني وما تبقى من مراكز الدولة النادرة أصلاً. في خضم هذا المشهد المتباين، برزت فجأة من جديد هذه الشخصية المثيرة للجدل -أي المشير خليفة حفتر- ليقوم بمحاولة الاستيلاء على السلطة في طرابلس، تحت ذريعة التصدي للإسلاميين.

وصل فشل السياسي إلى حده الأقصى، بعد تقليص دوره إلى منافسة شكلية أدّت إلى إذكاء الأطماع دون إرساء أسس إعادة بناء الدولة، وهو ما مهّد الطريق أمام الحرب الأهلية الثانية.

ثقل مصر

وفّرت الحرب الأهلية الثانية أرضية خصبة لمضاعفة التدخلات الأجنبية التي يلخصها رئيس وزراء قطر السابق بعبارة: “كان هناك الكثير من الطباخين”.

عرفت هذه التدخلات المتمحورة بشكل رسمي حول مسألة الإسلام السياسي تواجُه كل من قطر وتركيا اللتين روّجتا لهذا النموذج من جهة، ومحور مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى. تطور ميزان القوى تدريجياً لصالح المحور الأخير بفضل استفادته من تغير السياسة الإقليمية القطرية مع الانسحاب النسبي من ليبيا والمحاولة الانقلابية ليوليو/تموز 2016 التي أجبرت أردوغان على الانكباب على إعادة التحكم في الشأن الداخلي التركي.

منح التجاور الحدودي بين مصر وليبيا امتيازاً إقليمياً كبيراً لهذا المحور، وهو ما يفسر تحول الازدواجية المؤسسية (حكومتان وبرلمانان) إلى تقسيم ترابي شرق/غرب، والتي غالبًا ما يتم تحليلها من زاوية جهوية قورينائية (نسبة للإقليم التاريخي الذي يسمى اليوم برقة) متكررة، في حين أن وحدة هذا البلد الشّاسع -رغم خصائصه الإقليمية البارزة- مكسبٌ لا يناقشه أي طرف.

اتجه حفتر نحو الشّرق حيث وجد دعماً من جزءٍ من القبائل غير الراضية على التوزيع غير المتكافئ للموارد مع منطقة الغرب. عرف أيضاً كيف يستغل مطلباً قوياً للأمن في هذه المنطقة ذات التواجد الجهادي التاريخي، وكونها أرضا خصبة لتجنيد قدماء العسكر، على اعتبار عدم تعرض المنشآت العسكرية لبنغازي لقصف حلف شمال الأطلسي (الناتو).

غير أن السبب الرئيسي لتموقع حفتر في الشرق هو تمكنه من الحصول هناك على حماية الجار المصري القوي الذي سيطر على هذه المنطقة بشكل مطلق، والذي يتمتع فيها بتأثير تاريخي، من بين أسبابها هجرة قوية وقديمة للكفاءات. لم تكتف مصر بتعبئة جيشها وخدماتها لهيكلة مجموعة “حفتر” ميدانياً، بل حاصرت كل مجتمع إقليم برقة، إذ نجد العديد من مستشاريها في جميع القطاعات، حتى أنهم عملوا على تصدير النموذج المصري لعسكرة الاقتصاد. هكذا سيطر جيش حفتر على الاقتصاد ليصبح “أول شركة خاصة”.

الخبرة الفرنسية والدعم

وأخيراً، فإن عودة العلاقات بين فرنسا والسّعودية إلى أوجها، بعد فترة من التقارب بين فرنسا وقطر تحت رئاسة ساركوزي، غيّر الوضع بشكل جذري لصالح فرنسا، التي رأت في حفتر الرجل القوي القادر على توحيد البلاد، فوضعت إمكانياتها رهن إشارته: شحنات وفيرة من الأسلحة عبر مصر، و“مستشارون”، ودعم استخباراتي جوي، ونشر عناصر من القوات الخاصة وعناصر المديرية الفرنسية العامة للأمن الخارجي.

أظهر اكتشاف صواريخ “جافلين” في مركز الحملة العسكرية على طرابلس والتي كشفت عنها جريدة “نيويورك تايمز” عن مرور فرنسا إلى مشاركة مباشرة -وبوسائل متطورة- في المعارك التي تُقسّم ليبيا. إلّا أن مساهمة فرنسا كانت حاسمة بالخصوص على المستوى الدبلوماسي، إذ روّجت كقوة عظمى للمشير حفتر على المستوى الدولي، وأعطته مصداقية رجل دولة، بالإضافة إلى إشراكه في المفاوضات. وسط هذه المفاوضات التي نجح في إفشالها جميعاً، نظّم حفتر سيطرته الإقليمية، بما في ذلك الهجوم على طرابلس.

هجوم فاشل ضد طرابلس

اعتماداً على تكتلها حول حفتر، حاولت هذه الدّول الكبرى زعزعة توازن القوى، من خلال فرض سلطة استبدادية عن طريق قوة السلاح، في حين كان يفترض أن تشكل السيطرة على طرابلس الخطوة الأخيرة من أجل فرض الدولة على الأرض وعلى المجتمع، انطلاقاً من هذا المكان المركزي ومن أعلى.

لقد قامت هذه القوى بدعم وتمويل وتسليح وإلهام المشير حفتر -ولو جزئياً- في هجومه على طرابلس يوم 4 أبريل/نيسان 2019، عشية مؤتمر وطني يجمع الليبيين. كان هذا اللقاء ليشكل الأول من نوعه الذي يعقد على الأراضي الليبية ويجمع طيفاً واسعاً من الجهات الفاعلة، وكان من شأنه أن يُسفر عن تنظيم انتخابات. وقد استهدف هذا الهجوم من خلال إجهاض المؤتمر، إغلاق الباب نهائياً أمام أيّ حل سياسي. كما أن بدء الهجوم تزامناً مع يوم زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس كان رسالة واضحة وجافّة إلى الأمم المتحدة مفادها إبعادها من العملية السياسية العسكرية في ليبيا.

انطلق هذا الهجوم وكأن نصراً سريعاً ينتظره، لكنه توّرط منذ بدايته. وقد خلّف بعد تسعة أشهر فقط من بدئه ألفي قتيل في صفوف المقاتلين و300 من المدنيين، بالإضافة إلى 150 ألف نازح، ولا يزال متعثّرا. وقد أعمى الإصرار الجيوسياسي الذي قاد هذا الهجوم مؤيدي حفتر وجعلهم غير قادرين على فهم الرفض الذي يثيره، والذي يستمد قوته من الشعور المعادي للديكتاتورية الراسخ بقوة منذ الثورة.

هذا ما يفسر كيف تسبب هجوم حفتر في توحيد جلّ فصائل طرابلس ضده وبشكل يكاد يكون تلقائياً، وهو إخفاق فريد، ولم يتمكّن الإيمان بالرجل القوي حتى في إيجاد رسوله. وقد أدى الفشل الواضح لهذا الهجوم إلى دفع حفتر ومؤيديه إلى هروب إلى الأمام نحو الحرب، مادام هؤلاء غير قادرين على العودة إلى العملية السياسية التي كان يهدف الهجوم إلى إحباطها. عودة كهذه كانت ستؤدي حتما إلى وضع حدٍّ لطموح حفتر إلى مصير وطني وكانت ستدمّر مراهنة أنصاره عليه لأكثر من خمس سنوات.

تجلّت مواصلة الاستراتيجية التدميرية من خلال غارات جوية مميتة متزايدة استهدفت المدنيين وأشركت بشكل مباشر القوات الجوية الإماراتية والمصرية، قبل أن تصل تعزيزات الطائرات السورية مؤخراً إلى بنغازي، فيما وسّع دخول روسيا المشهد دعما لحفتر نطاق التدخل الأجنبي. يتجاوز عدد أفراد القوات الروسية اليوم -والمتألفة من مقاتلين من شركة الأمن الخاصة “فاغنر” المحنكين في الأساليب المتطورة للحرب- الألف جندي، ويستجيب حضورهم لارتفاع النزيف في صفوف قوات حفتر1.

في هذا السياق لتزايد مستوى التدخل الأجنبي، أتى الانخراط التركي عبر إرسال قوات.

تركيا وروسيا تكشفان أوراقهما

هكذا أصبحت القوى الأجنبية الفاعل الرئيسي والمباشر في الصراع. وقد أدّى انخراط دولتين عضوين في مجلس الأمن الدولي (أي روسيا وفرنسا) إلى تحييد هيئة الأمم المتحدة، ومنع أي محاولة لكبح التدخلات الأجنبية لتفادي تصعيد الصّراع. حتى اليوم لم تستطع الأمم المتحدة حتى التصويت حتى على قرار يدين الهجوم، ناهيك عن اتخاذ أي خطوة لمحاولة وضع حد له. كما أسفر دعم فرنسا لحفتر وصراع النفوذ بينها وبين إيطاليا عن تحييد أوروبا في الملف الليبي.

تمكّن في النهاية فاعلان اثنان هما روسيا وتركيا، من استباق الوساطة. ورغم تواجههما في معسكرين متعارضين، يقتسم البَلَدان الحاجة لإعادة التوازن في علاقاتهما مع أوروبا. فبالنسبة لروسيا وتركيا، تعتبر هذه المسألة أكثر أهمية من التموقع في ليبيا. وتم تحقيق هذا التقارب بين البلدين وبين كل منهما مع أوروبا باستخدام ليبيا كوسيلة للمفاوضات، فيما غُيّبت مصالح ليبيا وفق المساومات وعلى حساب انقسام متفاقم البلد.

إن رفض حفتر -تحت ضغط مؤيديه بما في ذلك فرنسا التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار بموسكو، واستئناف القتال، وانتقاد الرئيس ماكرون بحدة الخرق التركي لحظر الأسلحة مع التغافل على خرق القوى المعادية، يشير إلى أن تجمع الدول المساندة لحفتر ستتصدى بعنف للسيادة التركية-الروسية المشتركة. وقد يشير التحول الأخير بمشاركة ممثلين عن حفتر في مفاوضات جينيف بتاريخ 3 فبراير/شباط وقبولهم بمبدأ وقف إطلاق النار أنهم باتوا يتبنون طريقة أخرى لمواجهة هذه السيادة المشتركة، وذلك لوعيهم بخطر الانفجار الإقليمي وتشتت البلد وتداعيات كل هذا المنطقة وعلى أوروبا.

1تشير وثائق داخلية لمركز حفتر في بلدة غريان، التي استرجعتها قوات حكومة الوحدة الوطنية، إلى خسارة 40٪ من أفرادها في نهاية يونيو/حزيران.