المحجبات في فرنسا: المشاريع الخاصة ضد التمييز

في فرنسا، تتعرض المحجبات للتمييز المجتمعي وكذلك للتمييز المهني، وهي ظاهرة غير قانونية ولكن يصعب كفاحها. ولولوج سوق الشغل رغم كل هذه الصعوبات، تحاول بعض النساء بعض مشاريعها الخاصة.

ونحن على أبواب الدورة العشرين للاجتماع السنوي للمسلمين في فرنسا، نذكر لقاءنا السنة الماضية في نفس هذه الفترة برتيبة زهدلي، امرأة محجبة تبلغ من العمر 33 سنة، كانت تبتسم بفخر أمام الزبائن الذين كانوا يمرون بمكان عرضها. بعد عامين من الأبحاث لتطوير منتوجها، تمكنت رتيبة من اقتراح بضاعة على مسلمي فرنسا كانت الأسواق تفتقر إليها إلى حد الآن، وهي الأغذية الحلال للأطفال.

تقول إحدى حرفاء رتيبة التي كانت متشوقة لاقتناء هذه الأغذية لابنتها: “لم يكن بوسعي من قبل إلا اقتناء الأغذية المصنوعة بالسمك أو الخضار”. أما الآن، فتمكنها منتوجات شركة رتيبة “تايني منيو” من اقتناء حساء بالخضر واللحم مثلا، أي أن تتمتع ابنتها بنظام غذائي غني بالحديد.

نزع الحجاب أو البطالة

في الحقيقة، لم تفكر رتيبة أبدا من قبل في إنشاء شركة تصنع الغذاء للأطفال. كانت قد تحصلت على شهادة ماجستير من الكلية العليا للتجارة في باريس (ESCP) -إحدى أفضل المؤسسات التعليمية في هذا المجال بفرنسا- لكن عندما أرادت الحصول على عمل، وجدت نفسها أمام خيار يعترض العديد من المسلمات في فرنسا: أن تنزع حجابها أو أن تعاني من البطالة.

تقول رتيبة: “إنه عالم مغلق وصعب النفاذ للمسلمات. فصورة المرأة المحجبة سيئة جدا في فرنسا، كثيرون يظنون أن وضعنا مشابه لوضع النساء في بعض البلدان العربية، حيث يجبرن -قانونيا أو اجتماعيا- على ارتداء الحجاب. لكننا في فرنسا نختار ارتداء الحجاب ولسنا ضحايا أي كان”.

على غرار العديد من الآباء والأمهات المسلمين في فرنسا، حاول والدا رتيبة ثنيها عن ارتداء الحجاب، خاصة مع تفاقم الجدل حول وجود الأقلية المسلمة في فرنسا -الأهم في أوروبا- والتي يبلغ حجمها 9% من مجموع السكان1

محل عرض “برشا”، العلامة التجارية التي تبيع ثيابا للمسلمات كما لغير المسلمات، خلال الاجتماع السنوي للمسلمين في فرنسا لسنة 2019 .
أريانا مظفري

جدل على مدى الثلاثين سنة الماضية

التاريخ الاستعماري لفرنسا يجعل مسألة الإسلام مثيرة للجدل على أراضيها. ففي استطلاع للرأي قام به معهد إيفوب في أكتوبر/تشرين الأول 2019، صرّح 61% من المستجوبين باعتقادهم أن الإسلام لا يتوافق مع القيم الفرنسية، بينما يعتقد 80% أن العلمانية في خطر في فرنسا.

ربع المسلمات في فرنسا تقريبا محجبات، لكنهن محل جدل منتظم حول الإسلام، رغم عددهن الضئيل. وقد سبق واعتبر الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الحجاب كموضوع مثير للجدل في فرنسا لأنه “لا يتطابق مع طريقة العيش في بلادنا، فنحن مهتمون جدا بالمساواة بين النساء والرجال.”

يدعو المفهوم الفرنسي للعلمانية إلى فصل تام بين الكنيسة والدولة، كما يتطلب من العاملين لحساب الدولة عدم إظهار انتمائهم الديني أو السياسي. ولكن بعد طرد ثلاث فتيات من المعهد لرفضهن نزع حجابهن، بدأت مسألة فصل الدين عن الدولة تمتد لجوانب أخرى من الحياة الفرنسية.

في 2004، حظر البرلمان الفرنسي ارتداء رموز دينية في المدارس العمومية. وفي 2010، تم حظر تغطية الوجه في الأماكن العمومية لمنع ارتداء النقاب. أما في 2016، فقد حاولت عدة مدن منع ارتداء “البوركيني” -وهو لباس سباحة خاص بالمحجبات- على الشواطئ العمومية.

الانغلاق على طائفتهم

بداية 2019، استشاط عدد من السياسيين غضبا أمام قرار متجر للملابس الرياضية ببيع حجاب للراكضات -وقد انتهى الأمر بسحبه من نقاط البيع. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شهد البلد منذ أشهر جدلا آخر حول الحجاب عندما طلب سياسي من حزب أقصى اليمين خلال اجتماع في مجلس محلي من والدة مسلمة كانت ترافق القسم الذي يدرس فيه ابنها خلال رحلة مدرسية نزع حجابها.

عموما، يتم تبرير هذه القوانين باسم الانسجام مع القيم الفرسنية والمجتمع، لكن دراسة نشرتها جامعة ستانفورد سنة 2019 حول قانون سنة 2004 أبرزت أن “النساء اللواتي يشملهن القانون ينعزلون ضمن المجموعات الاجتماعية التي ينتمون إليها ويتفادون التعامل مع باقي المجتمع”.

كذلك، أصبح أكثر فأكثر صعوبة ارتداء ملابس دينية للعاملين في القطاع الخاص. ففي 2014، قدمت امرأة شكوى أمام المحكمة بعد طردها من حضانة لارتدائها حجابا، بدعوى أن رؤية رموز دينية قد تؤثر على الأطفال. وفي 2016، منح قانون الشغل الحق لأرباب الأعمال في وضع قوانين دينية داخلية بدعوى أسباب أمنية أو صحية، أو في بعض الحالات التي يكون فيها الموظفون في تواصل مباشر مع الحرفاء.

تشرح مريام هانتر هينان، وهي أستاذة قانون في كلية لندن الجامعية درست بدقة العلمانية الفرنسية أنه “بعد قانون 2004، أصبحت العلاقة بالعلمانية هشة أكثر فأكثر. بل أصبحت عديمة في حالة العاملة بالحضانة وقانون حظر النقاب. فالعلمانية لل تستعمل كقاعدة قانونية لكنها لا تزال -بشكل أو بآخر- تؤثر على الفكر القانوني”.

نسبة بطالة مرتفعة

المسلمات هن أكثر من يعانين من هذه القوانين. بحسب دراسة تعود إلى سنة 2015، فإن أقل من نصف أرباب الأعمال فقط (42% تحديدا) يقبلون بتشغيل امرأة ترتدي حجابا. كما أن “اختبارا للسيرة الذاتية” سنة 2014 أثبت أن حظوظ امرأة متحجبة من أصول مغاربية للحصول على مقابلة عمل 55 مرة أضعف من حظوظ امرأة بيضاء دون حجاب.

كما أثبتت دراسة واسعة قام بها العهد الوطني للدراسات الديمغرافية أن نسبة البطالة في صفوف المسلمات في فرنسا تصل إلى ضعف نسبة البطالة لدى المسيحيات. قد تكون من بين أسباب هذه النسبة المرتفعة وفق صاحب هذه الدراسة باتريك سيمون كون لدى عدد من النساء المحجبات رؤية تقليدية أكثر للأدوار العائلية، لكن أيضا لأنه “عمليا مستحيل اليوم بالنسبة لامرأة محجبة الاشتغال في فرنسا. عندما يتطلب جانب من العمل التواصل مع حرفاء، فإن أغلب أرباب العمل لا يريدون امرأة ترتدي الحجاب. وحتى إن لم يكن هناك تواصل مع الحرفاء، هناك تمييز دائم ينتج عنه أن عددا ضئيلا جدا من أرباب رؤوس الأعمال يقبلون بتوظيف امرأة ترتدي الحجاب”.

“كلنا نسويات”.
أريانا مظفري.

يقول هشام بن عيسى وهو عالم اجتماع اشتغل مع أكثر من 500 شركة فرنسية لتطوير سياساتها الدينية، إن التمييز يزداد كلما صعدنا السلم الاجتماعي: “لم أر قط خلال عملي امرأة محجبة في منصب إداري. الناس يقبلون أن تقوم امرأة محجبة بأعمال تنظيف أو أن تعتني بأطفالهم. أما أن تعطيهم امرأة محجبة أوامر، فهذا مستحيل”.

كلما صعدوا في السلم المهني، كلما تعرضوا أكثر للتمييز

ويبدو أن دراسة أخرى واسعة المجال قامت بها مؤسسة جان جوريس في سبتمبر/أيلول 2019 حول التمييز والاعتداءات العنصرية ضد المسلمين في فرنسا تؤكد تجربة بن عيسى: فكلما صعد المسلمون في السلم المهني، كلما تعرضوا أكثر للتمييز. 63% من المسلمين الذين يشغلون مناصب إدارية أو الذين يعملون في مجالات تتطلب شهادات عليا تعرضوا للتمييز في السنوات الخمس الأخيرة.

يقول فرانسوا كراوس، وهو أحد المشرفين على هذه الدراسة: “يعود هذا الوضع لخيارات مهنية، فبمجرد أن تدخل الأقليات للعوالم التي يطغى عليها”البيض“ويتركون وراءهم مجتمعهم كمسلمين أو كأقلية بضفة عامة، فهم يتعرضون إلى هذا النوع من العنصرية. كما أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى تعليمي أعلى أكثر وعيا بمسائل التمييز”.

كثيرات هن المسلمات اللواتي يعانين من رفض مؤسسات التشغيل، حتى إن كان ذلك لمناصب غير إدارية. مريم كرم الباغة من العمر 20 سنة تعودت نزع حجابها يوميا للذهاب إلى عملها كسكرتيرة طبية في منطقة ألزاس، بشمال شرق فرنسا، غير بعيد عن الحدود الألمانية. في أحد الأيام، بينما كانت تبحث عن منصب كسكرتيرة، “ذهبت إلى مقابلة عمل وأنا أرتدي حجابي، فقالت لي الطبيبة مباشرة إنها لن تقبل أبدا أن أرتدي حجابي في الشغل، لأنها لا تريد أن يرى المرضى امرأة مذعنة وراء المكتب”.

وصفت الجمعية ضد معاداة الإسلام في فرنسا -وهي إحدى المنظمات العديدة التي تساعد المسلمات في مكافحة التمييز- قانون 2016 الذي يسمح لأرباب الأعمال بتعزيز الحياد الديني بأنه “سبب كاذب يمكن من التمييز ضد المسلمات”.

وتشرح نعيمة سعيد وهي مختصة قانونية تابعة للمنظمة بأن “في حال سأل مشغل امرأة عن انتمائها الديني خلال المقابلة، أو عن خيارها في لبس الحجاب، أو إن لمح إلى أن لبسها الحجاب قد يمنعها من الحصول على الشغل دون ذكر سياسة الحياد الديني للشركة، فعندئذ يمكن الحديث عن أرضية تمييز”.

ترى نعيمة أن المشكلة لا تحظى بالتغطية الإعلامية اللازمة: “هؤلاء النساء يشعرن أنهن ضحايا ولا يتمتعن دائما بالطاقة اللازمة لمتابعة هذه الشكاوى، فهي طريق طويلة وعسيرة”.

يضيف فرانوا كلاوس حول تردد عديد الشركات الفرنسية في تشغيل نساء محجبات: “يفكر أرباب الأعمال بصورتهم وبمخاطر تشغيل امرأة محجبة في فريقهم، خاصة منذ وقوع الهجمات الإرهابية والخلط بين المتدينين والمتطرفين. كما أنهم يفكرون بالتماسك الداخلي: هل ستندمج هؤلاء جيدا مع الفريق؟ وهل سيذهبن مع باقي الزملاء لاقتناء مشروب بعد الدوام؟ فالعديد من أرباب العمل يرون الحجاب كرمز للانغلاق الاجتماعي. وفي العقلية الفرنسية، لا يعتبر الحجاب كأحد مكونات الهوية، شأنه شأن لون البشرة. بل هو بالنسبة لهم رأي فلسفي، كالانتماء السياسي”.

عرض لأحجبة صنعت في فرنسا.
أريانا مظفري.

خلق مشروعهن الخاص

أجبرت هذه العراقيل المسلمات على التأقلم. توجد على الشبكات الاجتماعية مجموعات مثل “يمكنك العمل وأنت ترتدين الحجاب” يسمح فيها نشر إعلانات ونصائح مهنية. كما تتقاسم النساء أسماء شركات يسمحن باللباس الديني، لا سيما مؤسسات عظمى مثل “أمازون” أو شركة الأثاث السويدية “إيكيا”. وتعلق رتيبة على ذلك قائلة: “هي عموما شركات غير فرنسية”.

كما يختار عدد متزايد من النساء إنشاء مشاريعهن الخاصة حتى يتسنى لهن العمل وهن يرتدين الحجاب. تقول كرم مثلا التي كانت سابقا سكرتيرة طبية قبل أن تصير مستشارة رقمية مستقلة: “أدركت أنني لا أرغب في تغيير طريقة لباسي، ما دفعني إلى عالم المشاريع الخاصة”.

في 011، أطلقت لويزا بوغرارة صفحة “أخوات بيزنس” للمسلمات صاحبات المشاريع. وقد أطلقت بدورها شركتها على الانترنت لبيع مساحيق التجميل. وقد أدركت من خلال العدد الهائل من الأسئلة الذي وصلها عبر صفحة الفيسبوك أن العديد من النساء ليس لهن أدنى فكرة عن طريقة إطلاق مشاريعهن الخاصة.

تشتغل لويزا اليوم ضمن فريق يعد خمس نساء لمساعدة 200 حريفة منتظمة على تطوير مشاريعهن الخاصة أو تجاوز العقبات الإدارية. ومنذ 2013، أطلقت المؤسسة مسابقة سنوية للشركات الناشئة. وكانت الفائرة بمسابقة سنة 2018 شابة أنشأت مع زوجها تطبيقا على منوال “تيندر” يهدف لربط الباحثين على العمل بالشركات.

تدعى إحدى حريفات لويزا ديالا ماغاسا، وهي أم لستة أطفال تبلغ من العمر 36 سنة، استعانت بـ“أخوات بيزنس” من أجل إطلاق علامة تجارية لمواد التجميل على الانترنت، فقد “ظننت أنهن قادرات على تفهم وضعي. لقد عانينا جميعا من نفس المشاكل -أو لنقل أغلبنا- إذ لم نستطع إيجاء شغل بسبب ارتدائنا الحجاب”.

زوج ديالا ساعدها في هذه المغامرة، لكن لويزا تقول إنه من الوارد جدا أن تعيش حريفاتها مشاكل عائلية أو زوجية بسب التطلعات المحافظة التي لاتزال عالقة بمصير النساء. لكن يبدو أن الأمور بدأت تتغير، فخلال الاجتماع السنوي للمسلمين في فرنسا، كان وزج رتيبة يعتني بطفليهما بينما كانت تبيع أغذية الأطفال الحلال. في حين كانت نساء شابات محجبات أخريات يرتدين آخر موضة يبعن عباءات وأحجبة مزركشة.

تقول إيمان مستاوي، البالغة من العمر 27 سنة وصاحبة علامة “برشا” التجارية والتي تبيع لباسا “محتشما” للمسلمات وغير المسلمات: “نحاول أن نظهر للناس أنه يوجد أكثر من لباس ديني، ليس فقط الطريقة السلفية أو الوهابية”.

شرعت عالمة الاجتماع حنان كريمي في دراسة هذه الظاهرة عندما لاحظت أن عددا متزايدا من النساء يخترن طريق المشاريع الخاصة لعدم نجاحهن في الحصول على شغل. وقد شاهدت حتى نساء محافظات جدا يندمجن أكثر من خلال هذه المشاريع في المجتمع الفرنسي.

تغير في العقليات

“كان بعض النساء لا يتحدثن مع الرجال ويتركن الأمر لأزواجهن، لكنهن أجبرن على العمل مع الرجال والتفاوض معهم في إطار نشاطهن المهني، كما صرن يلتحقن بحفلات لإقامة تواصل بين أصحاب المشاريع الخاصة”.

ترى لويزا أن المشاريع الخاصة خطوة ضرورية لتغيير دور المسلمات في المجتمع الفرنسي: “الأمر لا يتعلق فقط بالمشاريع، فهي بالأخير أدوات تمكن النساء من التطور وتحقيق ذواتهن”. لكن حنان كريمي تؤكد على أن هذه المشاريع تنبع من حاجة لا من اختيار: “حتى بالنسبة للنساء اللواتي يحملن شهادات عليا وأفكار مشاريع عظيمة، فإن العامل الأساسي الذي يدفعهن نحو المشاريع الخاصة هو فرض نزع الحجاب في أماكن العمل. المشاريع الخاصة هي أولا وقبل كل شيء وليدة إكراه، حتى ولو اتضحت إيجابية فيما بعد”.

تأمل رتيبة أن يصير مشروعها مماثلا لدانون أو نستليه -أي مرجعا في مجال الأغذية الحلال للأطفال. وقد تحصلت على منحة ابتكار من طر البنك العمومي للاستثمار فرنسا، وهي ترى في ذلك "مفارقة: أنا ممنونة لفرنسا لتمويلها مشروعي، لكن في نفس الوقت، الناس هنا لا يقبلونني كما أنا.

إنهم يريدون أن تبقى المسلمات في الخلف، أن نبقى في موضع خضوع. هذا الظلم حافز لي اليوم، ولا خيار لي إلا النجاح".