تقرير صحفي

رحلة قلنديا المُجدولة، أو مطار القدس المنسي

ظلّ مطار القدس إلى غاية عام 1967، بوابة مفتوحة للفلسطينيين على العالم، قبل أن يتم إغلاقه أمام حركة التجارة منذ الانتفاضة الثانية. يعود هذا المطار غير المعروف إلى واجِهة الأحداث بسبب الخطة الإسرائيلية لإقامة مستوطنة محلّه.

“وأنا طفلة، شكّل مطار قلنديا بالنسبة لي ذلك المكان السّحري الذي أحسست فيه لأول مرة بحرية الطيران. كباقي الأراضي الفلسطينية، تمت سرقته واغتصابه وتشويهه ليصبح رمزًا للقمع والأسْر”. بهذه الكلمات، ردّت حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، على قرار وزارة الإسكان الإسرائيلية. ففي الـ 18 من فبراير/شباط، أعاد المتحدث باسم الوزارة التأكيد على إرادة إسرائيل التي تمّ التعبير عنها قبل عدة سنوات في إنشاء مستوطنة على موقع مطار القدس القديم. أما اليوم، فقد بات حتى اسمه موضوع جدال: إذا كان الإسرائيليون يُطلقون عليه اسم “مطار عطاروت القديم”، نسبة إلى المُوشاف (بلدة تعاونية زراعية) الواقع قربه مباشرة، فإن الفلسطينيين يتحدثون بشكل طبيعي عن “مطار قلنديا” أو “مطار القدس”.

مطار في فلسطين تحت الانتداب البريطاني

عودة إلى عام 1920، عندما أقام البريطانيون مطاراً على الأرض المجاورة للطريق الرابطة بين القدس ورام الله. شكّل هذا المطار الذي أُطلِق عليه اسم “مطار كولونيا”، المطار الأول والوحيد في فلسطين الانتدابية إلى غاية بناء مطار “اللد” عام 1936، والذي سيصبح لاحقاً “بن غوريون”.

مع نهاية الانتداب البريطاني عام 1948، تم وضع المطار تحت السلطة الأردنية، التي حولته إلى مطار مدني عرف سنوات مزدهرة. كانت الأحرف العريضة لتسمية “مطار القدس” تلمع على المدرج، كما استقرت بسرعة العديد من شركات الطيران بالمطار، كالخطوط الجوية اللبنانية وطيران الشرق الأوسط التي كانت تربط بيروت مرتين في اليوم (اندمجت الشركتان سنة 1964)، ثم مصر للطيران وكذا طيران الأردن (“الملكية الأردنية” اليوم).

ربطت رحلات عدة أسبوعيًا مُدن القاهرة وعمان وعدن والكويت. تقول المخرجة الفلسطينية ناهد عواد: “يجب ألا ننسى أن العديد من الفلسطينيين كانت تربطهم علاقات عائلية وتجارية مع البلدان المجاورة. خلال أبحاثي، قابلت رجلاً كان يدير مكتبة في رام الله. أخبرني أنه كان يقوم بعدة رحلات أسبوعياً إلى بيروت والقاهرة من أجل نقل الكتب أو جلبها. الوضع كان مختلفاً تمامًا: لقد كان العالم العربي مفتوحًا أمامنا”.

تعرف هذه المرأة الفلسطينية بشكل جيد تاريخ هذا المطار. في ظل الغياب التام للبيانات التاريخية، تمكنت بعد أبحاث طويلة من جمع القطع المفقودة، لتنتج في عام 2007 الفيلم الوثائقي “خمس دقائق عن بيتي” (من إنتاج عكّا‎ فيلم ومونارش فيلم وكارافان فيلم). “شكّل مطار القدس نافذة على العالم بالنسبة للفلسطينيين، وبوابة الأراضي المقدسة بالنسبة للسياح والحجاج وكل العالم العربي. وقد نزل الكثير من الممثلين والشخصيات الدينية والسياسية في مطار القدس”.

بعد الحرب العربية الإسرائيلية في يونيو/حزيران 1967، تم إلحاق الموقع بالأراضي التي ضمّتها إسرائيل، قبل أن تتم مصادرته في عام 1970. حينها، كان المطار لا يزال مسجلاً على أنه متواجدٌ على الأراضي المحتلة. وكانت النتيجة أن إسرائيل لم تستطع لسنوات عديدة استخدامه كمطار دولي. “كان المطار مسجلاً تحت الاختصاص القضائي للأردن ضمن خطة الملاحة الجوية لمنظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو) للشرق الأدنى. حاولت إسرائيل الالتفاف على هذا الاتفاق، لكن دون أن تُفلح في ذلك. كانت هذه إحدى المرات الوحيدة التي بقيت فيها جميع الدول العربية متكاتفة”.

من عام 1970 حتى 2000، اقتصرت حركة الطيران على الرحلات الداخلية، معظمها باتجاه تل أبيب، قبل أن يتم إيقافها نهائياً بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

موقف حافلات

إذا كان المدرج وبرج المراقبة لا يزالان على حالهما، فإن مطار القدس الذي يقع على بعد عشرات أمتار فقط من حاجز قلنديا، مهجور اليوم، وقد تحول إلى أرض خلاء تُعريها الرياح، بعد عزله بالجدار الفاصل عن أحياء كفر عقب والرام والضفة الغربية.

لعب تشييد الجدار دورًا رئيسيًا في تاريخ المطار، إذ جعله متعذر الولوج، بل وخفيّاً على الغالبية العظمى من الفلسطينيين. بل وكان هذا الحائط مصدر صعوبات لناهد عواد في إنتاج فيلمها: “خلال الفترة التي ما بين بدء تصوير الفيلم وإنهائه، كان الإسرائيليون قد أتمّوا بناء الجدار. لذا لم يعد باستطاعتي الذهاب إلى هناك بدون موافقة. قمت مع طاقمي بتقديم طلبٍ إلى القنصلية الفرنسية في القدس التي كانت شريكًا في الفيلم، حتى نتمكن من التنقل إلى عين المكان. حصل جزء من الفريق على التصريح في اليوم ما قبل الأخير من التصوير. أمّا أنا، فلم أتمكن من الحصول عليه رغم أني مديرة التصوير. لذا كان علي أن أجد حلّاً آخر، أي العبور بشكل غير قانوني. عندما أفكر في الأمر اليوم، أجده ضرباً من الجنون، لكن الأوضاع كانت مختلفة”.

ابتداءً من عام 2007، بدأت تُتداول الشائعات بخصوص إنشاء مستوطنة. ورغم عدم بدء أي مشروع بهذا الخصوص، إلّا أن إسرائيل لم تتخل بشكل نهائي عن الفكرة. من الجانب الفلسطيني، يبدو أن تاريخ المطار في طريقه إلى النسيان، خاصة بالنسبة للأجيال الشابة. ففي الحافلة التي تُقل نحو القدس والتي تمر على بعد بضعة أمتار من مهبط الطائرات، تتحدث شابتان فلسطينيتان: “هذه الأرض؟ كانت مطار فلسطين في السابق. لكننا لا نعرف أكثر من ذلك إذ تم بناء جدار أمامه. وحدهم من يملكون تصريحاً يمكنهم رؤية ما تبقى من المطار.”

تضيف ناهد عواد: “الموقع اليوم ليس محتلاً فحسب، بل ولا يكاد يكون موجودًا في ذاكرة جيلي، إذ يبقى مخبأً فقط في ذاكرة الناس الذين عرفوه كمحور نشيط للطيران. لقد اكتشفت جزءًا من تاريخي كنت أجهله كفلسطينية. أحسست ببعض من طعم الحرية وشاهدت البوابة التي كانت في السابق مفتوحة على العالم. هذا الفيلم شكّل أيضًا بالنسبة لي معركة من أجل التعريف بهذا التاريخ”.

خلال شهر مارس/آذار 2020، توقفت حوالي ثلاثين حافلة في عين المكان. يحكي أحد السائقين: “نتوقف هنا عندما تتوفر لدينا عدة ساعات من الراحة” قبل أن ينبهنا: “لا تتقدموا نحو برج المراقبة، فالجيش الإسرائيلي يراقب، ولا يُحب أن يقترب أحد”.

مشروع مستوطنة تعد 11 ألف وحدة سكنية

يكتسي الإعلان الذي أصدرته وزارة الإسكان الإسرائيلية في 18 فبراير/شباط بشأن مشروع 11 ألف مسكن على الموقع نكهة خاصة لدى العديد من الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين عايشوا فترة نشاط المطار.

احتجت المنظمة غير الحكومية “القدس الدنيوية” على الفكرة: “إن حدود المشروع لا تتوافق إلّا جزئيا مع خط المصادرة لعام 1970، كما أن الممتلكات فسيفساء مركبة. فالجزء الأكبر من المكان يتألف من أراضي مملوكة للدولة، ووحده جزء صغير يتبع الصندوق القومي اليهودي1، وذلك على موقع موشاف عطروت المُتخلى عنه عام 1948. قرابة 25 ٪ من الأراضي تعود ملكيتها للفلسطينيين”.

تعتبر المنظمة أن أسباب اهتمام إسرائيل بالمكان واضحة: “لقد استنفذت تقريباً جميع احتياطياتها من الأراضي وتطرح المواقع القليلة المتبقية إشكالية كبيرة. مع التنامي القوي للمجتمعات الأرثوذكسية المتشددة، تضطر العائلات الجديدة إلى مغادرة القدس نحو مدينة”بيت شيمش“المجاورة، أو إلى المستوطنتين الكبيرتين على الضفة الغربية للخط الأخضر،”موديعين عيليت“و”بيتار عيليت“. يستجيب إنشاء مستوطنة جديدة للاحتياجات المتزايدة لهذه المجتمعات، إلى درجة أن هناك خطة سريالية لبناء نفق تحت مخيم قلنديا للاجئين ليربط بين موقع المطار ومستوطنة”كوخاف يعقوب“الأرثوذكسية المتشددة في الشمال”.

كما يتعارض المشروع تماماً مع خطة الولايات المتحدة “السلام من أجل الازدهار التي تم الكشف عنها أياماً قليلة قبل إعلان الوزارة الإسرائيلية. فما يسمى بـ”صفقة القرن“تدعو إلى إنشاء قطاع قادر على المساهمة في”تنمية منطقةٍ سياحية من درجة عالمية، وعلى دعم السياحة الإسلامية في القدس والأماكن المقدسة“حيث يوجد المطار. أي باختصار، بناء مجمع فنادق ومطاعم ومحلات تحت سيطرة إسرائيل، ولفائدة الفلسطينيين. من الجانب الفلسطيني، لا يؤمن أحد باحتمال تنفيذ خطة ترامب، لأن النخب الإسرائيلية تواصل مشاريعها دون أخذها بعين الاعتبار. ووفق تحليل منظمة”القدس الدنيوية“، فإن”الرسالة الموجهة إلى لفلسطينيين واضحة: إسرائيل تفعل ما تريد بدعم من الولايات المتحدة، بما في ذلك بناء مستوطنة في نفس المكان الذي حددته خطة ترامب لصالح الفلسطينيين".

فهل يمكن تنفيذ هذه الخطة؟ لا شيء أقل تأكيدًا، وسيواجه هذا المشروع تعقيدات قانونية ضخمة، خاصة بسبب قربه من رام الله وكفر عقب.

تختم ناهد عواد قائلة: “أخبار كهذه تؤلمني كثيرا. آمل حقًا ألا يستكملوا مشروعهم. لكننا نعرف كيف يشتغلون، إنهم يصدرون تصريحات، ثم يحللون ردود الفعل، قبل أن يعودوا للهجوم سنوات بعد ذلك”.

1أسّس هذا الصندوق في 1901 وهو يمتلك ويتصرف في مئات آلاف الهكتارات من الأراضي