مصر: مداخلة شيخ الأزهر المفاجئة

انتقد شيخ الأزهر في مداخلة له العالم العربي والإسلامي وأكد على أن كل تجديد للإسلام يجب أن يكون من الداخل.

“لا أحدثك عن الأسلحة التي تباع لنا ليقتل بعضنا بعضا، نحن يا سيدي بنشتري الموت بفلوسنا”. هكذا ختم شيخ الأزهر أحمد الطيب مداخلته خلال “مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي” في القاهرة. وقد قال قبل ذلك في إشارة لـ“صفقة القرن”: “أنا كنت في منتهى الخذل وأنا أشاهد ترامب مع نتانياهو، وهم يخططون ويقولون ويتحكمون ويحلّون المشاكل [في المنطقة]، لا يوجد أحد عربي ولا أحد مسلم”. وقد كان تصفيق الحاضرين في القاعة يتخلل مداخلته قبل هذه الجملة التي قوبلت بالصمت. وهو أمر قد يلخّص المشهد.

لم تكن هذه المداخلة منتظرة في محتواها ولكن كذلك من صاحبها، وهو ما جعلها تستقطب انتباه عديد وسائل الإعلام العربية. فأحمد الطيب يحظى بصفته شيخ الأزهر برمزية مهمة في العالم الإسلامي السني، وقد تحدث هنا بجرأة لا بأس بها حول الوضع السياسي الآني للمسلمين والعرب. لكن حديثه لم يقتصر على ذلك بل تطرق أيضا إلى الاستقلالية السياسية للعرب، لا سيما الاستقلال الفكري لمدارس الفقه الرسمية، نظرا للتحديات الخارجية وكذلك الداخلية.

YouTube

انقسامات حول “تجديد الخطاب الديني”

لكن يجب وضع تعليقات الشيخ في سياقها، نظرا للمؤسسة التي يمثلها وأين هو منها في الوقت الراهن. فمنذ 2015 والسلطات المصرية تدفع بمشروع لـ“تجديد الخطاب الديني” قسّم المؤسسة الدينية. عموما، لا يكترث علماء الأزهر كثيرا للمبادرات الدينية البحتة التي تأتي من شخصيات غير دينية، لاعتبارهم أن هذه المسائل تعود إليهم حصريا، لا لفاعلين من الخارج. وهو رأي يشاطرهم إياه -أمام الملأ- محمد الطيب كغيره من كبار علماء الأزهر.

لكن هذا الموقف لم يمنع علماء الأزهر من المشاركة في هذا المؤتمر، إشارة منهم على الأقل أن هكذا أنشطة يجب أن تنظم تحت إشرافهم، وهو أمر أكّد عليه محمد الطيب، نظرا لمكانة الأزهر في العالم الإسلامي السني، وهو أمر تطرقت إليه مع زميلي ناثن براون في مقال صدر لنا مؤخرافي موقع “فورين أفارز” وفي مقال آخر على موقع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

عندما يحضر شيخ الأزهر مجلسا ما ويشارك في النقاش، ينصت الجميع، فهو يترأس المؤسسة، أي الجامع والجامعة بشبكة مدارسها الواسعة في مصر وبقية العالم. كما أن مكانته في العالم الإسلامي جعلت البابا فرانسوا يختاره ليمضي معه وثيقة “الأخوة الإنسانية” العام الماضي.

تنظم مؤسسة الأزهر مؤتمرات عديدة حول ختان الإناث أو التطرف والإرهاب أو الحوار بين الأديان، إلخ. عموما، لا تجلب هذه المؤتمرات انتباه الكثيرين، وكان يمكن أن يكون الأمر كذلك هذه المرة بالنسبة لمؤتمر تجديد الفكر الإسلامي.

دفاعا عن التراث

كما ذكرنا في بداية هذا المقال، فإن نهاية مداخلة أحمد الطيب سياسية بحتة. وكان قبل هذه الفكرة يأسف لكون مصر عاجزة عن صنع مجرد أطر سيارات رغم جميع المجهودات التربوية التي يبذلها الأزهر وباقي المؤسسات التربوية في البلاد، ما يعبر عن شعور الشيخ بالإحباط أمام تبعية مصر. ويأتي تصريحه حول غياب البعد الإسلامي في حياة العالم العربي والإسلامي اليومية كانتقاد لوضع العرب والمسلمين في العالم -ولا سيما لقادتهم بلا شك:

هل تجد أن التراث مطبق في حياتنا؟ أنا لا أظن أن التراث مطبق. [...] بالعكس، أنا كنت أتوقع أن يقول الناس أين التراث مما نحن فيه؟ فشخصيتنا انتهت. شخصيتنا ايه كعرب ومسلمين؟ لا شيء. ده يُقضى في أمورنا.

تمحور خطاب شيخ الأزهر حول الدفاع عن التراث الديني السني. ويمكن أن نرى في ذلك هجوما لبقا ضد ادعاء يرى بأن التراث هو مصدر مشاكل المسلمين. فخلال المؤتمر، تحدث رئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت عن تراث الفكر الإسلامي السني وبالخصوص عن الأشعرية، وهي المدرسة الإسلامية السنية الأساسية. وقد عارض عدد من علماء الدين الموجودين حديثه بقوة، فقد رأوا فيه افتقارا لأي بعد تاريخي، علاوة على انتقاد الخشت لما رآه عدم قدرة التراث في التجديد في سياق الحداثة. وهو أمر يندرج ضمن السرد العام حول “تجديد الخطاب الديني” في مصر حاليا.

ليس من العجيب أن يغتنم أحمد الطيب -كونه أعلى ممثل للأزهر- الفرصة ليوضح موقفه من تصريحات رئيس جامعة القاهرة -برفضها بطريقة لا تخلو من الحماس. لكنه لم يقتصر على إعادة وضع مسألة التراث الإسلامي في سياق تطورها التاريخي، بل بدا واضحا أنه لم يكن ينتقد فقط رئيس جامعة القاهرة بل كذلك مفهوم “التجديد” كما روّج له الرئيس السيسي. فمفهوم التجديد وفق فكر الأزهر هو عملية داخلية دائمة في الفقه الشرعي الإسلامي، شرط أن يتم من الداخل:

التجديد في بيت الوالد يكون في بيت الوالد. وبدل أن يكون لون أخضر أو لبنة [أي بدل تغيير اللون أو اللبنة] أعيد بناءه مرة أخرى بما يناسب أنماط البناء المعاصرة.

من خلال هذه الفكرة، أكد الشيخ على أن التجديد ضرورة تنبع من التراث وليست أمرا تفرضه الحداثة. وقد هدف جزء كبير من مداخلته إلى إثبات وجود هذا الأصل داخل الفكر الديني، وإلى التأكيد على أن التراث يفرض هو بنفسه تجديدا -لكن باستعمال أدواته ونماذجه الخاصة، لا باستيراد إطار مرجعي خارجي. ليس من المؤكد أن الطيب كان ينوي اتخاذ موقف فريد من نوعه، فكلامه كان في آخر المطاف ردا على مداخلة محمد عثمان الخشت ولم يكن خطابا مستقلا أراد الإدلاء به. ولكن من المهم أن نرى كيف لا يزال الأزهر في 2020 يحاول رسم طريق لا تتوافق بالضرورة مع طريق السلطة. وهذا السبب -علما وأنه ليس الوحيد- يكفي لتفسير الاهتمام الذي ستواصل هذه المؤسسة إثارته.